"النفط مقابل الإعمار"... هل سنشهد "تحالفاً اقتصادياً" بين مصر والعراق؟

الأحد 8 نوفمبر 202012:20 م

في ظل تراجع واردات العراق من صادراته النفطية إثر تراجع الطلب بسبب أزمة كورونا وتراجع أسعار النفط العالمية وتقليص حصته من تجارة "الذهب الأسود" بموجب اتفاق أوبك لخفض الإنتاج، وفي ظل معاناة مصر من نقص في العملات الأجنبية الضرورية لشراء الوقود، توصّلت الدولتان إلى آلية تساعدهما قليلاً في تخطي هذه المعضلة.

اتفقت القاهرة وبغداد على آلية تنص على استيراد مصر للنفط العراقي مقابل قيام شركاتها بمشاريع إعادة إعمار في العراق، إضافة إلى نقل الكهرباء من مصر عبر الأردن إلى بلاد الرافدين.

لكن من المنتظر أن يتعرّض هذا الاتفاق لمقاومة كبيرة من إيران التي تدفع بشركاتها للعمل في مشاريع إعادة الإعمار في العراق، وهي مشاريع توفّر لها مبالغ كبيرة من العملة الأجنبية التي تحتاجها بشدّة في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

اتفاقات مصر والعراق

في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، توافقت مصر والعراق مبدئياً على إنشاء آلية "النفط مقابل إعادة الإعمار"، لكن لم يُترجم هذا التوافق حتى الآن باتفاق رسمي.

ووقّع البلدان في إطار هذه الآلية على 15 اتفاقية وبرنامجاً وبروتوكولاً في مجالات النقل والموارد المائية والصحة والبيئة والعدل والاستثمار والإسكان والتشييد والصناعة والتجارة والتمويل.

وأوضح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، خلال زيارته إلى بغداد، أن الشركات المصرية ستنفّذ مشاريع تنموية مقابل النفط. ومن المعروف أن مصر لديها عدة شركات تعمل في مشاريع إعادة الإعمار، خصوصاً في إفريقيا، في قطاع بناء الطرق والجسور، مثل شركتي أوراسكوم والمقاولون العرب.

وقال مدبولي إنه يمكن إعادة تنشيط شركة الجسر العربي البحري، وهي شركة تجارية أسستها مصر والعراق والأردن عام 1985، لتعزيز العلاقات التجارية بين هذه الدول.

وكشف أن مصر مستعدة لزيادة التعاون في مشروع الربط الكهربائي مع العراق بالتنسيق مع الأردن.

وأوضح أنه سيوضع إطار زمني لتفعيل المذكرات الموقعة بين القاهرة وبغداد، للإسراع في تفعيل مجموعة من المشاريع التي ينفّذها الجانب المصري.

يشير المحلل السياسي العراقي واثق الجابري إلى أن هنالك مصالح مشتركة بين مصر والعراق وعمقاً حضارياً جعلهما تؤثران في كثير من الأحداث التي شهدتها المنطقة تاريخياً.

وأضاف لرصيف22: "من هذا المنطلق، أعتقد أن البلدين يحتاجان إلى التفكير في كيفية العمل المشترك، خصوصاً في المجال الاقتصادي".

وبرأيه، يمكن للعراق الاستفادة من مصر في مجالات عدة منها الإسكان والكهرباء والزراعة والصناعات المحلية، وهذا ما يحتاج إلى تهيئة الأرضية المناسبة للاستثمار المصري.

وأكد أن أبرز عوامل نجاح هذا الاتفاق هو هبوط العملة المصرية مقابل الدولار، بما يجعل المنتجات المصرية متدنية الثمن بالمقارنة مع منتجات دول أخرى.

وأضاف الجابري: "ينبغي الاستفادة من تجارب مصر في عدة قطاعات وهذا ما دفع البلدين إلى التقارب وربما نرى تحالفاً اقتصادياً كبيراً في القادم من الأيام".

وبرأيه، يشكّل العراق بيئة مناسبة للاستثمار المصري، وبالذات للمواد الاستهلاكية والمنتجات الغذائية، لكن "نحتاج إلى تهيئة ظروف معيّنة للمستورد العراقي، لأن معظم التجار العراقيين يحتاجون إلى تعزيز الثقة بالمصارف المصرية، وضمانات من الحكومة بالمحافظة على أموال المستورد والمستثمر وإيجاد آليات سلسة".

من جانبه، قال الباحث المصري والمحاضر في العلاقات الدولية أنس القصاص لرصيف22 إن "هذه الآلية ناجحة للغاية ومكتملة وستساعد العراق على بيع نفطه إلى مصر، وستقوم الأخيرة بتسويقه في الخارج أيضاً، وهو ما يدعم الشركات المصرية التي ستدفع لها القاهرة من عملتها المحلية".

وفي ظل أزمة كورونا، تلتزم بغداد باتفاق منظمة أوبك الذي حدد للعراق بيع حصة محددة من النفط، أما مصر فتعاني من نقص في احتياطي العملات الأجنبية إثر انهيار القطاع السياحي الذي كان يوفّر للقاهرة العملة لشراء الوقود.

وأشار القصاص إلى أن الاتفاق يبدو متكاملاً ومتطوراً، لافتاً إلى أن تعاون مصر والعراق بدأ على شكل تعاون أمني حينما ظهر تنظيم داعش، و"هو ما خلق قنوات اتصال مهّدت لوضع أسس لعلاقات اقتصادية وسياسية".

ولفت الباحث المصري إلى أن العراق يُعَدّ من الدول الهامة لمصر، إذ وفّرت بغداد للقاهرة النفط حينما توقفت شركة أرامكو السعودية عن الالتزام بإمداد مصر بالشحنات المطلوبة، عام 2015.

هل ينجح الاتفاق؟

شهد العراق حالة من الجدل بين مرحّب بالآلية الجديدة ومعارض لها، إذ يرى البعض أن مصر يمكن أن تساعد بغداد، فيما يعتبر آخرون أن القاهرة تستعين بشركات أجنبية في مشاريع إعادة الإعمار لديها وبالتالي لن تفيد العراق كثيراً.

من المنتظر أن يتعرّض هذا الاتفاق لمقاومة كبيرة من إيران التي تدفع بشركاتها للعمل في مشاريع إعادة الإعمار في العراق، وهي مشاريع توفّر لها مبالغ كبيرة من العملة الأجنبية التي تحتاجها بشدّة في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها

وتذكر العراقيون أن حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي اتفقت مع الصين على ذات الآلية، أي "الإعمار مقابل النفط"، فيما اتفقت مصر أيضاً مع شركة "CSCEC" الصينية على بناء العاصمة الإدارية الجديدة.

وعليه، تناقل ناشطون عراقيون على تويتر انتقادات حادة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، منها: "حكومة الكاظمي جمّدت الاتفاقية الصينية، وذهبت لتتفق مع مصر العاجزة عن بناء عاصمتها حتى تعمّر العراق مقابل النفط!؟"، ومنها: "بعد أن تم إلغاء الاتفاقية مع الصين... تم تحويلها إلى مصر... تخيّل مصر تعمر العراق!".

في العموم، الأرضية ليست سالكة أمام هذا الاتفاق. يقول الجابري لرصيف22: "مواقف الكتل السياسية العراقية حيال الاتفاقيات مع مصر بصورة عامة متذبذبة تبعاً للإيديولوجيات والمصالح التي تنطلق منها".

مقاومة إيرانية؟

يتوقع الأكاديمي العراقي والباحث السياسي فراس إلياس أن تعيد هذه الاتفاقيات تأكيد العمق العربي للعراق، وفتح أبوابه أمام الاستثمارات العربية، عبر بوابة مصر.

ويضيف لرصيف22: "يمكن القول إن الدور المصري يأتي كترجمة حقيقية للدور المركزي الذي تلعبه مصر في المنطقة العربية، بعيداً عن كونه يمثل بديلاً للدور السعودي والأمريكي في العراق، رغم أن الأدوار الثلاثة تلتقي على هدف مركزي واحد، وهو انتشال العراق من القبضة الإيرانية".

وأضاف إلياس: "الجميع يعلم أن العراق ظل ساحة للاستقطاب الإقليمي والدولي، وتحديداً عند الحديث عن الدورين التركي والإيراني، فطهران وأنقرة سعيتا خلال الفترة الماضية، وتحديداً بعد احتلال العراق عام 2003، إلى ملء الفراغ الأمني والسياسي الناشئ، ومن المرجح أنهما ستقومان بخطوات معرقلة للتوجه المصري نحو العراق".

اتفقت القاهرة وبغداد على آلية تنص على استيراد مصر للنفط العراقي مقابل قيام شركاتها بمشاريع إعادة إعمار في العراق... وعراقيون يتساءلون: كيف لدولة لزّمت بناء عاصمتها الإدارية لشركة صينية أن تساعد في بناء العراق؟

وتابع الأكاديمي العراقي: "بكل تأكيد، ستقاوم إيران هذا الدور، خصوصاً وأن الشركات الاستثمارية الإيرانية تسيطر على قطاع الخدمات والإعمار في العراق، ومن أبرزها شركة كوثران وشركات تابعة لمؤسسة المستضعفين، وبالتالي ليس من المتوقع أن تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام دخول الشركات المصرية إلى الساحة العراقية".

من جانبه، قال القصاص إن الاتفاقية تمهد الطريق لمصر كي تلعب دوراً محورياً في إعادة العراق إلى الحاضنة العربية بشكل متدرّج وناعم وبدون تهوّر، بعكس النهج السعودي الذي كان متعجلاً وأدى إلى نتائج عكسية.

ولفت القصاص إلى أن هنالك تيارات عنيفة خصوصاً بين الشيعة ستقاوم الدور المصري، لأنه يخصم بشكل ما من رصيد إيران، مضيفاً أنه ليس من السهل أن تقبل طهران بفتح أي باب يمهد إلى استبدال نفوذها بآخر.

وبرأيه، فإن هذة الاتفاقية هي أهم حدث شهده العراق بعد الغزو الأمريكي.

وقال القصاص إن مصر لديها ميزة وهي أنها ليس لديها مشكلة في استمرار علاقات العراق مع إيران، بعكس دول أخرى تعقد اتفاقات مع بغداد وتنظر منها التخلي عن علاقاتها بدول أخرى.

واعتبر أن الثورة العراقية التي بدأت في العام الماضي وأحدثت تغييرات في الحكومة والقطاع النفطي ساعدت القاهرة في إتمام هذا الاتفاق.

وقال: "أحدثت الثورة والاحتجاجات في الشارع تغييرات، خصوصاً في قطاع الطاقة، كما أن الإدارة الأمريكية ضغطت على العراق لإجراء تغييرات في هذا القطاع".

مشروع الشام

يحتاج التعاون بين القاهرة وبغداد إلى دولة ثالثة تشكل ممراً أو جسراً يربط الدولتين جعرافياً، وهي الأردن، ووجودها ضروري لإتمام بعض المشاريع مثل نقل الكهرباء من مصر إلى العراق والنفط من بلاد الرافدين إلى وادي النيل.

في 25 آب/ أغسطس 2020، اجتمع بالفعل قادة مصر والعراق والأردن في عمان للمرة الثالثة ضمن سلسلة اجتماعات متتالية لتوثيق العلاقات بينهم في مختلف المجالات سواء الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية.

وبحسب العديد من المحللين، فإن الاتفاقيات التي وقّعتها مصر والعراق تأتي ضمن التحالف الثلاثي بينهما وبين الأردن، وإلا ما كانتا وقّعتا على اتفاق نقل الكهرباء.

يقول الأكاديمي والباحث السياسي فراس إلياس إن الاتفاقات الثنائية الأخيرة تمثل ترجمة حقيقية لمشروع الشام الجديد المنبثق عن القمة الثلاثية التي جمعت العراق ومصر والأردن قبل شهرين.

وكان العراق قد طرح في قمة عمان مخططاً للتعاون الاقتصادي وإقامة مشاريع ضخمة مع مصر والأردن أطلقوا عليه تسمية "الشام الجديد"، في ظل وجود شكوك حول احتمال دخول إسرائيل ضمن هذا المشروع.

بحسب تقرير نشره "المركز العربي - واشنطن دي سي"، تسعى الدول الثلاث إلى إنشاء كتلة جديدة هدفها تنسيق علاقاتها الاقتصادية والعلاقات العربية-العربية وسياساتها في الشرق الأوسط.

وأضاف كاتب التقرير، أستاذ العلوم السياسية كورتيس رايان، أن الشيء الوحيد المشترك بين الدول الثلاث هو أنها شعرت بالتهميش المتزايد في السياسة الإقليمية المعاصرة ولذلك تسعى إلى تأسيس كتلة جديدة لتنسّق في ما بينها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard