ما بعد التطبيع… تخطيط إسرائيلي لمشروعات اقتصادية كبرى تُغيّر الشرق الأوسط

السبت 19 سبتمبر 202002:33 م

ما إن أعلنت الإمارات في آب/أغسطس الماضي عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حتى بدأت الأخبار تتسرب حول قائمة طويلة من المشاريع الاقتصادية التي تخطط تل أبيب لإنشائها، بتمويل أساسي من الصناديق الخليجية المكدسة بمليارات الدولارات.

وبحسب ما يظهر، تتنوع المشاريع التي تنوي الإمارات وإسرائيل الاستثمار فيها، من بناء ميادين سباق الإبل في صحراء النقب لجذب أثرياء العرب حتى تدشين وتجديد موانئ بحرية وخطوط لنقل النفط وسكك حديدية تربط الخليج بتل أبيب.

بدأت علامات تحوّل هذه المشاريع من قول إلى فعل مع الأخبار القادمة من البلدين، ومن بين ما تذكره الأخيرة أن مصارف كبرى من الجهتين وقّعت بالفعل على اتفاقيات، علماً أن لهذه المصارف فروع في عدة دول عربية تمول مشروعات كبرى فيها.

خط سكة حديد

من أبرز القطاعات التي ينوي الإسرائيليون الاستثمار فيها مع الدول الخليجية قطاع النقل بكافة أشكاله، فالاهتمام بهذا المجال بدا جلياً في سرعة تحركات مسؤولي تل أبيب نحو الإمارات والبحرين.

في 16 أيلول/سبتمبر الحالي، قالت "موانئ دبي العالمية" (الشركة المتفرّعة عن شركة "دبي العالمية" التي تعتبر الذراع الاستثمارية الدولية لحكومة دبي) إنها ستدخل في شراكة مع مجموعة إسرائيلية لتقديم عرض من أجل الحصول على أحد الميناءين الرئيسيين في إسرائيل، وستدرس فتح خط شحن مباشر بين الإمارات وإسرائيل.

ووقّعت موانئ دبي العالمية سلسلة اتفاقات مع "دوفرتاور" الإسرائيلية، تشمل التقدم بعرض مشترك لخصخصة ميناء حيفا المطل على البحر المتوسط، وهو واحد من ميناءين رئيسيين في إسرائيل. و"دوفرتاور" مملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي شلومي فوجيل وهو من مالكي شركة "إسرائيل شيبياردز" وشريك في ميناء إيلات.

على خط مواز، سارعت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف إلى إجراء اتصال مع نظيرها البحريني كمال بن أحمد محمد لبحث سبل التعاون بين تل أبيب والمنامة في مجال النقل والمواصلات.

وفي الشهر الماضي، أعلنت مجموعة "الحبتور" التي تملك عدة فنادق في دبي عن إجراء محادثات شراكة مع شركة الطيران الإسرائيلية "Israir"، دون أن تكشف عن مزيد من التفاصيل.

وفي الأسبوع الماضي، أعاد وزير المالية الإسرائيلي يسرائيل كاتس الحديث عن مشروع "خط سكك حديدية بين الخليج وميناء حيفا" والتي قال إنها ستجعل من إسرائيل "بوابة الإمارات العربية المتحدة إلى البحر المتوسط".

وبحسب المخطط المفترض، يتعين على شبكة السكك الحديدية هذه عبور السعودية التي لا تربطها علاقات بإسرائيل، لكن يستبعد المتابعون أن تعترض الرياض التي سمحت سابقاً بعبور الطيران الإسرائيلي إلى أبوظبي، خصوصاً أن القطارات يُفترض أن تمر بالأردن قبل إسرائيل.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي السابق ووزير المالية الحالي يسرائيل كاتز قد كشف، العام الماضي، تفاصيل هذا المشروع خلال زيارة إلى الإمارات، حيث حاول إغراء الخليجيين بفيديو لمسار القطار الذي قال إنه سيرفع حجم التجارة في المنطقة إلى أربعة أضعاف.

بحسب بيانات وزارة الخارجية الإسرائيلية، فإن الأردن سيكون مركز مواصلات إقليمي إذا تم تنفيذ هذا المشروع، بينما أشارت البيانات إلى أن القطار سينقل في المستقبل ركاباً بين الولايات المتحدة وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط غرباً، وبين دول الخليج والسعودية والعراق شرقاً.

ويُروّج الإسرائيليون للمشروع بالحديث عن أنه "سيخلق مسارات تجارية إقليمية أقصر وأسرع وأقل تكلفة وأكثر أمناً، وسيساهم في تعزيز الاقتصاد الأردني والفلسطيني والسعودي والخليجي وحتى الاقتصاد العراقي مستقبلاً".

 تتنوّع المشاريع التي تنوي الإمارات وإسرائيل الاستثمار فيها، من بناء ميادين سباق الإبل في صحراء النقب لجذب أثرياء العرب حتى تدشين وتجديد موانئ بحرية وخطوط لنقل النفط وسكك حديدية تربط الخليج بتل أبيب

وفي مؤشر على أن الإسرائيليين انتهوا من دراسة هذا المشروع قبل توقيع اتفاقيات السلام الجديدة، سبق أن قالت الوزارة إن البنى التحتية الموجودة حالياً في كل من إسرائيل والسعودية وباقي دول الخليج ستمكن من تنفيذ هذه المبادرة في وقت زمني قصير نسبياً.

ولفتت إلى أن "قطار المرج الذي يمتد بين بلدتي حيفا وبيت شان في إسرائيل، والذي بني على المسار التاريخي لخط حديد الحجاز وافتتح من جديد عام 2016، يُخطط أن يتم تمديده حتى الحدود الأردنية إلى معبر نهر الأردن الحدودي للشيخ حسين، وأيضاً باتجاه معبر الجلمة ومنطقة جنين في الضفة الغربية، ما سيسمح للفلسطينيين بالارتباط بخط الحديد هذا إلى جهة الغرب، وأيضاً إلى جهة الشرق نحو الأردن والسعودية والخليج".

وكشفت الوزارة الإسرائيلية عن إقامة ميناء شحنات بري كبير ومعاصر في الأردن، سيعمل على نقل الشحنات الى جميع دول المنطقة، وتوقعت أن يصل حجم التجارة عبر الجسر البري عام 2030 إلى "حوالي 250 مليار دولار أي 4 أضعاف حجم التجارة التي تمر حالياً عبر الموانئ الإسرائيلية".

يعلق المحلل السياسي الأردني منذر الحوارات على ما سبق بالقول إن "الدول الخليجية يبدو أنها لم تتعلم من التجربة الأردنية في التطبيع، إذ وعدت تل أبيب عمان عند إبرام اتفاق السلام بمشروعات اقتصادية كبرى، منها ربط البحر الميت والأحمر وتنمية غور الأردن ليصبح جنة، لكن لا شيئ من ذلك حدث".

يضيف الحوارات في حديث لرصيف22: "لم ينفذوا وعودهم بالتنمية في الأردن، حصلوا فقط على ما يريدون اقتصادياً وسياسياً ولم يستفد الأردن بشيئ، كلها مراوغات ووعود خادعة يعلمها الأردن جيداً".

ويختم الحوارات بالقول: "الاستثمار الحقيقي للأردن هو حل القضية الفلسطينية، لذلك عمان لن تقبل ولا تنخرط في هذه المشاريع ما دام لم يطرح الجانبان حلاً للقضية الفلسطينية، وهذه ستكون وسيلة ضغط الأردن لحل القضية الفلسطينية، مع العلم أنه سيكون هناك ضغط اقتصادي كبير على المملكة حتى يتم ثنيها عن استخدام هذه الورقة".

خط أنابيب

قبل الثورة الإسلامية في إيران، وتحديداً في عام 1968، اتفقت الحكومتان الإسرائيلية والإيرانية على إنشاء خط أنابيب إيلات-عسقلان، حيث كان مقرراً أن تقوم السفن بتفريغ حمولتها في إيلات في البحر الأحمر، ثم ضخ النفط عبر هذا الأنبوب إلى عسقلان في البحر المتوسط لتصدير النفط الإيراني الخام عبر الأراضي الإسرائيلية وما بعدها، عن طريق الناقلات إلى أوروبا.

بحسب تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية في الرابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، لا يزال الأنبوب موجوداً لكن لا يتم استخدامه بشكل واسع، بينما يعمل الخبراء الإسرائيليون بحذر في الوقت الحالي على مخطط يسمح بإعادة هذا المشروع للحياة مرة أخرى، ويجعل إسرائيل محوراً لتصدير النفط إلى آسيا وأوروبا.

يخطط الإسرائيليون لنقل النفط من دول مثل أذربيجان وكازخستان إلى عسقلان، وضخه في الأنبوب إلى إيلات، ثم يشحن في ناقلات عملاقة في خليج العقبة لنقلها إلى الصين أو كوريا الجنوبية أو أي مكان آخر في آسيا.

أحد أهم محاور نجاح هذا المخطط كان التطبيع مع الدول العربية، إذ كانت السفن تتجنب دخول ميناء إيلات أو عسقلان لأن الدول الخليجية المقاطعة لتل أبيب لم تكن تتعامل مع السفن التي ترسو في إسرائيل، وكانت هذه السفن تضطر إلى تغيير لونها وعلمها إذا رست هناك، وعليه فإن الاتفاق مع دول الخليج سوف يُمكّن هذه السفن من العمل بحرية.

ولفتت "فورين بوليسي" إلى إمكانية الاستثمار في خط الأنابيب عسقلان - إيلات، وتوصيله بخطوط أنابيب أخرى عبر السعودية والشرق الأوسط.

وبالعودة إلى الماضي، كان هناك مشروع عام 1947 لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط من القيصومة في السعودية إلى صيدا في لبنان، وكان ينظر له بأنه عامل مهم في التجارة العالمية للبترول وفي التنمية الاقتصادية للبنان.

وكان من المقرر أن يصل هذا الخط إلى حيفا الفلسطينية التي كانت وقتها تحت الانتداب البريطاني، ولكن بسبب النكبة وإعلان قيام دولة إسرائيل، تم اختيار طريق بديل عبر مرتفعات الجولان السورية الى محطة التصدير في صيدا اللبنانية.

بعد نكسة عام 1967، أصبح جزء من خط الأنابيب الذي يمر عبر مرتفعات الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية، ومع ذلك سمح الإسرائيليون بمواصلة تشغيل خط الأنابيب.

توقف بناء المشروع خارج الحدود الأردنية عام 1976، بسبب خلافات السعودية وسوريا ولبنان حول رسوم العبور، وظهور ناقلات النفط العملاقة، وانهيار فكرة خطوط الأنابيب أساساً، واستمر الجزء المتبقي بين السعودية والأردن في العمل بحسب الظروف السياسية بين البلدين.

بالعودة إلى "فورين بوليسي" فإن المجلة عزت أهمية هذا الخط لإسرائيل إلى أن السفن العملاقة ستتمكن من الشحن من عسقلان في البحر المتوسط إلى أوروبا، ومن إيلات إلى آسيا، لأن هذه النوعية من السفن غير قادرة على العبور من قناة السويس.

وقالت المجلة الأمريكية: "قناة السويس عميقة وواسعة للتعامل مع ما يسمى بسفن سويز ماكس، وهي تساوي نصف سعة ناقلة النفط العملاقة. وبالتالي، يتعين على تجار النفط استئجار سفينتين إذا نقلوا شحنة عبر القناة مقابل سفينة واحدة يرسلونها لنقل ذات الشحنة عبر إسرائيل، مع دفع رسوم عبور اتجاه واحد في قناة السويس تصل إلى 300 ألف دولار أؤ 400 ألف دولار".

 "قطار المرج الذي يمتد بين بلدتي حيفا وبيت شان في إسرائيل، والذي بني على المسار التاريخي لخط حديد الحجاز وافتتح من جديد عام 2016، يُخطط أن يتم تمديده حتى الحدود الأردنية إلى معبر نهر الأردن الحدودي للشيخ حسين، وأيضاً باتجاه معبر الجلمة ومنطقة جنين في الضفة الغربية"

وقال إيزيك ليفي، وهو الرئيس التنفيذي لشركة خطوط الأنابيب الإسرائيلية، للمجلة إن المشروع سوف يفتح الكثير من الأبواب والفرص ويمكن أن يقضي على حصة كبيرة من شحنات النفط التي تتدفق الآن عبر قناة السويس لأن خط الأنابيب يسمح لإسرائيل بتقديم خصم كبير.

"بلاد الشام الجديدة

في الشهر الماضي، وتزامناً مع عودة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي من زيارته لواشنطن، تحدثت وسائل إعلام عراقية أن الأخير سيعرض على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني مشروعاً اقتصادياً كبيراً أطلق عليه اسم "بلاد الشام" أو "الشام الجديد".

وفي الأيام الماضية كثر الحديث عن مشروع جديد ينوي العراق تدشينه مع مصر والأردن يتضمن خط نقل النفط إلى العقبة الأردنية ومشاريع تجارية أخرى.

في حديثه لرصيف22، يقول الصحافي العراقي عادل النبهان إن "مشروع بلاد الشام الجديد تم طرحه وفقاً للنسق الأوروبي، ويهدف إلى توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين مصر والأردن والعراق"، لافتاً إلى أن المشروع سبق وأن وضع أساساته رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي و"يهدف الى استثمار ما يتوفر من إمكانيات لدى البلدان الثلاثة، فالعراق لديه إمكانات نفطية كبيرة ومصر لديها الطاقات البشرية والمصانع ويملك الأردن الموقع الاستراتيجي".

وذكرت بعض التحليلات أن إسرائيل التي ذكرت العراق في معظم مشروعاتها، تنوي لعب دور في "الشام الجديد" بدعم أمريكي وأوروبي لجذب بغداد بعيداً عن إيران.

في السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية فراس إلياس إن مشروع الشام حديث العهد، وقد تشكل من مصر والأردن والعراق كأضلاع رئيسة، إلا أن من الواضح أنه يأتي كجزء من استراتيجية إقليمية متكاملة الأجزاء، خاضعة لتغيرات إقليمية ودولية جديدة.

"تتمثل العقدة الإستراتيجية في إطار الدور المفترض لإسرائيل في مشروع الشام الجديد في العراق، وذلك بفعل الديناميات الداخلية المتغيرة على الساحة العراقية".

ويضيف الأكاديمي العراقي، في حديثه لرصيف22، قائلاً: "هناك مشروع ′حزام السلام′ الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إحاطة إسرائيل به، ليكون بديلاً استراتيجياً ناجعاً لحزام الصراع الذي أنشأته إيران حول إسرائيل، لذلك مشروع الشام الجديد، والحركة التطبيعية الخليجية الإسرائيلية، حلقات متكاملة في إطار إحلال مشروع التكامل الإقليمي الاقتصادي، محل مشروع الهلال الشيعي، على اعتبار أن المتغير الاقتصادي يكون أقل حساسية للمجتمعات المتأثرة بإيران فيما لو تم توظيف المتغير السياسي أو الأمني".

وبحسب إلياس، "تتمثل العقدة الإستراتيجية في إطار الدور المفترض لإسرائيل في مشروع الشام الجديد في العراق، وذلك بفعل الديناميات الداخلية المتغيرة على الساحة العراقية، ولكن بالتأكيد هناك توجه عراقي اليوم لإعادة إدماج العراق في المنظومة الإقليمية العربية من جديد، على الرغم من وجود تيار سياسي مقرب من إيران رافض لهذا التوجه".

عليه، والكلام لإلياس، قد يكون سؤال ما إذا سيكون لإسرائيل دور في مشروع الشام الجديد محصلة نهائية لهذا المشروع، كونه يستهدف دولاً أخرى كسوريا ولبنان وشمال إفريقيا، ومن من غير المتوقع أن تبقى إسرائيل متفرجة فيما حركة البضائع ورأس المال تجري في محيطها، دون أن تمارس دوراً فعالاً في هذا الإطار.

ويختم الأكاديمي العراقي كلامه معلقاً: "يمكن القول إن قبول العراق الدولة العربية الوحيدة التي لا تتمتع بعلاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار مشروع الشام الجديد، متوقف على ما تفرزه اللعبة المزدوجة الإيرانية الأمريكية في العراق".

ورغم أن المشروع تم الحديث عنه أثناء زيارة الكاظمي لواشنطن الشهر الماضي، وجاء بناءً على ضمانات أمريكية لإنجاحه، "الثابت أن هناك ضمانات أمريكية بمواجهة أية ضغوط إيرانية على العراق، فيما لو قررت إسرائيل المشاركة في هذا المشروع، دون أن يقتضي ذلك تطبيعاً للعلاقات العراقية الإسرائيلية في الوقت الحاضر"، وفقاً لإلياس. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard