"ماما زمانها جاية" و"دبدوبة التخينة"... تراث غنائي يحرّض الأطفال على التنمّر

الثلاثاء 12 يناير 202104:00 م

بحرج، استعادت إيمان (30 عاماً) سنواتها العشر الأولى، التي كانت تجمعها على عتبات بيتها في حي شبرا الشعبي، قبل عشرين سنة، مع الصغار في جلسات لعب تتخللها مراقبة أنوف المارة من كبار السن، والضحك بخبث.

تتذكر شقيقها الصغير، الذي فضحهم في إحدى تلك الجلسات، بوقفة عفوية وجّه فيها مسدس المياه الذي جلبه من "لعبة الحظ"، لأنف أحد المارة من كبار السن، ثم هتف: "يا راجل يا عجوز مناخيرك قد الكوز"، والكوز هو إناء فخاري للشراب.

اللعبة، تقول إيمان لرصيف22 إنها كانت "تحوي قدراً هائلاً من السخافة"، لا يمكن اقتصارها على جيلها، ولا جيل شقيقها فحسب، إذ تُعد تراثاً طفولياً، يتنقل تلقائياً حتى وصل اليوم لطفلتها الوحيدة علياء، التي ضبطتها في إحدى جلسات اللعب مع جدها، تطلق نفس العبارة الساخرة عن الكوز والأنف والعجوز، وكأن الزمن لا يتحرك.

 تعود اللعبة إلى أغنية "ماخدش العجوز أنا".

وسواء كانت إيمان أو شقيقها أو طفلتها، فجميعهم يجهلون المصدر الذي جلبت منه اللعبة، إذ تعود إلى أغنية "ماخدش العجوز أنا"، التي غنتها الفنانة ليلى نظمي في الستينيات، وأخذت تكرر بدلع عقب كل مقطع: "يا راجل يا عجوز مناخيرك قد الكوز" حتى انتشرت، ووجدت طريقها إلى الصغار.

وفي حين أن الأغنية كانت وقتها تصنف كتراث شعبي، ولكنها بمعايير زمننا هي قائمة على التنمر، إذ تعبر المطربة عن رفضها الارتباط بكبار السن، ساخرة من هيئاتهم.

ومن إيمان إلى طفلتها، فالتجربة تثبت أن ثمة تشبّعاً للأعمار الصغيرة بظاهرة التنمر، يزيد من صعوبة مهمة منظمة "اليونيسيف"، التي أطلقت في أيلول/ سبتمبر 2018، حملة بمصر للتوعية بخطورة التنمر بالتعاون مع وزارتي التعليم العالي والتعليم الفني، وتحت رعاية المجلس القومي للأمومة والطفولة.

"كل أصحابه ضحكوا عليه"

وإذا كانت أغنية نظمي (غير الموجهة للطفل بالأساس) التي مر على إطلاقها أكثر من أربعين عاماً، في أقل تقدير، أباحت للصغار-بدون قصد- مبدأ التقليل من قدر الآخر بالسخرية من هيئته، فماذا عن أغنيات تُصنف أغاني أطفال، حوت في غفلة من صانعيها عبارات تحرض على التنمر أو تتصالح معه في أحسن الأحوال.

البداية من أغنية "ماما زمانها جاية" للفنان محمد فوزي، التي تحولت بمرور الوقت، لرمز موازٍ لمرحلة الطفولة.

 وجّه شقيقها الصغير مسدس المياه الذي جلبه من "لعبة الحظ"، لأنف أحد المارة من كبار السن، ثم هتف: "يا راجل يا عجوز مناخيرك قد الكوز"

وتعتمد الأغنية التي أُطلقت عام 1951، ويعيد بعض صانعي أغاني الأطفال اليوم إنتاجها بأصوات ورسومات حديثة، على تهدئة فوزي لطفل رضيع تركته أمّه، بحكي له قصص تربوية عن أطفال مجهولين.

عن طفل مريض يدعى عادل، في إحدى المقاطع يقول فوزي: "ما بيشربش اللبن الصبح، وكل أصحابه ضحكوا عليه، وأهو من يومها شرب وبيكبر، واتربالوا عضل في إيديه".

وفيما لم يحمّل فوزي أساليب تربية الستينيات أي تحفظات على تصرف الضحك في حد ذاته، مكتفياً بنصيحة شرب اللبن كوسيلة لتجنب سخرية الآخر، فمنظمة اليونيسيف في الألفية الثانية، رغبت في التوعية بشأن التنمر، استعادت مشهداً شبيهاً بمشهد فوزي؛ يقف فيه الرفاق حول زميل لهم في ساحة مدرسة للضحك منه.

"فيل أبو زلومة"

الراحل إسماعيل ياسين (1912- 1972) هو الآخر كانت له تجربة مع التنمر، فالفنان الذي كانت أعماله توجّه للصغار والكبار معاً، عُرف بفمه الكبير حتى إنه استثمر ذلك في الشهرة، وباتت ضحكته، واقتراب الكاميرا من فمه، وسيلة مضمونة لإضحاك الجماهير.

ولم تبتعد أغنيات أفلامه عن ذلك، فأدى في فيلم "إسماعيل ياسين في الجيش" (إنتاج 1959) أغنية "سلّم علي" للفنانة ليلى مراد، مع تغيير في الكلمات، فقال على نفس اللحن الصعيدي: "وشك يا حسين موضة قديمة، بؤك كان أصله صالة سيما"

وبمنطق إنهم حيوانات فلا حق لهم، فكان للفيل والدب النصيب الأكبر من السخرية بحكم حجميهما، فقالت ليلى نظمي في أوبريت "سنة أولى أول" المقطع الشهير: "ارقص لي يا فيل يا أبو زلومة وأديلك قرش، رجلك من تقلك مظلومة يا تقيل يا أبو كرش"، فيما قدمت فرقة "4m " التي أطلقها الراحل عزت أبو عوف وشقيقاته الأربع مطلع الثمانينيات، أغنية "دبدوبة التخينة"، وتقول الفرقة فيها: "أجمل من فى الحفلة مين؟ دبدوبة التخينة...نطى نطة يا دبدوبة، ده أنتي تقلك تقل الطوبة".

"دبدوبة التخينة"

وتشرح ولاء (25 عاماً) لرصيف22 كيف أنها خرجت في جيل يرى كل بنت سمينة "دبدوبة"، وكل ولد زائد الوزن "فيلاً"، وأعادت تلك "الاعتقادات الجارحة" إلى طفولة تشبعت بأفلام "توم وجيري"، التي قدمت شخصية المرأة السمينة السمراء للسخرية، وأعمال مثل "دبدوبة التخينة" التي تتناول السمنة كمادة للضحك.

وتتذكر صديقتها في الصف الخامس الابتدائي -عمرها كان 10 سنوات آنذاك- عندما انهارت في بكاء بعدما عنفتها إحدى المدرسات التي رأت أنها ترتدي ملابس طفولية لا تتناسب مع حجم جسدها، ولتضمن إحجامها فضلت إحراجها بوصفها بـ"الدبة".

ومن التنمر على أساس الشكل إلى التحيز الإيجابي بناء على النوع، حاولت سعاد حسني في أغنية من كلمات صلاح جاهين باسم "البنات البنات"، ضمن مسلسل "هو وهي" (إنتاج 1985)، رد الاعتبار للإناث في مجتمع يعتقد أن إنجاب الأنثى محنة.

وخلال تعدادها مزايا الإناث سقطت حسني في فخ التمييز، فغنت: "قولوا يا بختنا، قد إيه كلنا، فرحانين إننا اتولدنا بنات".

وردًا على هذا التحيز، حاول الأطفال الذكور الاعتراض، فشهدت الأحياء الشعبية تحويراً لكلمات الأغنية التي حققت عقب طرحها نجاحاً كبيراً، فبدلاً من "البنات ألطف الكائنات"، أصبحت "صراصير البلاعات".

وتعود سماح (31 عاماً) إلى ذكرياتها مع الأغنية، فتقول لـرصيف22: "كان شيء ما في عقولنا يقسم حلقات لعبنا في الشارع على أساس النوع، كنا نلعب ذكوراً وإناثاً معاً، ولكن ما إن يحدث خلاف نجد أنفسنا مقسمين إلى فريقين، أحدهما للإناث وآخر للذكور، ويسير كل منهما فيما يشبه المظاهرة، الأول يهتف: البنات صراصير البلاعات، والثاني يرد: الولاد برص ماشي على الحيطان".

"أصحابي الفقراء"

التصنيف الطبقي رغم بعده عن عالم الأطفال، الذي يفترض إنه لا يفهم المادة وأهمية المال، لم يغب هو الآخر عن بعض أغنيات الأطفال. عندما سألت الفنانة صابرين في أغنية "أنا الفرخة" في الثمانينيات: "أما أديك الحاجة الحلوة؟"، فجاء صوت طفولي بالجواب: "أديها لأصحابي الفقراء".

وتعبر ندى التي بدأت أمومتها منذ تسعة أشهر فقط، عن ذهولها من تضمين تصنيفات من هذا النوع في أغنيات للأطفال، وتتابع لرصيف22: "أظن أن القائمين على الأغنية كان لديهم رغبة في توصيل قيمة العطاء، لكن تقديمها بمصطلحات مباشرة مثل الأغنياء والفقراء، قد يؤذي مشاعر المحتاجين منهم".

وتضيف: "منذ أن بدأت تجربة الأمومة، وبدأت معي نظرة انتقائية للأغنيات، ما يصح أن يُقال للطفل وما لا يصح".

ولتجنب بعض العبارات التي اتفقت على أنها تدخل في سياق التنمر، قالت: "ليست لدي رفاهية الاستغناء عن الأغنيات القديمة تقريباً، هي كل ما نملك في المجال الغنائي للطفل". وتضيف: "كل ما تمكنت من فعله هو أن أردد الأغنيات على مسمع ابني، مع حذف بعض المقاطع التي عليها تحفظ أو استبدل كلماتها بأخرى من خيالي".

"ناجحة بمعايير زمنها"

وتتفق سفيرة الاتحاد العالمي لحماية الطفل بمصر، عبير العراقي، على عمق أزمة التنمر لدى أطفال مصر. تقول: "كل شيء حولهم تقريبًا يحرض على ذلك، بدءاً من أسرة إلى الشارع وصولاً إلى منتج إعلامي".

وتكمل: "أغاني الأطفال القديمة التي تتضمن بعض العبارات المتنمرة، إذا ما حاسبناها بمعايير زمنها فهي رائعة ومتسقة مع أساليب تربية عصرها بعض التحفظات"، موضحة: "الأزمة لدينا نحن عندما عجزنا عن تقديم منتج طفولي غنائي يلائم عصرنا ويختصر أساليب التربية الحديثة في عمل فني متقن".

"كل شئ حول الأطفال في مصر تقريبًا يحرّضهم على التنمر، سواء كانت أسرة أو شارع أو منتج إعلامي"

ولفتت إلى أن الفقر الغنائي، واقتصار الجهود الفنية على إضفاء صبغة حديثة على القديم عبر إعادة إنتاجه بأصوات ورسومات متحركة عصرية، ترك أطفال اليوم لأغاني الماضي بأفكاره التربوية التي تجاوزها الزمن، "فيجد الطفل تفاوتاً مثلًا بين ما تتبعه أمه من تربية حديثة، وما يسمعه في أغنيته المفضلة" بحسب قولها.

ولهذا تعتقد العراقي أن مهمة محاصرة التنمر بين أطفال مصر معقدة، معتبرة أن كافة جهود اليونيسيف والجهات الرسمية المصرية المعنية بالطفل على مدار العامين الأخيرين، لم تؤت بعد بنتائج ملموسة.

الإيقاع أولًا

وتفسر دراسة موسيقية نشرتها المجلة الأردنية للفنون عام 2013، بعنوان " أغاني الأطفال الشعبية في الأردن ودلالاتها الرمزية" وجود بعض الملاحظات على النصوص الشعرية لأغاني الأطفال، بتقديم أصحابها للإيقاع الموسيقي على النص الشعري.

ويدلل الباحثون على ذلك بتضمين بعض الأغنيات كلمات ليس لها معنى أو كلمات لا تتسق مع السياق العام للأغنية، بغرض تنظيم الإحساس بالإيقاع. ويقولون في مخرجات دراساتهم: "ليس بالضرورة إيجاد وحدة للمعنى في النص الشعري المغنّى، وذلك بسبب تركيز أغاني الطفل على الإيقاع الموسيقي، وإغفالها جانب وحدة المعنى، الذي قد لا يعني للطفل شيئًا".

وترى الاستشارية النفسية وتعديل السلوك، زينب طه، أن تأثير الأغنيات ومعانيها على الطفل يتناسب مع حجم تعرضه لها، "فكلما تعرض الطفل لأغنيات تحوي عبارات تنمر يكون تأثيرها أعمق".

ولفتت طهرإلى أن الأغنية بشكل عام تحظى بأهمية في حياة الطفل، لأنها " تُعد وسيلة سهلة للتعلم"، معتبرة أن هذا السبب يجعل تضمين بعض الأغنيات عبارات "غير سوية أمراً سيىء العواقب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard