"احنا خايفين من إيه؟"... عن عدمية 2020

"احنا خايفين من إيه؟"... عن عدمية 2020

السبت 26 ديسمبر 202004:42 م

حملت سنة 2020 أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية في العالم العربي، دفعت العديد إلى الشعور باليأس، واعتناق "فلسفة العدمية" حتى لو لم يقرؤوا الكثير عنها.

"أيها العرق الفاني والبائس (...) ما يجدر بك أن تأمله، هو ما يعصى عليك: ألا تكون قد ولدت، ألا تكون، أن تكون العدم. ولكن بعد ذلك، أفضل ما يمكنك أن ترغبه، هو أن تموتَ قريباً".(من الميثولوجيا الإغريقية).

خلال عام 2020 الذي يوشك على الانقضاء، كثيراً ما أفصحنا (وإن كان مزاحاً) عن رغبة في الفناء والخلاص الجماعي، فمن منا لم يشارك عبر صفحاته في التواصل الاجتماعي "مستبشراً" بنيازك تقترب من الأرض وتتسبب في اصطدام عظيم، وفناء الحياة البشرية، أو غزو فضائي، كم مرة مثلاً رددت بدافع من اللامبالاة أو انتفاء الجدوى "الإيفيه" الشهير للممثل الكوميدي محمد سعد: "لما أني كده ميت وكده ميت هخاف من إيه؟!".

حسناً يا صديقي إن كنت فعلت ذلك، فأنت تملك إحساساً ما بـ"العدمية"، وإن لم تكن يوماً معجباً بفريدريك نيتشه، لكن لا داعي للفزع فهذا التشخيص غير دقيق ومغالٍ فيه إلى حد ما.

قد يكون من الصعب إيجاز الأزمات التي اختبرتها البشرية خلال عام 2020 في مقالنا هذا، ليس آخرها -ربما-انتشار فيروس كورونا الذي تسبب في وفاة ما يربو عن 1.6 مليون شخص حول العالم، كذلك الحرائق التي نشبت في رئة الأرض (غابات الأمازون)، والكثير من الزلازل السياسية التي دفعت العالم إلى حافة حرب عالمية ثالثة مجنونة.

لكن المفزع حقاً هو الإحساس المتنامي باللامبالاة إزاء كل ما يحدث، والتشاؤم المفرط بشأن النجاة أو بمعنىً آخر تنامي الإحساس بـ"العدمية".

بحسب موسوعة الفلسفة على الإنترنت، فإن "العدمية" ترتبط بالتشاؤم والشك المفرطين، اللذين يدينان الوجود، فالشخص العدمي وفق ذلك لا يؤمن بشيء، وربما يظهر نزعة للتدمير.

"ببساطة لا يوجد عالم حقيقي".

عند الحديث عن "العدمية"، يبرز اسم الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي يرى أنها تدمر في النهاية كافة القناعات الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية، ويرى نيتشه أيضاً أن القيم العليا مجردة من قيمتها لأنه "ببساطة لا يوجد عالم حقيقي".

فهل نرغب حقاً في الفناء والخلاص كما جاء في نص الميثولوجيا الإغريقية الذي أوردناه سابقًا، أو كما يبيّن نيتشه في كتابه "إدارة القوة" أن على الإنسان "أن يضع كتفه على المحراث ويُدمر".

"حياتنا تشبه الأواني المستطرقة"

منذ فشل ثورة يناير 2011 في مصر، بدأ يتسلل لأسماء رمضان، وهي صحافية مصرية مقيمة في تركيا، شك متنامٍ تجاه كل القيم والمبادئ التي اختبرتها في حياتها، وتقول إنها فقدت الإيمان بكل شيء إذ "لم يعد هناك جدوى لأي شيء في هذه الحياة". تقول لرصيف22: "أنا ممكن أكون باعمل كل حاجة صح في حياتي، لكن مش باوصل لأي حاجة، ما فيش معنى للقيم أو المبادئ".

التشاؤم المفرط الذي يطوّق أسماء، تقول إنه نتيجة طبيعية لحقبة زمنية مليئة بالفشل، لكنه تجذر خلال عام 2020 ، تضيف: "عملنا ثورة، نزلنا الميدان، وموصلناش لحاجة، بالعكس زادت الأوضاع سوءاً، حياتنا شبه الأواني المستطرقة، كله بيوصل لنفس النتيجة".

"أنا ممكن أكون باعمل كل حاجة صح في حياتي، لكن مش باوصل لأي حاجة في النهاية، ما فيش معنى للقيم أو المبادئ"

تتابع أسماء ردود أفعال الناس في مصر على انتشار وباء كورونا، فيترسخ شعورها باللاجدوى و"العدمية" أكثر فأكثر، تقول: "الناس في مصر مدركة أن في الخارج وباء مميتاً، مع ذلك يفتحون صدورهم، ويخرجون غير مكترثين بالموت الذي تساوى مع الحياة".

"الإحساس بالعدمية هو نتيجة حتمية لكل ما يحدث، لم يعد بإمكاننا إصلاح الأوضاع، نحن نعيش في عالم لا تحكمه أي أطر أخلاقية، كل يوم نفقد جزء من إنسانيتنا وذواتنا، وتمسكنا في الحياة أقل"، تقول أسماء.

أما مروان بن فارس (30 عاماً)، وهو باحث في العلوم الاجتماعية من المغرب، فيرى أن العالم اليوم يشهد "أزمة شبيهة" لتلك التي أدت إلى بزوغ "العدمية" في أوروبا في القرن العشرين.

ويرى أن استدعاء النيازك والخراب الكلي للكوكب، يمكن فهمهما من المنظور النفسي كنزوة أو غريزة الموت (الثاناتوس)، وهي نزعة تدميرية للأفراد قد تجعلهم يجنحون إلى الانتحار، أو ربما يمكن تفسيرها -وفق بن فارس- كنوع من الهروب، مضيفاً: "ربما يعتقد البعض أن تمني كارثة جديدة قد تجعلنا ننسى ما كنا فيه ونبدأ من البداية".

ويكمل بن فارس: "أحياناً ينتابني إحساس بالعدمية أو العبث، حينما لا أجد معنى للإدلاء بموقفي أو فكرتي".

"خلق واقع آخر"

يقول محمد تيسير (24 سنة) يعمل مترجماً ومحرراً من فلسطين، ويصف نفسه بـ"العدمي": "كلنا عايشين العدم وإن لم نعتنقه كفلسفة متاحة وبإدراك كامل".

ويتابع محمد، الذي يقطن في قطاع غزة، أن "العدمي العربي هارب من القيم، ويريد من الحياة أن تعترف به وهو كافر بها، لأنه يعيش العدم ولا يعتنقه كفلسفة متاحة".

ويرى في أزمات العام الحالي وإرهاصات العام المقبل "أعظم هبات الطبيعة للإنسان منذ قرون"، موضحاً أن "الغوغائية والأحداث الكارثية غير المترابطة إنما جاءت لتؤكد مدى هشاشة هذا العالم المعروف"، والذي سيؤول يوماً ما إلى "الفراغ الحالك حين يذوب الضوء".

تساهم "العدمية"، بحسب فارس، في تغيير الواقع، وتحقق توازناً نفسياً، وتبعدنا عن الشخصية الحالمة، وتجعلنا واقعيين وناضجين أكثر

وفي الوقت ذاته يشير إلى أن "العدمية هي حالة من الهرب المستمر، ولكن هرب نحو الإنسان الأصلح، والذي سيسود في حقبة ما، فالعدمية بوصفها حالة من الرفض، هي ضمنياً حالة من التمرد الثوري غير القابل للتأويل"، لافتاً إلى أن "العدمية" ليست خلاصاً من المشاكل المعاصرة، فهي لا تسعى إلى تغيير الواقع بقدر ما تسعى إلى خلق واقع آخر.

ويلفت إلى أن استدعاء النيازك يفصح عن حالة من اليأس، وبضيف: "هو نوع من العدمية الجوفاء، خاصة عندما تحولت إلى نكتة شعبية، ولكن حالة اليأس هذه هي نفسها تعبث بالإنسان، وتضحك عليه، كذلك تعبر عن مدى التدهور النفسي الذي وصل إليه الإنسان العربي المعاصر".

في المقابل، ترفض هند محمد (26 عاماً) "العدمية" كمذهب حياة وتفكير لدى الشباب، قائلةً إن "العدمية وهي الاعتقاد بأنّ القيم والأخلاق ليس لها أي أساس أو قاعدة يمكن الرجوع إليها، طبعاً أنا ضد الفكرة لأن كل شيء يحدث نتيجة سبب".

"تبعدنا عن الرومانسية الحالمة"

وتضيف هند، التي تخرجت في كلية الحقوق بمصر أن "الاعتقاد بأن العالم كله لا يحكمه شيء، وأن لا شيء صحيح هو منافٍ للمنطق، وهذا يدفعني لأن أسأل نفسي، هل الفيزياء والرياضيات وكل العلوم تُبنى على أساسيات ونظريات ينبغي أن تكون منطقية لتقبلها فيما الأخلاق والقيم والديانات لا تقوم على شيء وغير صحيحة؟!".

وتزيد أن القيم والأخلاق التي يرفضها العدميون النيتشويون (نسبة إلى نيتشه) هي حجر الأساس للعلاقات والمجتمع بشكل عام، ولكنها تستدرك وتقول "إن تلك القيم مغيبة بشكل محزن".

تشدد هند على رفضها للعدمية، لأنها لا تشكل خلاصاً من الواقع، وتنهي حديثها قائلة: "أعتقد الناس بتلجأ لفكرة العدمية حتى لا تفكر، بمعنى أنه بدلاً من أن ينتظروا الصلاح والحل، يلجؤون لنفي فكرة يمكن أن توجد حلاً".

ويختلف معها بن فارس، الذي يرى أن التفكير العدمي لا يمكن تصنيفه بشكل سلبي، يستدعي التخلص منه، أو بشكل إيجابي على أنه طريق الخلاص من الأزمات الراهنة، موضحاً: "أحياناً العدمية تكون سلبية حينما تعوق العمل أو المبادرة في اللحظة التي يمكن فيها أن تساهم في تغيير الواقع، لكنها قد تكون أيضاً إيجابية إذا كانت تحقق توازناً نفسياً، إذ تبعد الشخص عن الرومانسية الحالمة، وتجعله أكثر واقعية ونضجاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard