"عمي غضب مني عشان ما سلمتش عليه"... كورونا في صعيد مصر

الجمعة 3 أبريل 202006:16 م

مع بدء انتشار فيروس كورونا في مصر مارس الماضي، لم يكن جميع المواطنين على وعي كامل بحجم التحديات التي يتعرضون لها، فكان هناك بعض المواطنين الذين بدأوا في اتباع إرشادات السلامة التي أوصت بها الحكومة منذ اليوم الأول، مثل الاهتمام بنظافة الأيدي، ارتداء الكمامات، تطهير الأسطح باستمرار وكذلك الالتزام بالبقاء في المنزل، وآخرون لا يدركون ما قد تؤول إليه الأمور إذا لم نتبع تلك الإجراءات والإرشادات.

تتبعنا في هذا التقرير كيف تعامل البعض في صعيد مصر مع فيروس كورونا.

"دعوني أغسل يدي"

اضطرت ليلى جاد (25 عاماً)، طالبة في كلية "الألسن" بجامعة عين شمس في القاهرة،  أن تخوض طريقها مع أهلها في محافظة سوهاج مركز أخميم في صعيد مصر، الذين استخفّوا بكورونا، تحاول توعيتهم، بعد أن شعرت بضيق بالغ في البداية.

"بمجرد وصولي إلى الشارع الذي أقطن به في مركز أخميم، كان الناس يتعجبون من ارتدائي للكمامة، فهذا غير مألوف بالنسبة إليهم، وقبل أن أصعد إلى بيتي قابلت عمي وأول ما قاله لي: لا تقوليلي كورونا ولا حاجة، أنا هسلم عليكي واحضنك، فأجابته أني وصلت من القاهرة في الحال، ولتدعني على الأقل أغسل يدي، فغضب عمي من ردي وخاصمني" تحكي ليلى.

"قبل أن أصعد إلى بيتي قابلت عمي وأول ما قاله لي: لا تقوليلي كورونا ولا حاجة، أنا حاسلم عليكي، واحضنك، فأجبته أني وصلت من القاهرة في الحال، ولتدعني على الأقل أغسل يدي، فغضب من ردي وخاصمني"

تقول ليلى لرصيف22: "مضايقة جداً أني تركت القاهرة، ورجعت الصعيد، الناس هنا معندهاش وعي خالص".

تسكن ليلى في القاهرة منذ 6 سنوات بسبب دراستها الجامعية، وهي الآن تعدّ رسالة ماجستير، وبعد قرار الحكومة إيقاف الدراسة، قرَّرت السفر إلى سوهاج لقضاء هذه الفترة العصيبة مع أهلها.

قالت لها أختها الصغرى ساخرة على محاولة توعيتها: "إحنا حتى لم نشتر صابونة ديتول"، أما أخوها محمد، الذي لايزال يذهب لعمله يوميا، ويسخر من نصيحتها بعدم مصافحة زملائه، يقول: "كيف لي أن أعرض زميلاً لي للحرج، وأرفض السلام عليه؟".

وأجاب والد ليلى: " إحنا مش حيحصل حاجة، عشان إيطاليا دول ربنا غضبان عليهم"، وأعقبت والدتها: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

"قالت لي والدتي: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

وبعد أن سئمت ليلى الحديث إليهم فرداً فرداً، قررت إنشاء غروب على الواتس آب تجمع فيه إخوتها وأمها وأبيها، وأرسلت لهم جميعا طرق التعقيم التي يجب اتباعها، فكانت النتيجة السخرية والاستهزاء في البداية، عقبت والدتها ساخرة من نصائحها في طريقة غسل الملابس: "مية مغلية إيه اللي أغسل بها، الطُرح تكرمش يا فالحة".

على عكس ما قالته ليلى، تحدثت ريهام ممدوح (24 سنة)، تسكن في شارع الزهراء في محافظة سوهاج، عن مدى ذعر أهل بلدتها من انتشار الفيروس.

تقول ريهام، وهي تدرس في كلية آداب بجامعة عين شمس: "مجرد وصول أخي عبد الله من عمله يخلع حذاءه، ويتركه بالخارج، ونقوم برش ملابسه ببخاخة مملوءة بخليط من الماء والكلور، وإذا كان معه مشتريات، نتخلص من الأكياس على الفور، ونضع الأشياء في أطباق، ونقوم بغسلها إذا كان يمكن ذلك".

تضيف ريهام لرصيف22: "في المحل الذي يعمل فيه أخي، مهتمون بنظافة وتعقيم المكان بالكامل، كما يحكي أخي لي أنه بعد قرار الحظر لم تعد الشوارع مزدحمة مثل قبل صدور القرار، حيث التزمت الناس بيوتها، وأحست بخطورة الموقف".

لم يختلف الوضع كثيراً لدى شيماء الشرقاوي  (28 سنة) عن الوضع لدى ريهام، وهي معلمة تسكن في مركز ملاوي بمحافظة المنيا في الصعيد، تقول لرصيف22: "نهتم بتنفيذ إرشادات السلامة من تنظيف، وتعقيم جميع الأسطح في المنزل، وبمجرد وصول زوجي إلى البيت أقوم برش الكحول على ملابسه، والذي يرتدي بدوره كمامة، وقفازات طوال فترة وجوده في الخارج، كما نلتزم المنزل ولا نخرج إلا للضرورة القصوى"، وأضافت ساخرة: "من كثرة اهتمامنا قربنا نشرب كلور وكحول".

"لا يثقون في الإعلام"

بعد نجاح ليلى في التأثير على والدتها، وأختها الصغرى، بدأت بعض تصرفات الجيرة، وسكان الحي في جذب انتباهها.

استيقظت ليلى يوماً ما، لتجد جارتها ومعها أبناءها الأربعة في المنزل، وعندما واجهت أمها بخطورة ذلك، وأنها يساهم في انتشار الفيروس، قالت لها: "يعني أطردها؟!".

ورأت ليلى مجموعة من الفتيات المتجمعات أسفل المنزل، فنصحتهن أن يعدن إلى بيوتهن، فسخروا منها لـ"اهتمامها الزائد"، بحسب وصفهنّ.

أشارت ليلى أيضاً إلى ترك الأهالي أطفالهم يلعبون في الشوارع طوال الوقت، تقول: "أمس، رأيت من نافذة حجرتي طفلة صغيرة تلعب أسفل المنزل، بكمامة وجدتها ملقاة على الأرض، وكانت تضعها على وجهها، إضافة لتجمعات الناس في الشوارع المسدودة، والحارات الضيقة التي لا تصل لها الشرطة في أوقات حظر التجوال".

ترى ليلى أن أبرز أسباب استخفاف أهل منطقتها بالفيروس، يعود إلى انعدام الثقة مع ما يقوله الإعلام، تقول: "ما تدعيه الأخبار بالنسبة إليهم ما هو إلا تعظيم من شأن الأمر، ونشر للأكاذيب".

وكذلك المناطق التي لن تصل لها دوريات الشرطة، يتجمعون في الشوارع والحارات.

توعية ومبادرات

وعلى الرغم من وعي العديد من أهالي ملاوي بتحديات انتشار فيروس كورونا، كما يتضح من حديث شيماء، لكن هذا لا يعني انعدام الاستخفاف بالأمر تماماً، ففي المنطقة الواحدة في الصعيد ترى الشيء ونقيضه، تختلف ردود الأفعال كثيراً.

تقول شيماء: "في ملاوي، ظل سوق يوم السبت والأربعاء منعقدا، يأتي فيه بائعون من الأرياف، يبيعون فيه جبناً، زبدة وغيرها من المأكولات، هذا السوق يكون مزدحماً للغاية، ومن السهل جداً انتشار المرض من خلاله، ومع ذلك لم يُمنع إلا منذ أسبوع عندما ارتفعت معدلات الإصابة اليومية بالفيروس".

واستدركت شيماء متساءلة: "ولكن بعد منع انعقاد هذا السوق، كيف سيتوفر لهؤلاء البائعين قوت يومهم، وهم لا يرزقون إلا في هذين اليومين؟".

ترى ليلى أن أبرز أسباب استخفاف أهل الحي بالفيروس، انعدام الثقة مع ما يقوله الإعلام، تقول: "ما تدعيه الأخبار بالنسبة إليهم ما هو إلا تعظيم من شأن الأمر، ونشر للأكاذيب"

من ناحية أخرى، تحكي شيماء عن مبادرات شبابية للمساهمة في مقاومة انتشار كورونا، تقول: "هناك بعض الشباب يجمعون الأموال من الأهالي، ويشترون بها مطهرات، فيقومون بحملة تطهير، وتعقيم للبيوت، الكنائس والجوامع".

ومن المبادرات الإيجابية أيضاً الموجودة في صعيد مصر، تلك التي أطلقها أطباء في سوهاج، أنشأوا غروب خدمي على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، باسم "امكث في بيتك واستشرنا- تجمع أطباء سوهاج"، ويهدف الغروب إلى تقديم الاستشارات الطبية للمواطنين، وهم في منازلهم، لتقليل الاحتكاك بين المواطنين في المستشفيات والعيادات، منعاً لانتشار الفيروس، فيقوم كل طبيب بذكر اسمه وتخصصه في منشور على هذا الغروب، وينتظر أسئلة واستفسارات الناس لمساعدتهم دون الحاجة للخروج من المنزل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard