على غرار النجف وأربيل... هل تتحوّل الفلوجة إلى عاصمة سياسية لسنّة العراق؟

الثلاثاء 20 أكتوبر 202001:15 م

يظهر رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي (39 عاماً) بشكل مستمر في مدينة الفلوجة حيث يمتلك "قاعدته الجماهيرية"، وهو ما لا يقوم به في بقية مدن محافظة الأنبار التي قد تكون "ليست ضمن حساباته".



كثيراً ما يركّز الحلبوسي على الفلوجة دون غيرها. حتى ناحية الگرمَة (16 كيلومتراً شمال شرق الفلوجة) والتي يتحدّر منها لا تلقى اهتمامه.

والفلوجة هي إحدى أبرز مدن محافظة الأنبار، مع أنها ليست مركزها، فمركز المحافظة هو مدينة الرمادي التي دُمّرت بناها التحتية ونحو 80% من أحيائها السكنية ومراكزها التعليمية والصحية والخدمية، بسبب القصف الحكومي والدولي أثناء المعارك ضد تنظيم داعش.

يُحاول الحلبوسي تركيز اهتمام المجتمع السُنّي بالفلوجة، وإعادتها إلى مكانتها التي تلاشت مع بروز اسم الموصل وإعلانها عاصمة "الخلافة الإسلامية" وتوجّه أنظار العالم إليها.

وللفلوجة رمزية كبيرة بالنسبة إلى سُنّة العراق، إذ تُعرّف بـ"مدينة المساجد".

وكانت المدينة معقل "الجهاد" ضد القوات الأمريكية التي اجتاحت البلاد عام 2003، وبرز اسمها بقوة عام 2004 وصارت لاحقاً أشبه بعاصمة لـ"الجماعات المتطرفة". ولسنوات طويلة، ظلّت مكاناً غير آمن لا للقوات الأمريكية ولا حتى للقوات الحكومية العراقية، ولا لأغلب العراقيين خلال مرحلة الاقتتال الطائفي.

إعادة الفلوجة إلى الصدارة

قبل أشهر، استضاف الحلبوسي في منزله في مدينة الفلوجة رئيس الجمهورية برهم صالح، ثم استقبل مبعوثة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت، ثم عدنان الزرفي، مباشرة بعد تكليفه بتشكيل حكومة، عقب استقالة رئيس الحكومة الأسبق عادل عبد المهدي، وهي المهمة التي اعتذر عنها لاحقاً ممهداً الطريق لتكليف رئيس الحكومة الحالي مصطفى الكاظمي.

وعقد رئيس مجلس النواب الشاب اجتماعات عديدة في القضاء الذي كان ساحة معارك استمرّت منذ عام 2003 حتى انتهاء عمليات التحرير من "داعش"، عام 2017.

والحلبوسي هو أول رئيس برلمان من محافظة الأنبار، فرؤساء البرلمان السابقون كانوا من محافظات نينوى (أسامة النجيفي)، وصلاح الدين - بغداد (إياد السامرائي)، وبغداد (محمود المشهداني)، وديالى (سليم الجبوري).

يسعى الحلبوسي المتهم بمحاولات تنصيب نفسه "زعيماً سنّياً"، لإعادة الفلوجة إلى صدارة المدن السُنّية، وهناك مَن يرى أنه يُريد أن يحوّلها إلى عاصمة للسياسة السُنّية، على غرار مدينتي النجف حيث المرجعية الشيعية، وأربيل عاصمة إقليم كردستان العراق.

لم يعلن محمد الحلبوسي عن الفلوجة عاصمةً سياسية لسنّة العراق، لكنه عملياً يقول ذلك، والسبب وراء عدم تصريحه بالأمر يعود إلى عدم رغبته في استفزاز منافسيه الذين يعتبرونه "حديث العهد بالسياسة"

يقول مستشار سياسي للحلبوسي، فضّل عدم ذكر اسمه، لرصيف22: "لا يسعى (الحلبوسي) إلى ذلك، لكن مجموعة التحوّلات التي حدثت في المجتمع السُنّي فرضت هذا الواقع، على اعتبار أن الموصل خرجت مدمّرة بسبب الحرب، وهي حاضرة المكون السُنّي، وهذا ما أصاب الرمادي أيضاً، لذا فإن الفلوجة التي نجت بنيتها التحتية كانت مؤهلة لاحتضان الحراك السياسي السُنّي الناشئ في هذه الفترة".

ولم تتعرض الفلوجة إلى نسب دمار كبيرة كما الحال في الرمادي والموصل، أثناء المعارك ضد تنظيم داعش.

ويضيف: "لا يمكن مقارنة الفلوجة بالنجف وأربيل، فالأولى لديها إرث الحوزة والمرجعية، والثانية لديها إرث الكرد النضالي، أما هي فليس لديها إرث حتى على مستوى العمران، ولا على المستوى السياسي أيضاً، وهي واحدة من المدن السنّية العديدة التي تحوّلت في وقت ما إلى مركز للتطرف والجماعات المسلحة".

اهتمام الحلبوسي بالفلوجة وزياراته الميدانية لها تؤشر على أولويات كبيرة يعمل عليها في هذا القضاء، خاصة وأنه لم يظهر في زيارات ميدانية إلى أقضية ونواح أخرى في محافظة الأنبار.

قبل أيام، انفجرت عبوة في الفلوجة، بعد ثلاثة أعوام تقريباً من الاستقرار. أزعج هذا الانفجار الحلبوسي. ورغم أنه لم يستنكر سابقاً انفجارات أخرى مشابهة حدثت في الأنبار وأماكن أخرى، أصدر بياناً صحافياً قال فيه إن "هذا الاستهداف هو استهداف سياسي".

صراع بين المحافظات السنّية

يقول وضاح الصديد، وهو سياسي سنّي ورئيس "تحالف تضامن"، وهو تحالف سياسي في المناطق السنّية خاض الانتخابات النيابية الأخيرة دون النجاح في حصد أي مقعد برلماني، لرصيف22: "كان بإمكان الحلبوسي أن يكون زعيماً سنّياً، لكنه انغلق على مجموعة ضيّقة منبوذة من قبل المكون السنّي، وهذا ما جعله يضع تركيزه على قضاء الفلوجة دون بقية المحافظات، حتى أصيب الناس بالإحباط".

"هنالك صراع بين المحافظات السنّية، خاصة بين نينوى، وتحديداً الموصل، والأنبار، على زعامة السنّة العراقيين. أهل نينوى يعتقدون أنهم الأحق بقيادة الواقع السياسي السنّي، لكن هذا غير ممكن حالياً، فالفلوجة هي الوحيدة المؤهلة على مستوى البنية التحتية"

ويشير مستشار الحلوبسي إلى أن "هنالك صراعاً على مستوى المحافظات السنّية، خاصة بين نينوى، وتحديداً الموصل، والأنبار"، ويضيف أن "أهل نينوى يعتقدون أنهم الأحق بقيادة الواقع السياسي السنّي، لكن هذا غير ممكن حالياً، فالفلوجة هي الوحيدة المؤهلة على مستوى البنية التحتية".

لم يعلن الحلبوسي عن الفلوجة "عاصمة السنّة السياسية"، لكنه عملياً يقول ذلك، والسبب وراء عدم تصريحه بالأمر يعود إلى عدم رغبته في استفزاز منافسيه السنّة الذين دائماً ما يعتبرونه "حديث العهد بالسياسة".

وعدا صراع المحافظات السنّية في ما بينها، هنالك أيضاً صراعات داخل المحافظات، فهناك منافسة كبيرة على تزعم المكوّن الذي نزح أربعة ملايين من أبنائه تقريباً خلال الأعوام الخمسة الماضية.

يقول الكاتب والباحث عثمان المختار، وهو يتحدر من قضاء الفلوجة، لرصيف22: "عملياً، الفلوجة مناسبة للحلبوسي وليس للمكوّن السنّي عامة في العراق، فهنالك مدن أكثر عمقاً ودلالة من الفلوجة، كالموصل والرمادي وسامراء على سبيل المثال، أو حتى بغداد العاصمة، لكن في حال أردنا التحدث في هذا الإطار فالحلبوسي لا يمتلك في أي مدينة أخرى المقومات التي يمتلكها في الفلوجة".

ويضيف: "في الفلوجة مقومات عمرانية أفضل من المدن الأخرى التي أصابها الدمار"، مشيراً إلى عمل الحلبوسي على "التسويق لزيارة برهم صالح وجينين بلاسخارت ومن قبلهما عدنان الزرفي وقيادات سياسية أخرى للمدينة واستقبالهم في منزله الذي اشتراه حديثاً على نهر الفرات على أنه انجاز سياسي وتعزيزٌ لمكانة الفلوجة".

بالمحصلة، يشكك مراقبون في نجاح الحلبوسي بتحقيق "حلمه" بتحويل الفلوجة إلى عاصمة للسياسة السُنّية، خاصة وأن موعد انتهاء دورته البرلمانية سينتهي بعد أقل من عام إذا ما أجريت الانتخابات المبكرة في وقتها المحدد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard