عقب "انتكاسات كبيرة"... الأمير محمد بن سلمان يسعى إلى السلام لا إلى الصراع

السبت 9 يناير 202112:00 ص

اختار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد، أن يدخل العام 2021 بسياسة مختلفة وبمظهر "صانع سلام" بعدما ورّط بلاده في العديد من الصراعات العالمية والإقليمية خلال السنوات الماضية. وهو ما يراه مراقبون نابعاً من "انتكاسات" كبيرة وعديدة منيت بها سياساته السابقة. 


منذ صعود الأمير محمد (35 عاماً) إلى السلطة، عام 2015، دخلت المملكة -أكبر دولة مصدرة للنفط الخام في العالم- سلسلة من المشاريع العالية المخاطر بشكل غير معهود: حرب اليمن، وقطيعة تامة لقطر، وقطع جزئي للعلاقات مع كندا، وحرب أسعار نفط مريرة مع روسيا، وحرب تجارية مع تركيا.


لعب على أكثر من جهة

لكن دبلوماسياً مقيماً في الخليج، طلب عدم نشر اسمه، قال لوكالة بلومبرغ إن ولي العهد الشاب يحاول الآن اللعب على اثنين من أذرع التأثير في نفس الوقت؛ أولهما أن يحقق أية مكاسب ممكنة من إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب الصديق للسعودية، وهو ما تجسد في تلبيته رغبة صهر ترامب جاريد كوشنر بحضور القمة الخليجية رقم 41 لعرض نفسه كصانع سلام هو الآخر. 

مصوراً نفسه "صانع سلام"، اختار MBS  أن يبدأ العام 2021 بسياسة جديدة: المصالحة أفضل من الصراع. فسعى إلى إنهاء العديد من الصراعات التي ورط بلاده فيها: الأزمة الخليجية وحرب أسعار النفط والشجار مع تركيا. ما السبب؟

أما ثانيهما، فأن يجعل نفسه قائداً لا يستطيع الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن أن ينبذه أو يتجاهله، بعد الظهور بمظهر المصلح. وذلك عقب التصريحات الشديدة اللهجة من بايدن عن عدم التسامح مع انتهاكات الرياض كما فعل سلفه.


من جهتها، رأت كارين يونغ، الباحثة في المعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة بالعاصمة واشنطن (American Enterprise Institute) أن "هذا جهد لأخذ دور قيادي من أجل محاولة الحصول على بعض المزايا الدبلوماسية مع إدارة بايدن القادمة"، مرجحةً في الوقت ذاته أن يكون هذا التحول في سياسة MBS نابعاً من "إدراك أن السنوات الأربع الماضية أدت إلى الكثير من المغامرات في السياسة الخارجية".


انتكاسات على عدة جبهات

إلى ذلك، يمكن استنتاج أن التحول في سياسة الأمير محمد لم يكن مرده المخاوف من إدارة بايدن المقبلة فحسب، خاصةً أن التضاريس التي يسلكها الأمير محمد تغيرت أيضاً. تواجه خطة MBS لتنويع الاقتصاد السعودي وعدم الاعتماد على النفط فقط "انتكاسات كبيرة"، وفق بلومبرغ التي أشارت أيضاً إلى  "تراجع سمعة المملكة بعد سلسلة من الفضائح" و"زيادة إلحاح التحديات الداخلية بفعل جائحة الفيروس التاجي".

"هذا جهد لأخذ دور قيادي، لمحاولة الحصول على بعض المزايا الدبلوماسية مع إدارة بايدن القادمة" مع "إدراك أن السنوات الأربع الماضية أدت إلى الكثير من المغامرات في السياسة الخارجية"

خلال قمة العُلا، غاب الملك وسطع نجم نجله الأمير في المكان الذي عكس تماماً طموحاته وخطته لتحويل المنطقة إلى وجهة سياحية عالمية. تصدر الأمير المشهد بلقطات عناقه الودي لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد واصطحابه له في نزهة بسيارته التي قادها بنفسه لإظهار الود وخصوصية الرحلة.


أشار هشام الغنام، أستاذ العلوم السياسية والباحث في مركز الخليج للأبحاث، إلى أن الديناميكيات الإقليمية كانت عنصراً حيوياً في الدفع نحو إصلاح العلاقات، بما في ذلك رغبة السعودية في التركيز على صراعها مع إيران بعدما عبّر بايدن عن تطلعه إلى العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي تخلى عنه سلفه. تتخوف المملكة من مثل هذه الخطوة المحتملة التي مثلت حافزاً إضافياً لها لإصلاح علاقاتها مع الجارة الصغرى قطر.

"المملكة لا تبحث عن مواجهة في الوقت الحالي"... ما علاقة ذلك بخفض إنتاجها من النفط؟

أضاف الغنام: "السعودية تريد أن تكون حكماً في الخلاف بين دول الخليج بدلاً من أن تكون جزءاً من هذه الصراعات".


يُذكر أن خفض إنتاج المملكة من النفط كان دليلاً آخر على النفوذ الإقليمي والعالمي للرياض حيث صرح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، الأخ الأكبر غير الشقيق لولي العهد، بأن التحرك يعني أن بلده تقود عالم النفط وتساعد الآخرين الذين يعانون من انخفاض أسعار النفط، بما في ذلك العراق.


لكن حتى هذه الخطوة تسلط الضوء على تغير السياسة النفطية للمملكة في عهد الملك سلمان وولي عهده إذ إنه بعد عقود من الافتخار بأن النفط بعيد عن السياسة، أصبح القصر الملكي أكثر تدخلاً في السياسة النفطية التي باتت مكائدها أكثر تسييساً.


لم ينكر القادة السعوديون ذلك. وصف الأمير عبد العزيز خفض الإنتاج بأنه خطوة "سياسية سيادية" وليست "فنية". وسيكون القرار مكلفاً حتى بالأسعار الحالية، إذ ستكلف المملكة ثلاثة مليارات دولار شهرياً من عائدات النفط المفقودة، وفق حسابات بلومبرغ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard