الكراسي تغزو العالم
بالعودة إلى الكتاب المقدس وإلى الأبيات الثلاثين ألفاً التي نظمها الشاعر الإغريقي الأسطوري هوميروس، نلاحظ أنه لم يتم ذكر الكرسي تماماً كما تم تغييبه في مسرحية "هاملت" لشيكسبير، ولكن في منتصف القرن التاسع عشر، اختلفت القصة تماماً، إذ ذكر الكاتب الشهير "شارلز ديكنز" على نحو مفاجىء الكرسي حوالي 187 مرة في روايته Bleak House، فما الذي تغيّر بالضبط؟ أوضح الكاتب "فيبار كريغان ريد" في مقالٍ على موقع The Conversation أنه في الوقت الذي أصبح فيه الجلوس بمثابة "تدخينٍ من نوعٍ جديد"، بات الجميع يدرك حقيقة أن قضاء الكثير من الوقت على الكراسي هو أمرٌ سيىء ليس فقط من الناحية الصحية، إنما لكون الكراسي شكلت عادة سيئة يصعب التخلص منها.
يوجد أكثر من 60 مليار كرسي على هذا الكوكب. حوالي 10 كراسي لكل شخصوأشار "ريد" إلى أنه في حال طُلب منه تقدير عدد الكراسي في العالم، فإنه لا يخمن ألا يكون العدد أقل من 8 إلى 10 كراسي لكل شخص، أي يرجح وجود أكثر من 60 مليار كرسي على هذا الكوكب، كاشفاً أنه لا يوجد سبب واضح يقف وراء الظهور المفاجئ للعدد الكبير من الكراسي في العالم: "الأمر ناجمٌ عن مجموعة عوامل مثل العادات والموضة السائدة والأوضاع السياسية وعادات العمل وسلوكياته المتغيرة، فضلاً عن الرغبة الشديدة في نيل أكبر قسطٍ ممكنٍ من الراحة، مع العلم أن العامل الأخير ليس بحاجة إلى أي تفسيرٍ أو توضيحٍ، خاصة أنه يدخل في صلب ثقافةٍ يعد فيها الاستمتاع بالراحة من أقوى الدوافع المؤثرة على المستهلك خلال عملية اتخاذه لقراراته الشرائية".
أكثر من مجرد قطعة أثاث
بخلاف ما يعتقد البعض، فإن التقنية المميزة لعصرنا الحديث ليست أجهزة الكمبيوتر بل الكرسي الذي إتضح أنه أكثر من مجرد قطعة من الأثاث، فالكراسي على أشكالها وأنواعها تؤثر بشكلٍ مباشر وغير مباشر على أجسادنا. كشف "فيبار كريغان ريد" أنه بينما بدأت الكراسي في الظهور شيئاً فشيئاً في"الحقبة الحديثة المبكرة" فإنها أصبحت أكثر انتشاراً وشعبيةً خلال الثورة الصناعية.
وضعية القرفصة باتت "منسية" بالنسبة إلى الطبقتين الغنية والمتوسطة في جميع أنحاء العالم، خاصة في الدول الغربية، ذلك أن النفور من هذه الوضعية يعود لأسبابٍ ثقافية واجتماعية: يعتبر هذا السلوك بدائياً ويعكس حالة اجتماعية متدنية.
جعل الكرسي الناس يتحولون إلى كائناتٍ جامدةٍ وسلب منهم حيويتهم وليونتهم، وأطاح بوضعية "القرفصة" التي تعتبرها بعض الشعوب "مفتاح الحل" للتواصل مع أجسادنا من خلال الاحتكاك بالأرض.
انعدام الليونة
بمعزل عن رمزية الكرسي ودلالاته ومدى إنتشاره، لا بدّ من تسليط الضوء على الدور الكبير الذي لعبته هذه "القطعة المميزة" في العصر الحديث وكيف جعلت الناس يتحولون إلى كائناتٍ جامدةٍ وسلبت منهم حيويتهم وليونتهم، وأطاحت بوضعية "القرفصة" التي تعتبرها بعض الشعوب "مفتاح الحل" للتواصل مع أجسادنا من خلال الاحتكاك بالأرض. وأوضح موقع Quartz أن فشلنا اليوم في "القرفصة" تنجم عنه آثار بيولوجية وفيزيولوجية، إضافة إلى أثر أعمق وأكبر: "في عالم نقضي فيه الكثير من الوقت ونحن غارقون في رؤوسنا، في السحاب، في هواتفنا فإن غياب "القرفصة" يحرمنا من قوة التريض". ففي حين أن هناك عدداً كبيراً من سكان الأرض يصرون على مبدأ الاستغناء على الكراسي ويواصلون الجلوس على الأرض و"القرفصة" بشكلٍ يومي، للراحة أو للصلاة أو لتناول الطعام، أو لاستخدام المراحيض، (حتى أنه في بعض البلدان التي لا تنتشر فيها المستشفيات فإن "القرفصة" تدخل في عملية الولادة)، فإن هذه الوضعية باتت "منسية" بالنسبة إلى الطبقتين الغنية والمتوسطة في جميع أنحاء العالم، خاصة في الدول الغربية، ذلك أن النفور من هذه الوضعية يعود لأسبابٍ ثقافية واجتماعية: يعتبر هذا السلوك بدائياً ويعكس حالة اجتماعية متدنية. via GIPHY إضافة إلى ذلك، فإن انتشار الكراسي مرتبط بمتطلبات هذا العصر، فمن الملاحظ أنه في الآونة الأخيرة ساهمت بعض الأنشطة التي طرأت على العصر الحديث، على غرار ألعاب الكمبيوتر ومشاهدة البث الحي المباشر عبر الأجهزة الإلكترونية المختلفة، ساهمت في تعزيز مبدأ "الجلوس دون حراك"، وكأننا في حالة تأمل، وهكذا أصبح الإنسان العصري بحاجة إلى الكراسي للقيام بمعظم"الأنشطة". وعليه، إذا كانت الحياة الحديثة تقدم لنا "باقة" من السلوكيات التي تعتمد على الجلوس أغلب الوقت، فيمكن اعتبار الكراسي هي "السيقان" التي تعتمد عليها هذه الباقة، لا سيما أن وجودها بات ضرورياً للغاية، ولا يمكن تصور الحياة من دونها، غير أن هذا الواقع الجديد لا يأتي من دون تداعيات سلبية على صحة المرء ونمط حياته. فقد كشفت الأبحاث التي أجرتها جمعية "بريتيش هارت فاوندايشن" التي تعنى بصحة القلب في بريطانيا، أننا نقضي حوالي 9.5 ساعات يومياً جالسين، مما يعني أن الإنسان الحديث يقضي 75 % من وقته من دون أي نشاطٍ، الأمر الذي يرتب مشاكل جسدية ونفسية لا تعد ولا تحصى: السمنة المفرطة، الاكتئاب، مشاكل في القلب. وفي هذا الصدد، يمكن تطبيق المقولة التالية "العضو الذي لا تستخدمه يضمر"، عند الحديث على أنسجتنا التي يمكن أن تتضرر نتيجة التأثير السلبي لغياب الأنشطة الحركية، فالعضلات والعظام تتأثر بشكلٍ سلبي أو إيجابي جراء زيادة العبء عليها أو التوقف عن استخدامها، وبالتالي فإن الجلوس لوقتٍ طويلٍ يؤثر سلباً على ليونة العضلات ويحدث آلاماً على مستوى العمود الفقري والظهر.رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ 21 ساعةلا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 3 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 6 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟