"طبيب الغلابة"... بين صورة الإنسان الفاضل وسيف للحكومة على رقاب الأطباء

الاثنين 18 مايو 202006:38 م

"الزباين اللي بيجوني يصعبوا على (يشفق عليهم) الكافر. لو نتنياهو كشف عليهم مش هياخد منهم فلوس"، "ملتزم بوصية والدي بعلاج الغلابة حسب مقدرتهم"، عبارات يرد بها الطبيب المصري المعروف بـ"طبيب الغلابة" محمد مشالي (76 عاماً) لدى سؤاله عن سر تمسكه بـ10 جنيهات (أقل من دولار واحد) كبدل لعلاج المرضى.

بوجه الصورة الإنسانية المطلقة التي كرستها تقارير كثيرة عن مشالي، يتحفظ العديد من الأطباء على أدائه، منتقدين "التجربة" والمحاولات الحكومية لتلميع صورته وتصديرها كمثال للطبيب "الجيد"، مع رفض الدعوات إلى تكرارها.

قصة مشالي، كما رواها تفصيلاً في مقابلة تلفزيونية مع برنامج "باب الخلق" الذي يقدمه الإعلامي المصري البارز محمود سعد عام 2019، هي أنه ولد في أسرة متواضعة في عام 1944 ودرس الطب نزولاً عند رغبة والده ليتخرج في "دفعة النكسة عام 1967"، بحسب تعبيره، من قصر العيني.

نظراً لوفاة الأب لم يكمل مشالي الدراسات العليا والتحق بوظيفة حكومية، قبل أن يفتتح عيادته الخاصة الأولى عام 1975 في مدينة طنطا (محافظة الغربية/ شمال مصر) ملتزماً وصية والده بمراعاة "ظروف الغلابة"، فلم يزد كشفه حينها عن 10 قروش (عشر قيمة الجنيه المصري) لسنوات لتصل في عام 2020 إلى 10 جنيهات في حين أن أسعار الكشف لدى أي طبيب متخصص في أمراض الباطنة مثل مشالي لا تقل عن 100 إلى 150 جنيهاً.

بمرور الوقت، أصبح لدى مشالي عيادتان أخريتان في قريتين قريبتين من طنطا: شبشير الحصة (سعر الكشف خمس جنيهات) ومحلة روح (10 جنيهات)، يتنقل بينها على مدار ساعات عمله من العاشرة صباحاً وحتى التاسعة مساءً، وبلا إجازات حتى في الأعياد والمناسبات.

"نموذج يسيء للأطباء والغلابة"

على مدار الأسابيع الماضية، قدمت العديد من وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية مشالي كنموذج رائع للطبيب الإنسان واهب نفسه لخدمة الفقراء، ودعت منشورات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للاحتذاء به منددة بالأطباء الذين يحددون مقابلاً باهظاً للكشف، ووصلت حد وصفهم بـ"الجزارين" و"المتاجرين بمعاناة المرضى".

في المقابل، رد أطباء بأن مشالي "نموذج سيء ولا يحتذى به للطبيب" وأن "مظهره وما يفعله أبعد ما يكون عن مهنة الطب".

ودافع الأطباء عن حقهم في الحصول على "مقابل مستحق للخدمة العلاجية المتميزة" التي يقدمونها في عياداتهم الخاصة مذكرين بالجهد الكبير والنفقات الهائلة التي تكبدوها لدراسة الطب (تصل إلى آلاف الجنيهات سنوياً في مرحلة الدراسات العليا، بحسب أطباء تحدثنا إليهم).

تستغرق دراسة الطب سبع سنوات للحصول على البكالوريوس وأربع إلى ست سنوات أخرى للدراسات العليا على الأقل. ويرى أطباء مصريون أن رواتبهم خلال فترات العمل الحكومي متدنية ولا تعيل أي أسرة.

ونبهوا إلى أن المريض ليس مجبراً على الذهاب لعيادة طبيب بعينه في ظل وجود مستشفيات حكومية وجامعية تقدم الخدمة إلا مهارة الطبيب التي يستحق معها تقدير "أجره" تماماً كما المحامين أو لاعبي كرة القدم وغيرهم.

وانتقد البعض منهم ما يكرسه نموذج مشالي من "إهمال النظافة والترويج للبهدلة والفقر وغياب الرعاية الصحية السليمة"، معتبرين أن "إضفاء طابع رومانسي على المعاناة والفقر والمرض أسخف شيء في العالم، وتضيع معه ومعناها".

وشددوا على أن "الربط الذهني بين صورة مشالي وعيادته المتواضعة جداً وإمكانياته المحدودة جداً ومستوى الرعاية الصحية الذي يقدمه، وبين الغلابة والرعاية التي تستحقها الطبقة الفقيرة في مصر عبث بالعقول ولعب بالعواطف ومنتهى السخف!".

"نموذج يسيء لمهنة الطب وحقوق الغلابة"... أطباء يشيرون إلى "نظرية مؤامرة" خلف الاهتمام الإعلامي وتلميع صورة "طبيب الغلابة" محمد مشالي في إطار "حملات تشويه الأطباء ومحاربة حقوقهم في التقدير المادي والمعنوي"، وهو يرد: "هذه أحقاد وضغائن"

وفي المشاهد المتكررة لعيادة مشالي، تظهر سلالم متهالكة، وجدران متسخة عليها ملصقات مقطعة، وأكوام من الجرائد والكتب تحيط مكتب الطبيب وسرير الكشف، تغطيها الأتربة، وأرضية متسخة وممرات ضيقة يجلس فيها المرضى متراصين بكثافة.

وحذّر أطباء من خطورة الترويج للخدمات الطبية "الرخيصة" التي قد تعرض حيوات للخطر أو تخلف عاهات في الأجساد، وقص بعضهم قصصاً واقعية لمثل هذه الحالات أو لعواقب عملهم في مستوصفات (مستشفيات صغيرة) للفقراء.

"غياب التخصص وتحديث المعلومات"

هبة صقر، أخصائية الجلدية والتجميل، قالت لرصيف22: "دكتور مشالي طبيب الغلابة هذه حقيقة لا ينكرها أحد. الجميع يحترم علاجه المرضى المحتاجين مقابل 10 جنيهات لسنوات طويلة. لكن على الجانب الآخر: هل هو مثال يحتذى به وسط الأطباء؟ للأسف لأ. هذا رأيي الشخصي".

أما عن الأسباب، أضافت صقر: "أولاً، لأصبح متمكنة من أدواتي كطبيبة ينبغي أن أختار تخصصاً معيناً لإفادة المرضى على أكمل وجه… وليس ‘دكتور بتاع كله‘! هذا لا يتوفر في حالة الطبيب المذكور".

وبيّنت أن في حين تعد "الخبرة العملية مهمة جداً، إلا أن هذا مرهون باقترانها بدراسة بما يفيد المريض والطبيب معاً. لذا لا يمكن مقارنة أو المساواة مطلقاً بين طبيب حضّر دراسات عليا في تخصص معين من ماجستير لدكتوراه (نحو ست سنوات إضافية على الأقل من الدراسة) بعد البكالوريوس وبين دكتور اكتفى بالبكالوريوس وقرر يبقى دكتور كله".

محمد فوزي، طبيب أمراض الباطنة والكلى، قال لرصيف22: "أنا شايف أن الطب مهنة من متطلباتها الأساسية جودة التشخيص وإلا لن تصلح أصلاً. وجودة التشخيص تتطلب فحصاً جيداً يعتمد على مهارة الطبيب ودرايته بأساليب الفحص الجديدة وإطلاعه المستمر على الدوريات الطبية. إلى جانب الاستناد إلى التحاليل والإشاعات الضرورية التي يجهزها أخصائيو التحاليل والأشعة".

ثم زاد: "شق ثاني مهم أيضاً لممارسة مهنة الطب هو وصف العلاج والذي يتطلب الإطلاع على التحديثات التي تطرأ بصورة شبه مستمرة. لا أعلم إذا كان د. مشالي يقوم بذلك أم لا. لكني بشكل عام أرى سلبيات (في أداء مشالي) في الممارسة الطبية. في الوقت نفسه أرفض الهجوم على شخصه".

مكافحة العدوى وحقوق المرضى

نقطة أخرى نبهت إليها صقر قائلةً: "لا مانع أبداً من طبيب للغلابة بمقابل زهيد لكن مع مراعاة الحفاظ على مظهر لائق له ولعيادته بحيث لا يضر المرضى. وهذا غير حاصل مع دكتور مشالي"، متسائلةً "أين أبسط قواعد مكافحة العدوى في عيادة كالتي تناقلت وسائل الإعلام صورها؟ من منحه تصريحاً لإجراء تحاليل بول وبراز في نفس غرفة الكشف وعلى نفس المكتب… بأى منطق يفعل هذا؟".

اتفق معها فوزي الذي قال: "أظن دكتور مشالي في أحد الحوارات قال إنه هو من يجري تحليل البول والبراز للمرضى بنفسه عن طريق ميكروسكوب يبدو عليه أنه متهالك. هذا لا يتفق مع جودة التشخيص، بل وقد يعطي نتائج مغلوطة".

واستنكرت صقر: "طالما هو مقتدر وواهب نفسه لرسالة الطب وخدمة العيانين الغلابة، لماذا لا يقدم هذا بصورة آدمية وفي مكان آدمي يعكس حرصه على مرضاه، ويبتعد عن الكشف على أي حالة خارج تخصصه ويحيلها إلى أي زميل أو مستشفى حكومي أو جامعي؟".

طبيبة الأمراض الجلدية ولاء محمد أوضحت لرصيف22: "كل إنسان حر في نهج حياته وكل طبيب له الحرية في التعامل مع مرضاه طالما لا يضر غيره. فكرة أن يحرص على أن يكون ‘طبيب الغلابة‘ بسعر رمزي أمر راجع إليه لكن ينبغي أن يعي الجميع أن هذا استثناء وأن من لا يفعل ذلك ليس مخطئاً".

"يجري تحاليل البول والبراز في غرفة الكشف"… أطباء يحذرون من "الربط الذهني بين صورة طبيب الغلابة محمد مشالي وعيادته المتواضعة جداً ومستوى الرعاية الصحية الذي تستحقه الطبقة الفقيرة في مصر"

ولفتت إلى أن العديد من الأطباء يحددون استثناءات للمحتاجين مستطردةً "كمان مش معنى أنه دكتور للغلابة يبقى مظهره كدا ولا مظهر عيادته كدا! هو قال في برنامج أنه يقدر يفتح عيادة ثانية، طيب ما تظبط عيادتك. مفيش مبرر أبداً أن تكون العيادة غير نظيفة لهذه الدرجة أو ملابسه بهذه الهيئة".

وانتُقد طبيب الغلابة على وجه الخصوص لرفضه منحه سخية من الإمارات عبر برنامج "قلبي اطمأن" حيث رفض عرضاً بعيادة حديثة ومجانية مجهزة بأحدث الأجهزة واكتفى بقبول سماعة، واعتُبر أنه حرم المرضى الفقراء من فرصة رعاية طبية مميزة دون تكلفة باهظة.

محاولة فرضه إعلامياً كقدوة؟

تجدر الإشارة هنا إلى أن مشالي ليس "طبيب الغلابة" الوحيد في مصر، فهناك الدكتور مجاهد مصطفى الطلاوي، من محافظة بني سويف، وهو أحد الخمسة الفائزين بلقب "صانع الأمل" في الوطن العربي ضمن مبادرة "صناع الأمل" الإماراتية هذا العام. قضى الطلاوي 30 عاماً في خدمة المرضى من أبناء قريته ولا يتخطى كشفه 10 جنيهات أيضاً.

بعكس مشالي، يحافظ الطلاوي على هندامه ويظهر مرتدياً بذته الكاملة في اللقاءات وأحياناً خلال الكشف على المرضى الذين يستقبلهم في عيادته اللائقة النظيفة. ورغم صيته الذائع في قريته بمساعدة الفقراء بالعلاج والتبرع لمنشآت خدمية عديدة وللأسرة الفقيرة، لم يحظ باهتمام إعلامي يشبه ما حصده مشالي.

يثير ذلك شكوك البعض من أن هناك محاولة من الحكومة لتقديم مشالي على أنه النموذج الذي ينبغي أن يكونه كل طبيب؛ "راضي بقليله، لا يسأل الدولة عن معاش تقاعدي أو حقوق".

"الاهتمام الإعلامي بدكتور مشالي يصب في الاتجاه المهاجم للأطباء والتقليل من جهدهم ودورهم وضرب نقابتهم التي ترفع مطالبهم الآدمية"، حسب صقر التي نبهت إلى "حال الدكاترة في مصر الذين كلما طالبوا بحقوقهم ‘العادلة‘ شنت ضدهم حملات واتهموا بالطمع والمتاجرة في معاناة المرضى".

وأردفت: "الحقيقة أنه على طرفي النقيض (الدكاترة الجزارين اللى مش بيهتموا غير بالفلوس وبس، ودكتور مشالي واللي زيه) فيه قطاع كبير جداً من الدكاترة المطحونين يسعون إلى إثبات جدارتهم ويخلصون في عملهم بينما يطالبون بأدنى قدر من حقوقهم الآدمية ليتمكنوا من الاستمرار وعيش حياة كريمة".

وختمت: "الطبيب في النهاية إنسان لديه أسرة ومسؤوليات. دكتور الغلابة لا يصلح أبداً أن يصبح نموذجاً يقاس عليه أي شيء يخص الأطباء".

"أحقاد وضغائن بسبب شهرتي"

بعد التواصل مع مشالي في عيادته القريبة من مسجد السيد البدوي في طنطا، ردّ على الانتقادات الموجهة إليه من الأطباء.

في حديثه مع رصيف22، كرّر أنه يعتبر الانتقادات تلك "أحقاداً وضغائناً. شايفين الفيسبوك والإعلام (مظاهر الاحتفاء به) وهم ‘بيغنوا ظلموه‘ (تعبير محلي يعكس الإهمال والفراغ)".

وأضاف: "هؤلاء أغبياء. ليس لدي رد عليهم. من لا يعجبه مظهر عيادتي فالأفضل ألا يأتي إليها… ‘الباب يفوت جمل‘"، قبل أن يوضح: "أهم شيء عندي هو التعقيم؛ أنفق 20% من مصروفاتي على المطهرات. كلامهم هذا تصفية حسابات وأحقاد وضغائن وسفالة".

وبشأن الكلفة الباهظة لدراسة الطب أشار: "أنا صرفت زيهم لكن ما استحق أن يعيش من عاش لنفسه فقط. يمكن أن يحددوا سعر الكشف المناسب لهم لا دخل لي بهذا. أما أنا فهذا طبعي ونظامي وسيظلان هكذا حتى أموت. أنا مع الغلبان إلى أن يختارني الله (أموت)".

وقال جيران عيادة مشالي لرصيف22 إن التبرعات تنهال عليه يومياً بينما يرفضها جميعاً بواعز من "زهده"، بينها ملابس من علامات فخمة.

وعن احتمالات تقاعده أو تلقي معاش من الدولة: "لماذا أتقاعد؟ إذا تقاعدت أموت. الشغل هو سبب بقائي على قيد الحياة حتى الآن. اللياقة البدنية والطاقة الإيجابية والحماس والإخلاص في العمل عماد حياتي"، مستطرداً "لماذا آخذ من الدولة فلوس (معاش تقاعدي)؟ بدلاً من إدخال فلوس للدولة آخذ منها فلوس؟ هذه انتقادات أتفه من أن أرد عليها".

وفي رسالة أخيرة طلب من منتقديه: "مع احترامي وتقديري، دعوني وشأني وكفى أحقاداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard