نحن أبناء بيروت… أبناء التروما المتوارَثة

نحن أبناء بيروت… أبناء التروما المتوارَثة

مدونة نحن والحرية

السبت 11 أبريل 20264 دقائق للقراءة


"لمّا رقمك ما علّق، ارتحت. كنت عم دق لخيّك وما رد. ذكّرني فيكِ يوم 4 آب".

لم تملك والدتي في تقييم سلامتنا، أنا وأخي، في اليوم الذي قرّرت فيه إسرائيل أن تشنّ أكثر من مئة غارة في عشر دقائق على بيروت، سوى مخزونها الشخصي من جولات الاطمئنان.

ذاكرة أمّي، بكل ما تختزنه من اتصالات لم يُجَب عليها، ومن احتمالات، فقد كانت دائماً أقرب مما يجب لأنها ليست ذاكرتها وحدها، هي ذاكرة شعب بأكمله.

لعلّه جحيم

الدقائق التي فصلت بين اتصالاتها وسماع صوت أخي أعادتها إلى ذلك اليوم، يوم أُصبتُ في تفجير المرفأ في 4 آب/ أغسطس 2020. يومها أيضاً لم أُجِب مباشرةً. وحين عدت مساءً محمّلةً بآثار الدم، لم أكن أملك سوى جملة واحدة فقط: "أنا منيحة".

مع كل حادث أمني يتوقّف بنا الزمن، وتتحول رؤوسنا إلى خرائط بشرية؛ نحدّد أماكن الأحبّة، نعدّهم ونرتّبهم. ونعم… نفاضل بينهم.

نختار من نتصل به أوّلاً، من قد يرنّ هاتفه ومن قد لا يجيب، ثمّ نحسب المسافات ونخمّن الاحتمالات.

لعلّه حب

نضع الصدمات على سلّم، نمنح كل واحدة موقعها بعدل وموضوعية أيضاً، ونقيس كارثةً بأخرى، كأنّ الصدمة بحدّ ذاتها لا تكفي ليتمّ استيعابها. هكذا تراكم ذاكرتنا الأحداث، لا تمحوها ولا تعالجها، بل ترتّبها

في هذه اللحظات، لا نعيش في الزمن الحاضر فحسب، بل نكون متواجدين في نسخ حيّة منّا في كل ما سبق، وتنفتح الذاكرة دفعةً واحدةً كأنها لم تغادر، فنحن أبناء "التروما" المتوارَثة.

ما يُصرّ البعض على تسميته "resilience" وتلميعه كصمود، ليس صموداً، بل آلية دفاع باتت جزءاً من تركيبة شعب يتلقّى الحروب والانفجارات كأحداث سبق له أن عاشها، أو عاش ما يشبهها، بشكل أو بآخر.

نعيش اليوم وكأننا نحمل في ذاكرتنا الجماعية كتيّب إرشادات؛ كل حدث يُضاف إلى سابقه ويدخل في باب المقارنات.

هل كان القصف الأخير أشبه بتفجير 4 آب/ أغسطس أو أقرب إلى "يوم البيجر"؟ المقارنة هنا ليست من باب المفاضلة!

نضع الصدمات على سلّم، نمنح كل واحدة موقعها بعدل وموضوعية أيضاً، ونقيس كارثةً بأخرى، كأنّ الصدمة بحدّ ذاتها لا تكفي ليتمّ استيعابها. هكذا تراكم ذاكرتنا الأحداث، لا تمحوها ولا تعالجها، بل ترتّبها.

الدقائق التي فصلت بين اتصالاتها وسماع صوت أخي أعادتها إلى ذلك اليوم، يوم أُصبتُ في تفجير المرفأ في 4 آب/ أغسطس 2020. يومها أيضاً لم أُجِب مباشرةً. وحين عدت مساءً محمّلةً بآثار الدم، لم أكن أملك سوى جملة واحدة فقط: "أنا منيحة"

ثمّ في كل مرة نمشي فيها بين ركام القصف والانفجارات، نستعيد ما كان هنا.
نودّعه بصمت، ونترك مكانه لصورة جديدة، نحفظها كما حفظنا ما قبلها من صور وذكريات.

لعلّها نجاة

تعلّمنا كيف نركض، وإلى أين نذهب، وبمن نتّصل أولاً، وكيف نتلمّس أجسادنا لنعرف أننا لم نُصَب وإن كنا بعيدين عن القصف، وكيف نعيش حدثاً عشنا نسخاً كثيرةً منه.

لم تكن المشكلة يوماً أننا ننجو، بل أننا تعلمنا كيف ننجو دون أن نُشفى، وأننا ننجح في إدارة اللحظة ونؤجّل ما بعدها. نعيش الحدث ونضعه على رفّ في الذاكرة مخصّص له، ونتحضّر دون أن ندري لاستقبال فاجعة أخرى.

نحن لا نتعافى. نحن نؤرشف.

… ولعلّه حب

تلفظك مدينتك.

يوجعك وجهها المليء بالندوب.

يفزعك خلوّها وفيها كلّ العابرين. تخشى النظر في الوجوه، فرفاق العمر غادروها ومن بقي منهم جسد بلا روح.

بيروت التي غادرتنا قبل أن نغادرها، حملت ذكرياتنا ورحلت، وما عادت تشبهنا. بيروت التي عوّدتنا على اللقاء بلا موعد، في المقهى، في الشارع، وفي أيّ سهرة…

الرفاق هناك، الجدال والصراخ والضحك. كل شيء ما زال هناك.

بيروت التي كانت تجمعنا ما عادت بيروت، مدينتي، ولا مدينة لي في العالم سواها.

اشتاقها، وأخاف منها قدر خوفي عليها.






رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile