"ماركات عالمية تُفكّر بترك السوق"... السعودية تُهدّد الاقتصاد التركي بالمقاطعة

الاثنين 12 أكتوبر 202008:33 م

بدأت تأثيرات المقاطعة السعودية للسلع التركية في الظهور، إذ قرّرت ماركات عالمية تُصنّع منتجاتها في تركيا بالتفكير في الانتقال إلى دول أخرى، وهو ما توقع محللون أن يُشكّل انتكاسة اقتصادية لأنقرة.

يشير محللون أتراك إلى أن خيارات أنقرة محدودة في الرد على المقاطعة السعودية في ظل عدم وجود قرار رسمي مُعلَن بهذا الشأن، متوقعين لجوء تركيا إلى الحوار مع الرياض.

وما قد يمثّل مشكلة أكبر لتركيا هو دخول دول عربية أخرى مثل الإمارات والبحرين ومصر في دائرة الدول المقاطعة للبضائع التركية، وذلك في إطار ما حُكي عن ضغط على أنقرة من أجل غلق ملف قتل الصحافي جمال خاشقجي.

المقاطعة السعودية

قال موظف في مجموعة ملابس "Mango" الإسبانية إن السعودية "حظرت جميع الواردات للمنتجات التي تصنعها في تركيا".

وقالت الشركة الإسبانية، وهي واحدة من شركات التجزئة الأوروبية والأمريكية التي لديها مرافق تصنيع في تركيا، إنها "تبحث عن بدائل بعدما تباطأت منتجاتها التي يتم تصديرها إلى السعودية من أنقرة".

بدوره، أشار رئيس "اتحاد مصدري الملابس في إسطنبول (IHKIB)" مصطفى غولتيبي إلى أن جميع تجار التجزئة المنتجين في تركيا والمصدرين إلى الدولة الخليجية تأثروا بالمقاطعة السعودية. وأضاف في حديث لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية: "نحن نتحدث عن جميع العلامات التجارية العالمية التي لها متاجر في السعودية، وتُنتج في تركيا وتبيع هناك".

واشتكى مصدرون أتراك من أن منتجاتهم واجهت تأخيراً طويلاً في الجمارك السعودية خلال الشهر الماضي، فيما ينظرون إلى هذه المشاكل على أنها محاولة من الرياض وحليفتها الوثيقة الإمارات لمعاقبة أنقرة على ما تعتبرانه تدخلات تركية مزعزعة للاستقرار في العالم العربي.

وزعم أحد التجار الخليجيين إن أي شيء يُصنع في تركيا أو يأتي عبرها لم يعد مسموحاً به في السعودية.

من جهتها، ردّت شركة "H&M" السويدية بأنه "من السابق لأوانه التعليق على القيود التجارية التي تم الإبلاغ عنها وأهميتها بالنسبة لأعمالنا".

ورفضت شركتا "ماركس& سبنسر" البريطانية و"إنديتكس" الإسبانية اللتان تصدران بعض منتجاتهما من تركيا ولديهما متاجر في السعودية التعليق.

وكانت شركة "Boohoo"، وهي شركة بيع بالتجزئة عبر الإنترنت مقرها المملكة المتحدة، تسعى إلى التوسع في الشرق الأوسط، لكنها تعمل حالياً على تحديد ما إذا كانت ملابسها التركية الصنع ستتأثر بالقيود السعودية، وفق ما نقلت "فاينانشال تايمز". 

وحذرت "ميرسك"، وهي أكبر خط شحن حاويات في العالم، عملاءها الأتراك الشهر الماضي من وجود مشاكل متزايدة مع الجمارك السعودية، موصية بـ"اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخسائر المحتملة".

وتعد تركيا واحدة من أكبر منتجي المنسوجات في أوروبا والشرق الأوسط، حيث قامت بتصدير ما قيمته 17.7 مليار دولار من الملابس الجاهزة، عام 2019.

وتحتل السعودية المركز الخامس عشر من بين أكبر أسواق التصدير في البلاد، حيث بلغت المبيعات في قطاعات السجاد والمنسوجات والمواد الكيماوية والحبوب والأثاث والصلب 1.91 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى هذا العام، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 17٪ عن عام 2019.

اشتكى مصدرون أتراك من أن منتجاتهم واجهت تأخيراً طويلاً في الجمارك السعودية خلال الشهر الماضي، فيما ينظرون إلى هذه المشاكل على أنها محاولة من الرياض وحليفتها الوثيقة الإمارات لمعاقبة أنقرة على ما تعتبرانه تدخلات تركية مزعزعة للاستقرار في العالم العربي

ويعزو كثيرون، في المقابل، هذا الانخفاض إلى أزمة فيروس كورونا، إذ تُظهر الإحصاءات السعودية أن قيمة الواردات التركية قد انخفضت كل عام منذ عام 2015.

الرد التركي

قال المحلل التركي فراس رضوان أوغلو إنه لا يوجد قرار رسمي من السعودية، وعليه فإن موقف تركيا يبدو صعباً ما دام لم تعلن الحكومة في الرياض ذلك، وهذا مستبعد لأنه يخالف قوانين التجارة الحرة.

ولفت أوغلو، في حديثه لرصيف22، إلى أن أنقرة قد تلجأ إلى الحوار مع السعودية، خصوصاً أن الرياض تحتاج إلى أنقرة في عدد من الملفات الاستراتيجية في المنطقة.

وبرأيه، فإن خيارات أنقرة قد تشمل استهداف أسواق بديلة سواء في إفريقيا أو آسيا أو في إيران، مستبعداً أن تقدم تركيا أي تنازلات في قضية خاشقجي لأن الأمر بات في يد القضاء. 

وتوقع المحلل التركي أن يتكبد السعوديون خسائر أيضاً، لأن تعويض المنتج المصنوع في تركيا سيكون بشراء منتجات أخرى مُرتفعة الثمن أو بجودة أقل مثل السلع الصينية.

بدورها، رجّحت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية أن تلجأ تركيا إلى منظمة التجارة العالمية لحل هذه المسألة، مشيرة كذلك إلى أن الرياض سوف تستضيف قمة مجموعة العشرين في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وعلى الصعيد الرسمي، كانت الحكومة السعودية قد قالت إنها لم "تفرض أي قيود على البضائع التركية"، مضيفة أن التجارة بين البلدين "لم تشهد أي تراجع ملحوظ، باستثناء الأثر العام لتداعيات فيروس كورونا"، وأنها "ملتزمة بالتجارة الحرة والاتفاقيات والمعاهدات الدولية".

مع ذلك، دعا رئيس الغرفة التجارية في السعودية عجلان العجلان على حسابه عبر تويتر إلى "مقاطعة كل ماهو تركي، سواء على مستوى الاستيراد أو الاستثمار أو السياحة"، معتبراً أنها "مسؤولية كل سعودي التاجر والمستهلك، رداً على استمرار العداء من الحكومة التركية على قيادتنا وبلدنا ومواطنينا".

التوتر التركي السعودي

أصبحت علاقات تركيا مع السعودية والإمارات، أكبر اقتصادين في الشرق الأوسط، أكثر توتراً من أي وقت مضى بعدما اتهمت أبو ظبي أنقرة والرئيس رجب طيب أردوغان بالتدخل في الشؤون العربية ودعم الجماعات الإسلامية.

وأدى التدخل العسكري التركي هذا العام إلى سلسلة من الهزائم للجنرال خليفة حفتر المدعوم من السعودية وأبوظبي.

على الصعيد الرسمي، قالت السعودية إنها لم "تفرض أي قيود على البضائع التركية"، بينما دعا رئيس الغرفة التجارية إلى "مقاطعة كل ماهو تركي"... تجار أتراك وموظفون في شركات عالمية يشكون من تأخير وصول البضائع وتشديد القيود الجمركية من الناحية السعودية

وسعت الرياض في السابق إلى استخدام الإجراءات الاقتصادية ضد حكومات أخرى لممارسة ضغوط دبلوماسية عليها، كما في عام 2017، حين فرضت الرياض وأبو ظبي حظراً تجارياً كاملاً على قطر، فدعمت تركيا الأخيرة بالسلع لكسر هذا الحصار، ونشرت قواتها في إحدى القواعد العسكرية في الدوحة، وهو إجراء اعتبرته الإمارات والسعودية تهديداً لأمن دول الخليج.

وتصاعدت التوترات بشكل أكبر بعد مقتل خاشقجي على يد رجال أمن سعوديين في قنصلية المملكة في إسطنبول، عام 2018. وأثار قرار أنقرة محاكمة مسؤولين سعوديين بارزين في المملكة على خلفية تورطهم في القضية غضب الرياض مما اعتبرته محاولة تركية لتسييس مقتل خاشقجي، في سبيل إضعاف سلطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

هل تتوسع المقاطعة؟

كشف نائب عن حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي أن المقاطعة السعودية قد تسببت بالفعل في "خسائر مادية جسيمة" للمزارعين والمصدرين في هاتاي والمناطق المحيطة بها، محذراً من توسع المقاطعة التي تفرضها السعودية لتضم دولاً أخرى كالإمارات والبحرين وسلطنة عُمان.

وكانت مصر قد عملت في طليعة الجهود المبذولة لخلق موقف عربي موحد ضد تركيا، كان آخرها في اجتماع 9 أيلول/سبتمبر في جامعة الدول العربية، لكن الشكوك تبقى حول ما إذا كانت الدول العربية قادرة على اتخاذ إجراءات موحدة وفعالة ضد تركيا.

يُذكر أن في عام 2019، اشترت الدول العربية سلعاً تركية بقيمة حوالي 36 مليار دولار، وهو ما يمثل خمس صادرات تركيا البالغة 180 مليار دولار.

ويعد العراق أكبر مشتر عربي للبضائع التركية، إذ بلغت قيمة المبيعات التركية لبغداد 10.2 مليار دولار العام الماضي، وهو ما يمثل 28٪ من الصادرات التركية للدول العربية، تليها الإمارات بنسبة 10٪، ومصر بنسبة 9.7٪ والسعودية بنسبة 9.2٪.

وبلغ إجمالي الصادرات إلى الدول الأربع 21 مليار دولار العام الماضي، في حين اشترت قطر، الحليف الإقليمي الرئيسي لتركيا، بـ1.2 مليار دولار من البضائع التركية.

بلغ إجمالي واردات تركيا من الدول العربية 14 مليار دولار في عام 2019 ، ما يمثل 6.7٪ من إجمالي الواردات. وهو ما يجعل الميزان التجاري في صالح تركيا، حيث تجاوزت صادراتها الواردات بنحو 22 مليار دولار، ما يؤكد أهمية الأسواق العربية للمصدرين الأتراك.

وبلغت الاستثمارات العربية المباشرة في تركيا 32 مليار دولار اعتباراً من عام 2019، وهو ما يمثل 21٪ من الاستثمارات الأجنبية المباشرة البالغة 150 مليار دولار في تركيا، وفقًا لبيانات البنك المركزي.

اللافت أن حوالي 22 مليار دولار أو 68٪ من الاستثمارات العربية المباشرة تخص قطر، أما الإمارات فاستثمرت بستة مليارات دولار في تركيا، في حين أن الاستثمارات السعودية المباشرة كانت بأقل من مليار دولار.

في المقابل، تبلغ قيمة الاستثمارات التركية المباشرة في الدول العربية 2.4 مليار دولار، نصفها في الجزائر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard