من أنا؟ أسأل نفسي ولا أحد يستطيع الإجابة غيري

الثلاثاء 12 مايو 202007:04 م

في دروب الحياة المتفرقة، وفي مرحلة ما من مراحل حياتنا، نجد أنفسنا جميعاً أمام معضلة استكشاف الذات، فنبدأ بطرح العديد من الأسئلة التي يصعب العثور على أجوبة شافية عليها: ما هي الكنوز الموجودة في دواخلنا؟ كيف نعرف طريقنا وما هي رسالتنا في الحياة؟

والحقيقة أن مثل هذه الأسئلة الفلسفية شغلت بال الإنسان منذ العصور القديمة، وبالرغم من مرور الزمن، إلا أنها تبقى مسائل مطروحة للتأملات والأبحاث العلمية.

إليكم رحلة البحث عن ذاتكم الحقيقية وإدراك قيمتها في هذا العالم "المجنون".


الكنوز في داخلكم

"هل لديكم الشجاعة لاستخراج الكنوز المخبأة في داخلكم؟" هذا السؤال وجهته الكاتبة إليزابيث غيلبرت، في إطار الحافز لتكوين السحر الإبداعي، وهو من بين الأسئلة الأكثر إلحاحاً في الحياة وفي تاريخ الإبداع البشري، سواء كان ذلك في الفن، الشعر والفلسفة، مع المحاولات الإنسانية للإجابة عليه.

في الواقع اعتبر فريدريك نيتشه، وهو من بين أبرز الفلاسفة الذين آمنوا بأهمية مواجهة المصاعب لتحقيق حياة مرضية، بأن رحلة استكشاف الذات هي واحدة من أعظم الصعوبات الوجودية وأكثرها خصوبة.

وفي العام 1873 تناول نيتشه هذا السؤال الأزلي الذي يدور حول كيفية العثور على أنفسنا وعلى قدراتنا الداخلية، في كتاب حمل عنوان Schopenhauer as Educator وهو جزء من تأملاته غير المحددة.

كن نفسك

"أي إنسان لا يرغب في أن يكون جزءاً من الجماهير، يحتاج فقط الى التوقف عن جعل الأمور سهلة بالنسبة إليه. ليتبع ضميره حين ينادي عليه: كن نفسك! فكلّ ما تفعله الآن، تفكر به وترغبه، كل ذلك، ليس أنت".

 رحلة استكشاف الذات هي واحدة من أعظم الصعوبات الوجودية وأكثرها خصوبة

هذا ما قاله الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه، مضيفاً: "كل روح شابة تسمع هذا النداء ليلاً ونهاراً، وترتعش حين تسمعه، لأن فكرة تحررها تمنحها إحساساً داخلياً عن هدف السعادة الذي تم تخصيصه لها منذ الأبد. لا توجد طريقة لمساعدة أي روح على تحقيق هذه السعادة، طالما بقيت مقيّدة بسلاسل الرأي والخوف. كم ستكون الحياة بائسة وبلا معنى بدون هذا التحرر! لا يوجد في الطبيعة مخلوق أكثر كآبة وحزناً من الإنسان الذي يهرب من عبقريته، والذي يتجه نحو اليمين، اليسار، الخلف وفي أي اتجاه مهما كان ذلك الاتجاه".

واعتبر نيتشه أن الترياق الحقيقي الوحيد لهذه الكآبة الوجودية يمكن تلخيصها بالتالي: "لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي ستسلكه أنت وحدك لعبور نهر الحياة. قد يكون هناك عدد لا يحصى من الممرات والجسور وأنصاف الآلهة الذين سيحملونك بكل سرور إلى الضفة الأخرى. لكن ثمن هذا التخلي عن نفسك. هناك طريق واحد في العالم لا يستطيع أحد أن يسلكه سواك. إلى أين يفضي؟ لا تسأل، امش!".

وحرص نيتشه على التذكير بأن طريق استكشاف ذواتنا ليس نزهة ممتعة، إذ أن قيام المرء بالتنقيب عميقاً في نفسه والنزول الحثيث والمباشر إلى القنوات الداخلية المحفورة في كينونته هي مهمة مؤلمة ومحفوفة بالمخاطر: "كم من السهل أن يتسبب المرء بمثل هذه الإصابات التي لا يمكن لأي طبيب أن يشفيها. وعلاوة على ذلك: ما ضرورة ذلك بالنظر إلى وجود كل شيء شاهد على وجودنا، صداقاتنا وعداواتنا، نظراتنا ومصافحاتنا، ذكرياتنا وكل ما ننساه، كتبنا وأقلامنا".

ومع ذلك، طرح نيتشه منهجاً لاستكشاف الذات، إذ قال: "دع الروح الشابة تستقصي حياتها الخاصة بمنظور السؤال التالي: ما الذي أحببته حقاً حتى الآن؟ ما الذي ارتفع بروحك يوماً؟ ما الشيء الذي سيطر عليها وأبهجها في نفس الوقت؟" قم بترتيب هذه الاشياء وربما ستتمكن من اكتشاف القانون الأساسي لنفسك. قارن هذه الأشياء، وانظر كيف تكمل بعضها، تتضخم، تتحول إلى بعضها البعض، كيف تشكل سلّماً صعدت درجاته إلى نفسك حتى الآن، لأن نفسك الحقيقية لا تكمن في أعماقك، بل ترتفع عالياً بشكل لا يقاس فوقك، أو على الأقل فوق ما تعتبره في العادة أنت.

من هنا ركز نيتشه على الدور الحقيقي للتعليم في التنقيب عن الذات الحقيقية: "سيكشف لك المعلمون والمربون الحقيقيون عن المعنى الحقيقي والأشياء الأساسية لوجودك، وهو أمر في النهاية لا يمكن تعليمه من أيّ أحد آخر، ولكن يصعب دائماً الوصول إليه... لا يمكن لمعلميك أن يكونوا أكثر من محررين لك. هذا هو سرّ كل الثقافة الحقيقية: فهي لا تأتينا بأطراف صناعية وأنوف شمعية، إذ لا تتركنا هذه الهبات سوى مع صورة زائفة للتعليم، بدلاً عن ذلك، إنها التحرير، تنزع الأعشاب الضارة، تزيل الرفات وتطرد الآفات التي تقضم الجذور والبراعم. إنها تدفق للضوء والدفء، قطرات ناعمة من المطر الليلي".

السعادة... مصدرها الذات

"أيها الانسان اعرف نفسك بنفسك" (سقراط).

إن أعظم وأهم مغامرة في حياتنا هي اكتشاف ذاتنا والإبحار في عالمنا الخاص، إلا أننا في الغالب نخوض غمار الحياة دون أن نسأل أنفسنا: من نحن حقاً؟

والحقيقة أننا متأثرون بثقافاتنا وأعرافنا الاجتماعية، وغيرها من الأمور التي تصرفنا عن الصوت الداخلي الذي يجب أن نستمع إليه.

ما الذي يجعلنا سعداء حقاً؟ ما الذي نحبه؟ وماذا يمنح حياتنا معنى؟

هذه هي عيّنة من الأسئلة التي نحتاج لطرحها على أنفسنا، بدل اللحاق بركب ما حدده لنا المجتمع مسبقاً.

في حديثه مع موقع رصيف22، أشار الأخصائي في علم النفس محمد الطناوي، إلى أن نيتشه من بين الفلاسفة الذين ركزوا على معنى الفردية، شارحاً ذلك بالقول: "لكل إنسان معناه الخاص، لسنا بحاجة إلى أحد يخبرنا عن الهدف أو الغاية من وراء حياتنا، نحن من نصنع غايتنا، وأي تعاليم أو وصايا قد تمدنا بها الأيديولوجية أو الدين أو خبرة شخص آخر، لن تفعل إلا أن تطمس روحنا وشخصيتنا".

وأشار الطناوي إلى أن الوصية ذاتها كررها نيتشه في كتابهThus Spoke Zarathustra (هكذا تكلم زرادشت) حيث طالب زرادشت تلامذته بأن لا يتبعوا أحداً حتى هو، فلكل شخص طريقه الخاص وعليه أن يسلكه في جسارة، وهو طريق عالٍ لا يقدر عليه كثيرون، والقلة الممتازة القادرة على تخطي مصاعب الدرب الشاق لا يمكن أن تسلم قيادها لأحد، وسيأتي يوم ينقلب فيه كل واحد منهم على من اعتبره يوماً معلماً أومرشداً، وهو ما فعله نيتشه، عندما هاجم بضراوة مرشده الموسيقار الألماني فاغنر، بعدما اعتبره يوماً ملهمه.

واعتبر محمد أن السعادة مصدرها الذات لا أشياء قد يمتلكها المرء على كثرتها: "لبلوغ تلك الغاية، إذا أوغلتم داخل نفسكم بغرض استكشافها ستدركون أن البهجة الأعظم هي في إدراككم أن كل شيء في الحياة لعبة، حتى الألم والعذاب، وحينها لا يستطيع أحد أن يسلبكم بهجتكم، لأن مصدرها داخلكم لا أشياء خارجية".

هذا وأثنى محمد الطناوي على قول نيتشه بأن المعلم الحقيقي هو من يمهد لكم دربكم الخاص عن طريق هدم جميع الأصنام واجتثاث كل الأفكار التي قد تضللكم أو تصرفكم عن سبيلكم، فمهمة المرشد لا ترتبط بتعاليم يلقنكم إياها لتحملونها على كاهلكم وتكون سبباً في عثرتكم، بل على المعلم أن يخفف من أحمالكم لتنطلقوا بخفة إلى غايتكم.

سبل اكتشاف الذات

للوهلة الأولى، قد تبدو رحلة استشكاف الذات بطبيعتها تدور حول "الأنا"، إلا أنها في الواقع عملية لا تحمل طابع الأنانية بل هي أساس كل ما نقوم به في الحياة، فبهدف أن نكون الشخص الأكثر قيمة للعالم من حولنا، يجب أن نعرف أولاً من نحن وما نقدر عليه.

بمعنى آخر، إن هذه الرحلة الشخصية هي مغامرة مميزة يستفيد منها كل فرد، كونها تنطوي على تحطيم الطبقات وإزالة القشور التي لا تخدمنا في حياتنا ولا تعكس من نحن حقاً، وذلك بهدف بناء هوية لنا والتعرف على من نريد أن نكون والقيام بشغف بتحقيق مصيرنا الفريد، مهما كان. إنها مسألة الاعتراف بقوتنا الشخصية، مع كوننا منفتحين وعرضة لتجاربنا الحياتية، وبالتالي إنه ليس أمراً نخافه أو نتجنبه، بل هو شيء يجب البحث عنه بفضول وتعاطف.

والحقيقة، إن العثور على أنفسنا سيغير حياتنا جذرياً، فعندما نفقد إحساسنا بما نحن عليه، فإن المسألة تشبه مراحل الحزن الخمس عندما نفقد أحد أحبائنا: المرحلة الأولى من الحزن هي الإنكار، ثم هناك الغضب والإحباط، وبعدها المساومة، ومن ثم الاكتئاب، وأخيراً تأتي مرحلة التقبّل، التي تعني أننا على يقين بأننا فقدنا شيئاً ونريد استعادة نفسنا.

"لسنا بحاجة إلى أحد يخبرنا عن الهدف أو الغاية من وراء حياتنا، وأي تعاليم أو وصايا قد تمدنا بها الأيديولوجية أو الدين أو خبرة شخص آخر، لن تفعل إلا أن تطمس روحنا وشخصيتنا"

فما هي الخطوات العملية التي يمكن القيام بها لسبر أغوار قلبنا؟

فهم الماضي: من أجل كشف من نحن والسبب الذي يجعلنا نتصرف بطريقة ما، فإنه يجب أن نكون على دراية بقصتنا الخاصة.

ويعتبر التحلي بالشجاعة والجرأة لاستشكاف ماضينا نقطة انطلاق مهمة في طريق فهمنا لأنفسنا.

وكانت الأبحاث قد أظهرت أن الصدمات التي لم نتمكن من إيجاد حلّ لها، تنعكس على الطرق التي نتصرف بها اليوم، وكلما قمنا بتشكيل ما يتحدث عنه الدكتور دانيال سيغل، على أنه "سرد متماسك" لحياتنا، كلما أصبحنا أكثر قدرة على اتخاذ قرارات واعية تمثل جوهر أنفسنا.

بمعنى آخر، غالباً ما تحدد تجارب الحياة المبكرة المؤلمة كيفية تعريفنا والدفاع عن أنفسنا، ما يؤثر على سلوكنا بطرق لا ندركها.

التمايز: من المهم السعي الى تطوير الشعور بأنفسنا كأفراد مستقلين، فمن أجل العثور على أنفسنا وتحقيق مصائرنا الفريدة، فإنه ينبغي علينا الابتعاد عن تأثيرات الأشخاص والعائلة والمجتمع.

البحث عن المعنى والهدف: تحدث خبير علم النفس النمساوي فكتور فرانكل، أن بحث الإنسان عن معنى وهدف هو الدافع الأول للتمسك بالحياة، مع العلم أن فرانكل نجا من أبشع الظروف حين كان معتقلاً في معكسر نازي، وبالتالي، من أجل إيجاد أنفسنا، علينا البحث عن هدفنا الشخصي وفصل وجهة نظرنا الخاصة عن توقعات الآخرين، ما يعني أن نسأل أنفسنا: ما هي قيمنا وما يهمنا حقاً، والسير وفق المبادئ التي نؤمن بها.

هذا وقد أظهرت الدراسات أن أسعد الناس هم الذين يبحثون عن المعنى وليس عن المتعة الآنية، كما أن الأشخاص الأكثر سعادة هم الذين يضعون أهدافاً تتجاوز أنفسهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard