هل بدأ ربيع أكراد العراق أم هو صراع على النفوذ بين الأحزاب؟

الجمعة 23 سبتمبر 201608:40 م

يشهد قضاء السليمانية في إقليم كردستان العراق احتجاجات أطلقها مدرسون وعمال وموظفون يطالبون برواتبهم المنقطعة منذ شهر يونيو الماضي، هاتفين "أين رواتبنا!" و"أين ذهبت أموال المبيعات النفطية المتزايدة". وسرعان ما تحولت تلك الاحتجاجات إلى حالة عنف.

ولا يرى الصحافي دلوفان برواري أن هذا العنف عفوي. حتى الآن، سقطت ضحيتان وأصيب نحو 18 في هجمات على مقار تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، وأثناء محاولة المحتجين الوصول إلى مجمع شاري جوان الفندقي في السليمانية، مكان انعقاد الاجتماع التاسع للأحزاب الخمسة الكبيرة، للتوصل إلى اتفاق في شأن التسوية على رئاسة إقليم كردستان، التي يشغلها مسعود البارزاني المنتهية ولايته منذ أغسطس الماضي.

في كلر ورانيا وقلعة دزة وحلبجة وسيد صادق، وهي أقضية في السليمانية، قطع المتظاهرون الطرق الرئيسة، وغيّروا الشعارات المطالبة بمحاربة الفساد إلى شعارات تطالب برحيل البارزاني. هذا التحول العنفي تجاه جهة واحدة "أخرج الاحتجاج عن صفته الجماهيرية"، بحسب برواري.

نحو حل توافقي

الاحتجاجات الأخيرة أبعد من أن تكون ربيعاً كردياً وأقرب إلى بداية رسم طريق يوصل إلى توافق سياسي بين الأطراف السياسية، بحسب ممثل الحزب اليساري الكردي في إقليم كردستان العراق فتح الله الحسيني.

ووافق الكاتب والصحافي سامان نوح على عدم وصف الأحداث بالربيع الكردي لأن الإقليم يختلف عن الدول العربية، "فنظام الحكم فيه أكثر تعددية، ولا يوجد حزب قائد متمسك بكل مفاصل السلطة". واعتبر أن التظاهرات ستتوقف في الأيام المقبلة، وربما تعود مجدداً لأنها ترتبط بأسباب اقتصادية في الدرجة الأولى.

وقال نوح إن الاحتجاجات في بغداد ضد الحكومة العراقية، حفّزت بعض الناشطين والشباب على التحرك والمطالبة بالإصلاحات ومحاربة الفساد في إقليم كردستان.

أسباب الاحتجاجات

يعيش إقليم كردستان العراق أزمة اقتصادية منذ العام الماضي، عندما قرر رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وقف صرف الرواتب لموظفي القطاع العام في الإقليم. وترافق قراره مع انخفاض أسعار النفط، بالإضافة إلى تفاقم الوضع بسبب صراع الإقليم مع داعش.

ووصف سامان نوح الواقع بـ"أزمة فرض الإرادات الحزبية على حساب المصلحة العامة والقومية للإقليم". وفي رأيه، ظهرت هشاشة المؤسسات في كردستان بما فيها البرلمان والحكومة وجهاز البيشمركة، "وما يُسوّق من حجج مختلفة لتبرير التجاوزات الحاصلة يتعارض مع الأسس القانونية ومبادئ العمل الديمقراطي".

مقالات أخرى:

اليافطات العربية تغزو شوارع مدينة السليمانية

مشاهدات من بلاد أكراد سوريا

وقال: "يريد الديمقراطي الكردستاني (برئاسة البارزاني) التحكم بكل مفاصل العمل السياسي والإداري والأمني في أربيل ودهوك من دون التنازل عن السلطة الحالية، بينما الاتحاد الوطني الكردستاني (بزعامة جلال الطالباني) وحركة التغيير (يتزعمها نوشروان مصطفى) متمسكان بما يسميانه إعادة التوازن إلى مؤسسات الإقليم، وتوزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث، مع تحويل نظام الحكم إلى برلماني، ولكنهما أيضاً غير مستعدين لتقديم تنازلات جوهرية، بل يلوحان بإدارة السليمانية وحلبجة وكركوك بشكل منفرد".

لا يستبعد نوح تفاقم الاحتقان السياسي من دون الوصول إلى حلول، ولكن "آنذاك سيضطر الجميع إلى قبول مبادرة خارجية إما من إيران أو الولايات المتحدة الأمريكية، لتخفيف التشنج فقط، وليس للوصول إلى حل نهائي".

استثمار سياسي؟

الشباب الأكراد مغيّبون عن المشهد السياسي بحسب سامان نوح، فهم يتطلعون إلى تحسين وضعهم الاقتصادي والاستقرار الأمني والاجتماعي، والبحث عن مشاريع تساهم في تخفيف البطالة وزيادة فرص العمل، مع معالجة الفروق الطبقية المتزايدة والتمييز الموجود على الأسس الحزبية والعائلية، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية والحدّ من الفساد، لكي تُفتح أمامهم فرصٌ لحياة أفضل.

راواز، موظف في دائرة السياحة من دهوك، لم يقبض راتبه منذ ثلاثة أشهر. يؤيد التظاهرات ويرى أنها خرجت بمطالب محقة كورقة ضغط على الحكومة، لكن حركة التغيير (كَوران) غيّرت منحى المطالب وسخّرتها لمصلحتها الحزبية الخاصة، برغم أن وزارتي المالية والبيشمركة ورئاسة البرلمان أساساً يشغلها محسوبون عليها.

ورأى راواز أن الاستغلال السياسي للاحتجاجات ظهر أثناء مهاجمة البعض مراكز تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، من دون مهاجمة مقار تابعة للأحزاب الأخرى، برغم أن الأحزاب الخمسة الكبرى مشاركة في الحكومة. ويشغل الحزب الديمقراطي الكردستاني خمس وزارات، والاتحاد الوطني الكردستاني خمساً، وحركة التغيير أربعاً، والجماعة الإسلامية ثلاثاً، والاتحاد الإسلامي ثلاثاً.

وعلى خلفية التوتر السياسي، منعت قوات الأمن الكردية يوم الإثنين رئيس البرلمان في الإقليم يوسف محمد المحسوب على حزب التغيير من دخول العاصمة أربيل، وهذا ما اعتبره مساعده الشخصي تصعيداً للأزمة السياسية. يأتي ذلك برغم دعوة رئيس الإقليم إلى تهدئة الأوضاع وضبط النفس وعدم السماح بتطور الاضطرابات وتمددها إلى مناطق أخرى.

علماً أن بيان الحزب الديمقراطي الكردستاني اتهم بشكل مباشر زعيم حركة التغيير نوشيروان مصطفى بالعمل على زعزعة الأوضاع في كردستان العراق، وتحدث عن "تهاون" حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، المسؤول عن الأمن في السليمانية، في حماية مقاره.

وكان مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في قلعة دزة قد أُحرق، بينما تعرض مبنى قناة روداو التابعة لرئيس وزراء الإقليم نيجرفان البارزاني لهجومٍ ورشق بالحجارة، وفي مدينة شارزور هاجم المحتجون مقار جميع الأحزاب باستثناء حزب التغيير وأنزلوا أعلامها.

انقسام ولا اتفاق

وأكّد سامان نوح أن وزراء الموارد الطبيعية والمال والتخطيط فشلوا في تخفيف الأزمة الاقتصادية، وهم اليوم غير قادرين على دفع رواتب الموظفين.

ويرى الموالون لرئيس حكومة إقليم كردستان أن حزب التغيير يستغل الاحتجاجات الشعبية لتصفية حسابات سياسية ولمنع مسعود البارزاني من تجديد ولايته. ويذهب آخرون إلى اتهام حركة التغيير بالعمل بحسب أجندة إيرانية.

أما الموالون لحركة التغيير فقد أعلنوا أحقية الاحتجاجات ولم يخفوا مشاركتهم فيها برغم أنهم جزء من الحكومة.

ومعروف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني حمى مؤسسات الأحزاب الأخرى في أربيل وزاخو ودهوك ونشر عناصر أمنية حول مقار حركة التغيير والاتحاد الوطني الكردستاني.

أصوات تدعو إلى عدم التخريب

بعض المثقفين والناشطين في إقليم كردستان أطلقوا حملات تدعو إلى عدم استغلال التظاهرات المطالبة بالحقوق المعيشية لتصفية حسابات سياسية، وحملت إحداها عنوان "احتج، لكن لا تخرب وطنك".

واعتبر فتح الله الحسيني أنه يجب عدم المبالغة في مناقشة مسألة الرئاسة. ولكنه أكّد أن "الاعتكاف السلبي من جانب حكومة الإقليم تجاه الأوضاع لا يطمئن المواطنين، بل يزيد من غضب المحتجين، لذا عليها التنصل من كل الاستحقاقات الحزبية والالتفات إلى هموم الأهالي بعيداً عن المصالح الحزبية".

وكتب أنس محمود الشيخ مظهر على صفحته على فيسبوك، عن التجمعات السلمية التي تشهدها بعض المدن للمطالبة باستحقاقات شعبية: "أرى أن الحكومة ملزمة بالإصغاء لها، وتنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها، كي لا تأتي جهات أخرى مستقبلاً، وتتخذها قميص عثمان لإثارة الفوضى من جديد".

وفي ظل هذه التعقيدات، هدأت الاحتجاجات في اليومين الأخيرين، وانسحب الحزب الديمقراطي الكردستاني من مقاره في السليمانية، في حين لا يزال المعلمون والموظفون مستمرين في احتجاجاتهم كما كانت قبل الأزمة، وكأنهم يشيرون إلى أنهم ضد العنف الذي حدث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard