ما بين الصراع والتصالح: أعادت المملكة العربية السعودية قطر إلى المجلس الخليجي لكن إيران لا تزال تخلط الأمور

الخميس 7 يناير 202101:12 م

صادف يوم الثالث من شهر كانون الثاني/يناير الذكرى الأولى لمقتل الجنرال الإيراني ذي الأفعال الغامضة قاسم سليماني الذي حشد الميليشيات في أنحاء الشرق الأوسط، بضربة من طائرة مسيّرة أمريكية. كان المزاج العام في الشرق الأوسط محموماً. خشي المسؤولون الأمريكيون من حصول انتقامات في أيام تلك الذكرى. قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في تغريدة إن "المعلومات الاستخبارية التي أتت من العراق تشير إلى مؤامرة أمريكية لتلفيق ذريعة لشن الحرب". تم الابقاء على حاملة الطائرات الأمريكية نيميتز في مياه الخليج، بعد وقتٍ قصير من تحركها للعودة إلى قاعدتها كبادرة تصالحية مع إيران. في نهاية الأمر، مر يوم 3 كانون الثاني/يناير دون وقوع حوادث، سوى صراخ قادة ميليشيات موالية لإيران أمام أتباعهم في العراق، واليمن، ولبنان. مع ذلك، لم تكن الأيام التي تلته تحمل الهدوء ذاته. 

بعد يومين من تلك الذكرى، أعلن الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، أن العلاقات الدبلوماسية أعيدت بين قطر والدول التي قاطعتها منذ ثلاث سنوات. قال الأمير فيصل للصحافيين إن المملكة العربية السعودية وقطر اتفقتا على "تنحية الخلافات جانباً وبشكلٍ تام" خلال قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت يوم الثلاثاء، الخامس من كانون الثاني/يناير  في مدينة العلا. خلال الأشهر الأخيرة، كثف الوسطاء الكويتيون والأمريكيون جهودهم لإنهاء الصراع. أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي: "هناك حاجة ماسة اليوم لتوحيد جهودنا للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا، لا سيما التهديدات التي يمثلها برنامج النظام الإيراني النووي وبرنامج الصواريخ البالستية وخططه للتخريب والتدمير".

الأمير محمد بن سلمان: هناك حاجة ماسة اليوم لتوحيد جهودنا للنهوض بمنطقتنا ومواجهة التحديات التي تحيط بنا، لا سيما التهديدات التي يمثلها برنامج النظام الإيراني النووي وبرنامج الصواريخ البالستية وخططه للتخريب والتدمير

وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكلٍ غير متوقع إلى جانب المملكة العربية السعودية وحلفائها في بداية النزاع، ووصف قطر بأنها "ممول للإرهاب" على الرغم من استضافة الإمارة لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. لكن مساعدي الرئيس أقنعوه لاحقاً باتخاذ موقف أكثر حيادية. أشاد الرئيس ترامب بما يقوم به الشيخ تميم بن حمد أمير قطر في مكافحة تمويل الإرهاب في اجتماع بالبيت الأبيض عام 2018. بدا أن جهود الوساطة الكويتية لم تحرز سوى تقدمٍ ضئيل حتى أواخر العام الماضي، حينذاك كثفت إدارة الرئيس ترامب الضغط على جميع الأطراف لإنهاء النزاع الذي أحبط جهودها لبناء تحالف من الدول الخليجية لمواجهة إيران ووكلائها.

لم يكن ذلك هو الحدث الوحيد الذي برز في هذه الأيام المختلفة. في الرابع من كانون الثاني/يناير، أعلنت إيران أنها استأنفت تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20٪ في منشأة فوردو تحت الأرض، أي أنها قطعت تسعة أعشار الطريق إلى مستوى التخصيب المطلوب للأسلحة النووية. بموجب شروط الاتفاق النووي الموقع بين إيران والقوى الدولية الست عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018، يُحظر على إيران التخصيب بتاتاً في منشأة فوردو، ناهيك بمثل هذا المستوى.

انتهكت إيران بالفعل عدة بنود من ذلك الاتفاق على مدار العامين الماضيين كردٍ على حملة "الضغط الأقصى" التي بدأها الرئيس دونالد ترامب ضدها. في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تم اغتيال الدكتور محسن فخري زاده، كبير علماء إيران النوويين، على الأرجح من الموساد الاسرائيلي. أقر البرلمان الإيراني على الفور قانوناً يطالب حكومة الرئيس حسن روحاني بإنتاج وتخزين ما لا يقل عن 120 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 20٪ سنوياً، من بين مطالب أخرى. حاول الرئيس روحاني إرجاء هذه التحركات، لكنه أعلن في النهاية أنه "ملزم" بتطبيق ذلك القانون.

لا يمثل الرقم 120 كيلوغراماً رقماً إعتباطياً: إنه يمثل نصف الكمية الضرورية لصنع قنبلة ذرية واحدة. ومع ذلك، فإن الهدف المحتمل لإيران ليس الحصول على قنبلة ذرية واحدة إذ تعتقد وكالات الاستخبارات الأمريكية أن إيران أوقفت برنامجاً سرياً ضخماً لانتاج الأسلحة النووية عام 2003. بدلاً من ذلك، يبدو أن هدفها هو تحقيق تأثير أكبر لإجبار الولايات المتحدة على العودة إلى الاتفاق النووي. يؤكد السيد ظريف أن انتهاكات إيران للاتفاق "قابلة للعكس في أي وقتٍ بشكلٍ كامل إذا التزمت الأطراف الأخرى بنود الاتفاق." وعد الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بالعودة إلى الاتفاق إذا عادت إيران إلى "الامتثال الصارم" لبنود الاتفاق. تعمل إيران بحرصٍ بالغ على إلزام السيد بايدن بما تعهده من خلال إظهار أن لها آليات جيدة يمكن أن تلعبها إذا لم يتم رفع العقوبات. في الخامس من كانون الثاني/يناير، أعلن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن إيران يمكنها تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 60٪، وهو مستوى لن يكون له استخدام مدني معقول ولكنه سيقصر الطريق إلى صنع قنبلة ذرية.

قرار الدول الأربع بالتوصل لاتفاق مع قطر قد لا يكون له علاقة كبيرة بجهود جاريد كوشنر بل بخسارة الرئيس ترامب الانتخابات الرئاسة الأمريكية. السعوديون حذرون من السيد بايدن وإدارته الديمقراطية

قد تسوء الأمور قبل أن يتولى بايدن منصبه يوم 20 كانون الثاني/ يناير. حمّل الرئيس ترامب إيران مسؤولية الهجمات الصاروخية على المصالح الأمريكية والقوات الأمريكية في العراق، وأعتزم توجيه ضربات عسكرية لمواقع برنامج إيران النووي. بالإضافة إلى وجود حاملة الطائرات نيميتز المتربصة بالتحركات الإيرانية، ظهرت الغواصات الأمريكية والإسرائيلية المليئة بالصواريخ بشكلٍ واضح في مياه الخليج في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي. يقول مارك فيتزباتريك، المسؤول السابق في وزارة الخارجية والذي يعمل الآن في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن: "إنني قلق للغاية بشأن ذلك. [السيد ترامب] قادر على القيام بأي شيء."

إن لم يكن كل ذلك كافياً، فقد اختار الحرس الثوري الإيراني احتجاز ناقلة نفط كورية جنوبية في اليوم نفسه، أي يوم 4 كانون الثاني/يناير، بدعوى "تلويث مياه الخليج بالمواد الكيميائية". لا يُعرف عن الحرس الثوري الإيراني اهتمامه بالمحافظة على البيئة. كانت وكالة تسنيم، وهي وكالة أنباء مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أكثر صراحة، إذ أعلنت أن "الاستيلاء على السفينة هو ذريعة جيدة للإفراج عن الأموال الايرانية المجمدة في كوريا الجنوبية، والتي تبلغ نحو ثمانية مليارات دولار". في اليوم السابق، أشارت صحيفة طهران تايمز الإيرانية، إلى أن إيران تريد استخدام هذه الأموال، المجمدة بناءً على العقوبات الأمريكية، لشراء إمدادات من لقاح فايروس كورونا. أرسلت كوريا الجنوبية مدمرة إلى المنطقة، لكنها تقول إنها لا تخطط لاستخدام القوة. لا تزال المفاوضات جارية بين كوريا الجنوبية وإيران.

بينما كانت إيران تختار أوقات تلك الاحتكاكات والرهان على تحقيق الفوائد منها، كان خصومها على الضفة الأخرى من الخليج يتعاملون مع مشاكلهم في قمة مجلس التعاون الخليجي في مدينة العلا السعودية. عند وصول الشيخ تميم بن حمد أمير قطر إلى مطار المدينة، احتضنه الأمير محمد بن سلمان. لم يكن من الممكن تصور أن يحصل مثل ذلك العناق قبل عامٍ من الزمن. عام 2017، قررت السعودية والبحرين ومصر والإمارات أن تقاطع قطر، وأغلقت حدودها ومجالها الجوي وحولت قطر التي هي شبه جزيرة إلى جزيرة في واقع الحال.

طالبت تلك الدول الأربع، بإصرار، أن تنفذ قطر 13 مطلباً، من بينها تقليل العلاقات مع إيران وقطع العلاقة مع حركات الإسلام السياسي وإغلاق قناة الجزيرة الفضائية المثيرة للجدل من أجل انهاء المقاطعة. كانت المطالب غير واقعية منذ البدء، ولم توافق قطر على أي منها. ومع ذلك، وافقت الدول الأربع على إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع قطر في نهاية اجتماعات قمة العلا، وهي خطوة كبيرة نحو إنهاء الصراع. أعادت السعودية بالفعل فتح حدودها مع قطر، ومن المحتمل أن يرد القطريون بالمثل من خلال تخفيف حدة الخطاب على قناة الجزيرة وفي وسائل الإعلام الأخرى.

أمضى جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومستشاره، شهوراً من المفاوضات والرحلات المكوكية لأجل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الخلاف الخليجي. لكن قرار الدول الأربع بالتوصل لاتفاق مع قطر قد لا يكون له علاقة كبيرة بجهود السيد كوشنر بل بخسارة الرئيس ترامب الانتخابات الرئاسة الأمريكية. السعوديون حذرون من بايدن وإدارته الديمقراطية، إذ يقول العديد من رفاق السيد بايدن علانية إنهم غاضبون من الحرب المدمرة التي تشنها المملكة في اليمن ومقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في اسطنبول عام 2018. السعوديون، بدورهم، قلقون بشأن وعد السيد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، خصمهم الإقليمي الرئيسي. يشتري إنهاء المقاطعة المفروضة على قطر للسعوديين بعض رأس المال السياسي في واشنطن، والذي من المحتمل أن يسارعوا إلى إنفاقه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard