سنترحّم على مشهد الإرهاب الحالي لأن الآتي أعظم

الخميس 1 يونيو 201711:56 م

المشهد البشع لإعدام طفل عراقي على يد قوّات قيل إنها قوات أمنية عراقية ينبئنا بمستقبلنا القريب. إنها حرب الجميع ضد الجميع، حرب لن تستثني طفلاً ولا امرأة. كل "آخر" سيكون مستهدفاً. لو شاهد زعيم داعش أبو بكر البغدادي هذا الفيديو، وربما شاهده، سيضحك في داخله وسيقول: هذا بالضبط ما نريده.

الطفل قُتل لأنه سنّي. ربما يكون قد شارك في عمليات قتالية ضد القوات العراقية، كما قال البعض، ولكن هذا لا يبرّر الجريمة البشعة، لا بل يضعنا أمام حقيقة لم يعد من الممكن التغاضي عنها: يتنامى التيار السنّي الذي ينظر إلى داعش كتنظيم يعمل على صون كرامته أمام هجمة "الآخر" متعدد الأوجه. وهذا من أسباب انخراط بعض الأطفال في الأعمال المسلّحة.

في منتصف العقد الماضي، فكّر مؤسس التيار المتشدّد الذي يجسّده داعش حالياً، أبو مصعب الزرقاوي، بإستراتيجيات تساعد تنظيمه على التمدّد ووجد الوصفة السحرية: يجب إشعار السنّة بتهديد الشيعة لوجودهم. عمل الزرقاوي على تحقيق غايته، ولكن شاء مسار الأحداث أن يقدّم له الشيعة أنفسهم خدمة جليّة باستهداف بعض ميليشياتهم لسنّة آخذين مدنيين أبرياء بعزاء المقاتلين.

وها هو أبو بكر البغدادي يتربّع على عرش الصراع الذي بدأ بعد تحرير العراق من صدّام حسين. الآن، تدفع التناقضات الاجتماعية التي تفجّرت في المجتمعات العربية وانحلال السلطات المركزية وحروب القوى الإقليمية بالوكالة، الأمور إلى مداها الأقصى. وبرغم كل العنف المحيط بنا فما نراه ليس أكثر من البدايات، فالآتي أعظم.

مع بدء الحملة العسكرية التي تشنها القوات العراقية بمشاركة كثيفة من قوات الحشد الشعبي الشيعية لإعادة السيطرة على تكريت، في محافظة صلاح الدين العراقية، تعمّدت وكالة فارس إعلان وصول قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني إلى الميدان لتقديم استشارات عسكرية.

هي ليست المرّة الأولى التي ينزل فيها الجنرال الإيراني إلى الميدان العراقي. سبق أن شارك في كل العمليات العسكرية "الاستراتيجية" ضد داعش، وخاصةً في تأمين طوق أمني لحماية العاصمة بغداد. وهي ليست المرّة الأولى التي يشارك فيها جنرالات من الحرس الثوري في المعارك الدائرة في العراق أو في سوريا، وإيران لا تخفي هذا الأمر وتحتفي علناً بـ"شهدائها".

يريد الإيرانيون إيصال رسالة إلى الأمريكيين ومنافسيهم الإقليميين على النفوذ، مفادها أنهم في الميدان ولا يمكن تجاوزهم لا في إدارة المعارك القادمة ولا في الحلول السياسية، وهم نجحوا في ذلك حتى الآن. ولكن المواطن السنّي العادي، يقرأ الأمور بطريقته الخاصة، وهي، للمناسبة، طريقة غير خاطئة. هذا المواطن عندما ينظر حوله يرى أن فصيلاً إيرانياً (فيلق القدس) أُسّس وصُمّم ودُرّب لتأدية مهمات خارج الجغرافيا الإيرانية يقتحم أو يشارك في اقتحام المناطق التي يعيش فيها، والتي عاش فيها أجداده قبله. هذا المواطن الذي لا يمتلك القدرة على فهم الصورة السياسية المعقّدة للمنطقة العربية يخلص إلى أن الشيعة يهاجمون السنّة. وسيساعده على ذلك أن معظم الميليشيات الشيعية الفاعلة على الأرض هي حليفة وثيقة للإيرانيين. عندما وصل سليماني إلى صلاح الدين وصل كالبطل ورحّب به كل قادة فصائل الحشد الشعبي.

ولكي تتفاقم الأمور أكثر، تأخذ الحرب الدولية ضد الإرهاب الأمور إلى نفس المكان الذي تأخذها إليه السياسات الإيرانية. أيضاً يتنامى التيار السنّي الذي يقرأ الحملة الجوية ضد داعش على أنها حملة ضد السنّة. فمن ناحية لا يواجه جيش داعش جيش الغرب على تخوم "دولته" بل يتغلغل بين السكّان ويفرض على الطائرات قتل مدنيين وهي تهاجمه. وسبق أن قال القيادي في تنظيم القاعدة في اليمن، نصر بن علي الأنسي، إن الطائرات الأمريكية التي تستهدف تنظيمه "حوّلت دعوتنا من دعوة فى نطاق ضيق إلى دعوة شعبية واسعة." داعش يعرف كيف يستثمر هذا الأمر ويعرف كيف يحوّل كل خسارة بشرية يتكبدّها إلى تيار يتدفق منه الجهاديون إليه. ومشاهد قتلى الغارات الجوية التي تملأ فيديوهاته الدعائية خير دليل على ذلك.

الغرب من الجوّ وإيران من الأرض، والمناطق المستهدفة مناطق سنّية. كل العناصر اللازمة للشعور بالاضطهاد ولتخيّل المؤامرات متوفرة. وهنا تأتي التتمة لتعقّد المسألة أكثر: خرج الوحش الكامن داخل الميليشيات الشيعية المحلية، جيران السنّة الأقربين. يتحدث كثيرون عن أن أعمال القتل الطائفي، التي ترتكبها هذه الميليشيات في المناطق التي تسيطر عليها طاردةً عناصر داعش منها ليست سياسة رسمية بل أعمال فردية.

ولكن من براونة في محافظة ديالى، إلى الأنبار، إلى مقتل الشيخ العشائري السني قاسم سويدان الجنابي ونجله وسبعة من مرافقيه في بغداد إلى قتل ثلاثة أئمة مساجد سنّة في قضاء الزبير، غرب مدينة البصرة، إلى الطفل الذي أعدم إلى جرائم الحكومات الحليفة لإيران والكثير من الوقائع التي لم تصل إلينا، لم يعد ممكناً الحديث عن تجاوزات. التجاوزات تحوّلت إلى قاعدة.

كل ما في مشهد محاربة الإرهاب الحالي يشير إلى أن الآثار الجانبية أعظم وأدهى من النتائج الإيجابية التي تُحقق. كل ما في هذا المشهد يدفع بالمزيد من السنّة إلى اعتبار داعش مقاتلاً في سبيل حرياتهم. لذلك، يمكن أن نتوقع المزيد من تدفق المقاتلين العرب والأجانب إلى هذا التنظيم. باختصار، فُتحت أبواب الجحيم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard