أزمة "اللقاحات الحلال"… العالم يترقب رأي العلم والمسلمون بانتظار الفتاوى

الأربعاء 23 ديسمبر 202012:51 م

فيما العلماء يلهثون لإنتاج لقاح لفيروس كورونا المستجد بأسرع وقت ممكن، والعالم قلق بشأن مدى فعالية اللقاحات التي اعتمدت أخيراً لا سيما مع الأنباء حول سلالة جديدة أسرع تفشياً، ينشغل العرب والمسلمون بمدى ملائمة هذه اللقاحات لشريعتهم، متسائلين عما إذا كانت حلالاً أم حرام.


كان مواطنون ورجال دين في عدد من البلدان العربية والإسلامية، بما في ذلك ماليزيا وإندونيسيا، قد أعربوا عن قلقهم على خلفية التقارير حول استخدام جيلاتين الخنزير لحفظ اللقاحات لأطول فترة ممكنة. علماً أن متحدثين باسم الشركات المسؤولة عن تطوير لقاحات "فايزر" و"مودرنا" و"استرازينيكا" نفوا احتواء لقاحاتهم على "منتجات لحم الخنزير".


ويستخدم الجيلاتين المشتق من لحم الخنزير على نطاق واسع كعامل استقرار لضمان بقاء اللقاحات آمنة وفعالة أثناء التخزين والنقل وتوفر أفضل حماية ممكنة. والجدل حول تحريم اللقاحات التي تحتوي هذا الجيلاتين ليس جديداً بأي حال.

لاحتمال احتوائه على "مواد نجسة أو محرمة"... العالم يتسابق لإنتاج لقاح لكورونا، أما العرب والمسلمون فينتظرون "حكم الدين" لا يسألون إن كان فعالاً أو غير فعال بل يشغلهم تناوله "حلال أم حرام"!

جدل متكرر

عام 2018، أصدر مجلس العلماء الإندونيسي، الهيئة المخولة بالفتوى، بياناً بأن لقاحات الحصبة والحصبة الألمانية "حرام" بسبب جيلاتين الخنزير. بناءً على ذلك، حث المشايخ والزعماء الاجتماعيون الآباء على عدم تلقيح أطفالهم، وهو ما جعل البلاد ثالثة دول العالم في معدل انتشار الحصبة. رغم صدور فتوى بجواز التلقيح لاحقاً، ظلت المعتقدات الاجتماعية والدينية الموروثة حائلاً ضد تلقيح العديد من الأطفال.


في محاولة لتفادي تكرار هذه الأزمة، أعلنت إندونيسيا أنها ستضم شيوخاً إلى اللجنة التي تشرف على اعتماد لقاح COVID-19.


يشترك مع المسلمين في هذا اليهود المتدينون الذين يعد الخنزير محرماً ونجساً في شريعتهم أيضاً. لكن العديد من الحاخامات أفتوا بأن تناول الخنزير عبر الفم هو المحرم، أما حقنه في الجسم لغرض التداوي فلا.


لسنوات، عملت بعض الشركات على تطوير لقاحات خالية من لحم الخنزير للوفاء بمعايير السوق الإسلامي، إلا أن حجم الطلب وسلاسل التوريد الحالية والتكلفة والعمر الافتراضي الأقصر للقاحات التي لا تحتوي على جيلاتين الخنازير كانت جميعها تدفع باتجاه الاضطرار إلى استخدام هذا المكون في غالبية اللقاحات.

دار الإفتاء المصرية ومجلس الإمارات للإفتاء أفتيا بجواز تناول هذه اللقاحات حتى مع احتوائها على جيلاتين الخنزير استناداً إلى عدة قواعد فقهية تتعلق بالمصلحة العامة والاستحالة. لكن مفتي العراق يصر على أن "لا يوجد شفاء في محرم"... إلى أي جانب ستقفون؟ 

مصر والإمارات تفتيان بجواز تناوله

عودة إلى النقاش الأحدث الذي أثير حول لقاحات كورونا تحديداً، وموقف الشريعة الإسلامية منها، بادرت دار الإفتاء المصرية ومجلس الإمارات للإفتاء الشرعي إلى الفتوى بجواز تناول هذه اللقاحات حتى في حال احتوائها على جيلاتين الخنزير استناداً إلى أن هذا المكون يخضع للتعامل الكيميائي، وهذا ما يخرجه من ماهيته الطبيعية وتالياً من حكم التحريم والنجاسة.


قال أمين عام الفتوى بدار الإفتاء المصرية، خالد عمران، خلال مقابلة تلفزيونية، في 22 كانون الأول/ ديسمبر، إن هذا "المكون المتخذ أحياناً وليس في كل الأحيان وكثير ما لا يكون (مستخدماً)، يعالج معالجات كيميائية ويحصل له ما يسمى في الفقه الإسلامي الموروث من القديم ما يسمى بالاستحالة أي تتحول هويته وحقيقته الكيميائية من هذه الحالة إلى حالة أخرى وبالتالي يخرج عن الحكم بالتحريم أو النجاسة التي كان فيها"، مؤكداً أن هذا ينطبق على جميع الأدوية واللقاحات.



وبلهجة أكثر حسماً، انتقد عمران "الانصراف عن عظائم الأمور إلى صغائرها"، مشدداً على أن العالم بأسره "في تحدٍ للتعاون والتنافس لحل المشكلة وليس لافتعال مشكلة"، وموضحاً أن نهج النبي محمد الذي تتبعه دار الإفتاء المصرية يدعم "المشاركة الإنسانية" والتعاضد بين الجميع للخروج من أزمة الجائحة لا عرقلة الحلول المتاحة للتغلب عليها.


كان نهج مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي مماثلاً تقريباً إذ أوضح أنه "إعمالاً لمقاصد الشريعة المتعلقة بحفظ النفس البشرية والقواعد الفقهية المفصلة في ذلك"، فإنه يجيز تناول لقاحات كورونا، مبرزاً أن التطعيم "داخل في جنس الدواء والعلاج المأمور به شرعاً، فهو من باب الطب الوقائي بالنسبة للأفراد، لا سيما في الأمراض الوبائية التي يُقدَّرُ فيها الصّحيح مريضاً لارتفاع نسبة احتمال إصابته، ولحاجة المجتمع إليه بمجموعه".


ولفت المجلس إلى أن فتواه تسري "حتى ولو اشتمل اللقاح في مكوناته على مواد نجسة أو محرمة" وفق قاعدة "الاستحالة وقاعدة جواز التداوي بالنَّجس إذا لم يوجد غيره". كما أشار في الوقت نفسه إلى أن قاعدة: "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة" تنطبق على جائحة الفيروس التاجي أيضاً، مستدركاً بالقول: "التداوي في بعض الأحيانِ يكون حكمُه الوجوب".

عام 2018، وعقب فتوى دينية تحرم لقاحات الحصبة والحصبة الألمانية بسبب جيلاتين الخنزير في إندونيسيا، امتنع الآباء عن تلقيح أطفالهم، فأصبحت البلاد ثالثة دول العالم في معدل انتشار الحصبة. حتى بعد تدارك الأمر بفتوى أخرى لم يتحسن الوضع كثيراً 

وحسم المجلس أمر "تحديد مدى فعالية اللقاح وطبيعة المكونات ومستوى الأعراض الجانبية"، قائلاً إن مرجعه إلى "جهات الاختصاص الطبي وأهل الخبرة من مراكز البحث الموثوق بها"، داعياً الجميع إلى التعاون مع الحكومات لإنجاح حملات التطعيم.


لا شفاء في محرم؟

رداً على الإفتاء المصرية، نقل موقع "آي كيو نيوز" العراقي عن مفتي أهل السنة بالبلاد، مهدي الصميدعي، قوله بـ"حرمة" لقاح كورونا الذي يثبت استخدام مشتقات الخنزير في صناعته. وتابع: "نحن أمة الإسلام والنبي قال ‘لم يجعل شفاء أمتي في ما حرم عليها‘". 


واستناداً إلى الحديث نفسه، شدد الصميدعي "لا يوجد شفاء في محرم وإذا كان المعلوم أن الناس علموا أن هذا العلاج لكورونا فيه دهن الخنزير أو المادة التي تخرج من دماغ الخنزير، فهو نجس محرم لا يجوز استخدامه". 


وانتقد مفتي أهل السنّة في العراق "التساهل" في أمور الدين، في إشارة إلى حكم دار الإفتاء المصرية، مشيراً إلى أن العديد من فقهاء المسلمين كان موقفهم واضحاً من "التداوي بالحرام". 


وختم الصميدعي بالتكهن بأنه "ربما هناك أدوية كثيرة ظهرت الآن خالية من المواد المحرمة فيمكن استخدامها، وربما هو يعالج مرضاً وينقل أمراضاً أخرى".


بشكل عام، يزيد انتظار المواطنين في دول عربية وإسلامية خاصةً في ظل تباين الفتاوى الدينية التي قد يركنون إليها، مخاوف العلماء وجهودهم للتشجيع على تناول اللقاحات أملاً في القضاء على الوباء الذي يقترب من دخول عامه الثاني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard