السخرية في عالم بلا حقيقة... مختارات من الفنون العربيّة الساخرة

الجمعة 19 يوليو 201904:08 م

تم إعداد هذه المادة بمشاركة باسل النابلسي وجمانة يوسف ضمن شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

هذه المادة من إعداد: جومانة سفيان، وباسل النابلسي، وتحرير: علاء رشيدي. هي نتاج برنامج زمالة رصيف22 "You22" الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

استكمالاً لما نشر سابقاً من مقالات برنامج زمالة 22 بعنوان "السخرية في عالم بلا حقيقة"، والتي تناولت الصحافة العربية الساخرة، تسعى هذه المادة لتعريف القارئ بعددٍ من الأعمال الفنيّة العربية الساخرة، في مجالات: الكاريكاتير، الموسيقى، الأدب والسينما.

في الكاريكاتير: رسومات عن القضايا العربيّة

عمر العبدلات، من أبرز الأسماء الفاعلة اليوم في فنّ الكاريكاتير، درس التصميم الغرافيكي في جامعة العلوم التطبيقيّة في عمان، وأنهى تدريباً في نفس المجال في الولايات المتحدة الأمريكيّة، العام 2001.

بين الأعوام 2003 – 2007، عمل لصالح عددٍ من مؤسسات الإنتاج الفني، منها روبيكون، أبو محجوب للعمل الإبداعي، ومؤسسة خرابيش للإنتاج الفني، وأخرج مسلسل بعنوان "خفاش"، وآخر بعنوان "على راسي"، من إنتاج مؤسسة خرابيش. المسلسل من نوع الكوميديا الساخرة، تميّزت منه شخصية "عوض أبو شفة"، وهو شخصية شعبيّة بسيطة تركها المسلسل تتعامل مع الواقع اليومي، ليضيء من خلال حكاية هذه الشخصية على العديد من الظواهر الاجتماعيّة في الأردن، ويتطرّق إليها بروحٍ نقديّةٍ ساخرة.

حصل الفنان العبدلات على العديد من الجوائز في مجال الرسم الكاريكاتيري، في إيران وتركيا عام 2010، وفاز عام 2012، بالجائزة الأولى ضمن مسابقة "ربيع الكاريكاتير العربي" الذي نظّمته إذاعة هولندا العالميّة، على هامش معرض أيام الكاريكاتير العالمي الذي أُقيم في مدينة هارلم - هولندا. أما عن أسلوبه الفني، فقد تأثّر بالفنّان التشكيلي المصري "محيي الدين اللباد"، وبفنان الكاريكاتير المصري "بهجت عثمان"، ولذلك يتميّز أسلوبه بالبساطة والوضوح، وتوظيف الرموز البصريّة القريبة من الثقافة الشعبيّة.

أمية جحا هي أوّل رسّامة كاريكاتير فلسطينيّة وعربيّة، ولدت في غزة عام 1972 ودرست الرياضيات في جامعة الأزهر، تعمل في صحف رسميّة ومواقع إخباريّة شهيرة، كما أنها حصدت الجائزة الكبرى في مسابقة ناجي العلي الدوليّة للكاريكاتير.

على المستوى الشخصي، عانت الفنّانة من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وفقدت زوجين في العام 2003، وفي حرب إسرائيل على غزة 2009، لذلك فهي تستلهم رسوماتها من معاناة الإنسان الفلسطيني وتركّز على قضاياه. كذلك تسعى في رسوماتها لمعالجة القضايا السياسيّة الكبرى الراهنة، تميّز رسمها الذي انتقد تغاضي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وأتهمته، رسماً، بالمفاضلة بين المصالح النفطيّة على حساب الضمير والصحافة الحرّة. وفي رسم آخر، أبدت موقفاً واضحاً من الصفقة التي أطلق عليها "صفقة القرن"، واعتبرتها مثل الثوب الأخير الذي يقدّم للشعب العربي، بعد أن تمّت تعريته وتجريده من كلّ حقوقه. يتميز أسلوب الفنانة أمينة جحا بتناول القضايا الإنسانيّة، وبحضورٍ دائم للحكاية داخل رسومات الكاريكاتير التي تقدّمها.

التجربة الأخيرة التي نعرّف عنها في مجال الكاريكاتير هي عن الفنان أسامة حجاج، رسام كاريكاتير أردني، ومبتكر شخصية "عطوة". بدأ الرسم في العشرين من عمره، وتمّ سجنه في الأردن على خلفية رسمه لكاريكاتير انتقد فيه أداء بعض الأحزاب السياسيّة في الأردن في العام 1995.

جسّد الواقع في رسوماته من خلال شخصيات الشارع، فموضوعاته تهتمّ بقضايا المواطن، منها الظروف الاقتصاديّة، ارتفاع الأسعار. مؤخّراً، اشتهر في الشارع الأردني رسمه لكاريكاتير ينتقد فيه ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة، وخصوصاً الألبان، فصوّرها في علب كرتونيّة تهرّب من مائدة المواطن الأردني، وتودّعه إلى غير رجعة.

في الموسيقى: أغنيات للوعي العربي

من التجارب الموسيقيّة التي أنتجت، مجموعة من الأغاني حملت حسّاً نقدياً ساخراً، تجربة الموسيقي والمغني جوان صفدي، يحمل ألبومه الأخير الذي صدر هذا العام عنواناً يعبّر عن هذه الأسلوبيّة، "أبعد عن الشرق وغنيله"، وهو تحوير للمثل العربي القائل: "أبعد عن الشر وغنيله".

هنا يستعمل الفنان هذا المثل ليُضفي مقولة نقدية تجاه العديد من الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة تلك التي يعبر عنها في موضوعات أغانيه، يضمّ الألبوم ثماني أغنيات، منها: "البوليس مش بوليسنا"، "الثورات"، وأغنية "تعبان" التي تناول فيها الصعوبات التي يواجهها الشباب الفلسطيني خاصّة.


ألحان جوان صفدي تجذب المستمع، فيضيف إليها الكلمات الساخرة والتي يهدف أن تحمل طابعاً نقدياً، مثل أغنية "الحال مايل يا عرب"، وأغنية "كلّه تآمر علينا". ورغم طابعها الهزلي، إلا أننا نتلمّس في أغانيه وعياً سياسيّاً واجتماعيّاً يرغب جوان في إيصاله للمتلقي.

من التجارب الموسيقيّة التي أنتجت، مجموعة من الأغاني حملت حسّاً نقدياً ساخراً، تجربة الموسيقي والمغني جوان صفدي، يحمل ألبومه الأخير الذي صدر هذا العام عنواناً يعبّر عن هذه الأسلوبيّة، "أبعد عن الشرق وغنيله"

مسلمٌ يعتنق المسيحيّة بسبب الاضطهاد الديني، يلبس الصليب ويتكتّم خوفاً من المجتمع حتى يحصل على تأشيرة السفر لأميركا، شابان آخران يتظاهران بالمثليّة، وزوجٌ أعطى زوجته حبوباً تسرّع الولادة حتى تلدَ في السفارة ويحصلان مع مولودهما على الجنسيّة. هذه هي نماذج من حكايات الفيلم السينمائي "طلق صناعي، 2018"

في الأدب: نصوص ساخرة بطعم العلقم

"أريد وطناً يغلّفه هواءٌ فاسد، هل تفهمين ذلك؟ هواؤكم نقي، لا يناسب رئتيَّ المتسختين بدخان الحروب"، هذا هو حسّ السخرية المقتبس من كتاب صانع الحلوى، 2017، للكاتب أزهر جرجيس، وهو كاتب من العراق مُقيم في النرويج، وعضو في نادي القلم العالمي للكتاب، وقد صدر له في العام 2015، مجموعته القصصيّة الأولى بعنوان "فوق بلاد السواد".

في قصصه يحقّق الكاتب تمازجاً في الأسلوب بين الكوميديا والنقد القاسي، وصفت أعماله بالقصص الملحميّة المسرودة بأسلوب ساخر. يشعر القارئ في نصوصه بالقدرة على مقاربة قضايا حسّاسة واكتشاف أبعادها التراجيديّة والكوميديّة. تضمّ مجموعته "صانع الحلوى"، 24 قصة مكتوبة بلغة جذلة ومتماسكة، تجذب القارئ وتقوده إلى سلسلة من الحكايات العجيبة عن الموت، عن الإتجار بالدين، عن الزيف الاجتماعي، ويرفع الأقنعة التي تخفي خلفها الكثير من الظواهر الاجتماعيّة من حوله.

التجربة الثانية التي نتاولها في الأدب الساخر، هو كتاب "قهوة باليورانيوم، "2012، للكاتب "أحمد خالد توفيق 1962 – 2018"، الكاتب المصري الذي فارق الحياة العام الفائت، بعد أن ترك عدداً من الروايات والمجموعات القصصيّة القصيرة، منها كتابه "شاي بالنعناع"، وقد عمد الكاتب إلى تجميع مقالاته وإصدارها في كتب مثل "فقاقيع" و "زغازيغ".

قهوة باليورانيوم، يجمع أهمّ المقالات الساخرة التي أنتجها هذا الكاتب. في المقالات يجد القارئ نفسه أمام مزيج من الضحك والحنين والحزن المفرح، ينتقل فيها القارئ من حالة شعوريّة إلى أخرى، يسردها المؤلف بطريقةٍ سلسلة تجذب القارئ لمتابعتها ومعايشتها. من أبرز عناوين المقالات الواردة في الكتاب: "رمضان جانا، خداع النفس، وبحب السيما"، وعناوين أخرى ضمّها الكتاب بين دفتيه بأسئلة بسيطة ونظرة تأملية للحياة.

في السينما: أفلام عن ظواهر اجتماعيّة وثقافيّة

مسلمٌ يعتنق المسيحيّة بسبب الاضطهاد الديني، يلبس الصليب ويتكتّم خوفاً من المجتمع حتى يحصل على تأشيرة السفر لأميركا، شابان آخران يتظاهران بالمثليّة، وزوجٌ أعطى زوجته حبوباً تسرّع الولادة حتى تلدَ في السفارة ويحصلا مع مولودهما على الجنسيّة، بعد محاولات كثيرة باتت بالفشل في الحصول على التأشيرة. هذه هي نماذج من حكايات الفيلم السينمائي "طلق صناعي، 2018،" من إخراج خالد دياب وكريم سليمان.

تسعون دقيقة من الحكايات التي تمزج الكوميديا بالنقد اللاذع، تركّز على رغبة الشعوب العربيّة بتغيير واقع التشدّد، انعدام حرية التعبير، ما يؤدي بها إلى الهجرة ومحاولات الحصول على تأشيرة سفر إلى الولايات المتحدة. تنوّعت آراء النقاد حيال هذه التجربة السينمائيّة، فالبعض اعتبر الفيلم يكرّر مشاهد وحكايات معروفة تفتقر إلى الحبكة المتينة، وانتقدوا فيه أيضاً الخاتمة التصالحيّة مع حب الوطن، مصر، في نهاية الفيلم. نقّاد آخرون وجدوا فيه الجرأة التي سردت حكايات واقعيّة عن رغبة المواطن العربي في الخلاص من الاضطهاد وغياب الحرية، ووصفت بجرأة الجنوح والميل الشديد لدى المواطن المصري للسفر إلى بلدان تمنح مواطنيها حقوق مواطنة مفقودة في واقعنا العربي.

يمكن الإشارة أيضاً إلى فيلم "ياباني أصلي، 2017"، من إخراج محمود كريم، ورغم أنه ذو طابع كوميدي، إلا أنه يحمل بعضاً من النقد لتعامل الثقافة المصريّة مع الثقافات الأخرى الغريبة والمغايرة لها، وهنا نتكلم عن الثقافة اليابانيّة. فبعد قصّة حب يتزوّج "محرم" من "ساكي" ويؤسّسان عائلة، لكن الزوجة والأم من الأصول اليابانيّة تواجه العديد من الصعوبات في التعامل مع الثقافة المصريّة. هو فيلم عن لقاء ثقافات متغايرة، يبيّن مقدار الصور النمطيّة التي تفرضها الثقافات على بعضها البعض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard