الصحافة في زمن الحرب والنزوح... كيف يعمل الصحافيون حين يفقدون أماكنهم؟

الصحافة في زمن الحرب والنزوح... كيف يعمل الصحافيون حين يفقدون أماكنهم؟

حياة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 7 أبريل 202613 دقيقة للقراءة

في أحد المقاهي، تجلس المصوّرة الصحافية هديل إسكندر أمام حاسوبها. تحاول أن تلتقط إشارة إنترنت كافيةً لإرسال موادها. قبل أشهر، كانت تعمل من مكتبها داخل غرفتها، في مساحة واضحة ومنظّمة. اليوم، صار يوم العمل نفسه سلسلةً من المحاولات: أين تجلس؟ كيف تشحن؟ وكيف تنجز عملها في ظلّ كهرباء متقطعة وإنترنت بالكاد يعمل؟

في مكان آخر، تعمل الصحافية في قناة "الميادين"، غفران مصطفى، خارج المكتب، بعد أن فقدت بيئة العمل التي كانت توفر لها استقراراً وتقنيات أساسية. مهام كانت تُنجز سابقاً "بكبسة زر" داخل غرفة الأخبار، باتت اليوم تتطلب وقتاً وجهداً مضاعفَين، من رفع الفيديوهات عبر إنترنت بطيء، إلى تنسيق العمل عن بعد مع الفريق.

أما الصحافي والمصوّر محمد قليط، فيقف أمام كاميراه في الضاحية، يصوّر أماكن يعرفها جيداً؛ عاش فيها سنوات طويلة. بالنسبة له، لا تبدو المباني المدمّرة مجرّد مواقع خبرية، بل مساحات مليئة بالذاكرة. ومع ذلك، يفرض على نفسه في لحظة التغطية أن يفصل بين ما يشعر به، وما يجب أن يُنجزه. لاحقاً فقط، تعود هذه المشاهد لتأخذ معناها الشخصي الكامل.

هكذا تتبدل مهنة الصحافة في زمن الحرب. لا يعود الصحافي مجرد ناقل للحدث، بل يصبح جزءاً منه: يعمل من قلب النزوح، يغطّي أماكن تخصّه، ويستمع يومياً إلى قصص الألم والخسارة. تشرح الأخصائية في علم النفس السريري، ريما إبراهيم، أنّ هذا النوع من التعرّض المستمرّ للضغط والصدمة قد يترك آثاراً نفسيةً معقدةً، تبدأ بردود فعل حادّة وقد تتطور إلى حالات مزمنة مثل اضطراب ما بعد الصدمة أو الاحتراق المهني.

وبرغم هذه الظروف، يُطلب من الصحافي أن يستمرّ: أن ينتج بسرعة، أن يحافظ على الدقة، وأن يعمل في بيئة تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحدّ الأدنى من الحماية.

تشير رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، إلى وجود فجوة واضحة بين الصحافيين المحليين ونظرائهم العاملين مع مؤسسات أجنبية، سواء من حيث التدريب أو التأمين أو إدارة المخاطر، ما يترك الصحافي المحلي في موقع أكثر هشاشةً أمام الخطر.

هذا التقرير يحاول الاقتراب من هذه التجربة المركّبة: كيف يعمل الصحافيون حين يفقدون أماكنهم؟ ماذا يحدث لهم نفسياً وهم يغطّون الألم يومياً؟ كيف تتغير معايير الإنتاج تحت الضغط؟ ولماذا تبدو الحماية أقل كلما كان الصحافي أقرب إلى أرضه؟

حين يصبح العمل معركةً لوجستيةً

لم يعد العمل الصحافي مرتبطاً بمكتب أو مساحة ثابتة. بالنسبة لكثير من الصحافيين الذين اضطروا إلى النزوح، تحوّل يوم العمل إلى سلسلة محاولات لتأمين الحدّ الأدنى من شروطه. مكان للجلوس، كهرباء تكفي، وإنترنت يمكن الاعتماد عليه… تفاصيل كانت بديهيةً قبل الحرب، أصبحت اليوم جزءاً من التحدّي اليومي.

الخروج من المكتب لم يغيّر المكان فحسب، بل آليات العمل نفسها. مهام كانت تُنجز بسهولة داخل غرفة الأخبار، باتت اليوم أكثر تعقيداً، من رفع الفيديوهات عبر إنترنت بطيء، إلى صعوبة التنسيق مع الفريق عن بعد. حتى التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ بسرعة بين الزملاء، أصبحت تحتاج إلى وقت إضافي وجهد مضاعف

تصف المصوّرة الصحافية هديل إسكندر، كيف فقدت المساحة التي كانت تعمل منها داخل منزلها، وهي مكتبة صغيرة في غرفتها كانت تمنحها شعوراً بالفصل بين العمل والحياة. بعد النزوح، لم يعد هناك مكان واضح للعمل. يومها يبدأ بالبحث عن مقهى مناسب، أو مكتب صديق يمكن أن تستقر فيه لساعات. أحياناً تضطر إلى التنقل بين أكثر من مكان في اليوم نفسه، فقط لتتمكّن من إكمال مهامها.

لكن المشكلة لا تتوقف عند المكان. في المنزل الجديد، الكهرباء مقنّنة خلال النهار، والإنترنت بالكاد يعمل، ما يفرض عليها الاعتماد على الهاتف لتأمين اتصال مؤقّت. حتى الجلوس للعمل يصبح تحدّياً، إذ قد تضطر في بعض الأيام إلى العمل من السرير، لعدم توافر مساحة مناسبة أو طاولة. ومع هذا كله، ترتفع الكلفة اليومية للعمل، من تنقّل بين مقاهٍ، إلى البحث المستمرّ عن بيئة "صالحة" للعمل.

من جهتها، تشير الصحافية في قناة "الميادين" غفران مصطفى، إلى أنّ الخروج من المكتب لم يغيّر المكان فحسب، بل آليات العمل نفسها. مهام كانت تُنجز بسهولة داخل غرفة الأخبار، باتت اليوم أكثر تعقيداً، من رفع الفيديوهات عبر إنترنت بطيء، إلى صعوبة التنسيق مع الفريق عن بعد. حتى التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ بسرعة بين الزملاء، أصبحت تحتاج إلى وقت إضافي وجهد مضاعف.

بهذا المعنى، لم تعُد الصحافة مجرد كتابة أو تصوير أو تحرير. صارت، قبل كل شيء، محاولةً يوميةً لتأمين إمكانية العمل نفسها، في ظلّ بيئة غير مستقرّة تفرض شروطها على كل تفصيل من تفاصيل المهنة.

… وحين تصبح القصة شخصيةً

في الظروف العادية، تفصل بين الصحافي والحدث مسافة واضحة؛ يراقب، يوثّق، وينقل. لكن في الحرب، خصوصاً حين تكون على أرضه، تتآكل هذه المسافة تدريجياً، إلى أن تكاد تختفي.

يصف الصحافي والمصوّر، محمد قليط، تجربته في تغطية القصف على الضاحية، وهي منطقة أمضى فيها سنوات طويلةً من حياته. بالنسبة له، لا تبدو المواقع المستهدفة مجرد نقاط على خريطة أو مشاهد دمار. يعرف ماذا كان في هذا المبنى، من ناس ومحالّ، وما الذي كانت تمثّله هذه الشوارع في حياته اليومية.

في لحظة التغطية، يفرض على نفسه نوعاً من الفصل. يتعامل مع المشهد كحدث يجب نقله: مبنى تعرّض للقصف، شارع دُمّر، شهادات يجب تسجيلها. يركّز على عمله، يطرح أسئلته، ويصوّر، من دون أن يسمح لذاكرته بأن تتقدم على مهمته.

حين تنتهي التغطية، وتبدأ مرحلة مراجعة الصور أو إعداد المادة، تعود التفاصيل الشخصية بقوّة. لا يعود المصوّر الصحافي يرى ما حدث فقط، بل ما كان موجوداً قبل ذلك: محال، وجوه، تفاصيل حياة يومية كانت تشكّل جزءاً من ذاكرته

هذا الفصل ليس خياراً عاطفياً، بل ضرورة مهنية تتيح له الاستمرار.

لكن هذا التوازن لا يدوم. حين تنتهي التغطية، وتبدأ مرحلة مراجعة الصور أو إعداد المادة، تعود التفاصيل الشخصية بقوّة. لا يعود يرى ما حدث فقط، بل ما كان موجوداً قبل ذلك: محال، وجوه، تفاصيل حياة يومية كانت تشكّل جزءاً من ذاكرته. الصورة الصحافية لا تبقى مجرد وثيقة، بل تتحول إلى محفّز لذاكرة شخصية موازية.

هذا التداخل بين المهني والشخصي لا يُضعف التغطية، بل يمنحها أحياناً عمقاً إضافياً. فمعرفة المكان لا تقتصر على تحديد موقعه، بل تمتد إلى فهم ما خسره الناس فيه. الصحافي الذي يعرف الحي، يعرف أيضاً كيف يسأل، وأين يركز، وما الذي يجب أن يُروى.

لكنّ هذه الميزة نفسها تحمل كلفة. فكل تغطية تصبح مواجهةً مزدوجةً: مع الحدث كما هو، ومع الذاكرة كما كانت. هنا، لا يكون الصحافي مجرد شاهد على ما يحدث، بل شخصاً يعيد، في كل مرة، اكتشاف خسارته الخاصة داخل القصة التي يرويها.

الكلفة التي لا تُرى

لا يظهر أثر الحرب فقط في الصور التي ينقلها الصحافي، بل في ما تتركه هذه التجربة داخله، بشكل قد يكون أبطأ وأعمق وأقلّ وضوحاً. فالعمل في بيئة مليئة بالخطر والقصص الصادمة يضع الصحافيين أمام ضغوط نفسية متراكمة، لا ترتبط دائماً بلحظة واحدة، بل تتشكل عبر الاستمرار في التعرّض اليومي للألم.

توضح الأخصائية في علم النفس السريري، ريما إبراهيم، أنّ الصحافي قد يواجه، في بعض الحالات، استجابةً نفسيةً مباشرةً بعد التعرّض لحدث صادم، تُعرف باضطراب الكرب الحاد، حيث تظهر عوارض مثل القلق، وفرط اليقظة، واضطرابات النوم. وفي حالات أخرى، قد تتطور هذه التجربة إلى ما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يمكن أن يستمرّ لفترات طويلة ويؤثّر على تفاصيل الحياة اليومية.

يواجه الصحافيون نوعاً مختلفاً من التأثر، لا يرتبط بما يعيشونه هم فحسب، بل بما يسمعونه من الآخرين. فالتعامل اليومي مع قصص الضحايا والناجين، يضع الصحافي في موقع امتصاص الألم.

لكن ليس كل الضغط يأتي من حادثة واضحة ومباشرة. فهناك نوع آخر أكثر هدوءاً، يتمثل في الضغط المزمن الناتج عن العمل المتواصل في بيئة مشحونة. هذا الضغط، حين يتراكم، قد يؤدّي إلى الاحتراق المهني، حيث يفقد الصحافي تدريجياً طاقته، وتتراجع دافعيته، ويصبح العمل نفسه عبئاً ثقيلاً.

بجانب ذلك، يواجه الصحافيون نوعاً مختلفاً من التأثر، لا يرتبط بما يعيشونه هم فحسب، بل بما يسمعونه من الآخرين. فالتعامل اليومي مع قصص الضحايا والناجين، والاستماع المتكرر لمعاناة الناس، يضع الصحافي في موقع امتصاص هذا الألم. ومع الوقت، قد يتحول هذا التعرض إلى ما يُعرف بالصدمة الثانوية أو "إجهاد التعاطف"، حيث يصبح الشخص مستنزفاً من كثرة التماهي مع ما ينقله.

تظهر هذه الضغوط بأشكال مختلفة: قلق دائم، صعوبة في النوم، تراجع في التركيز، أو حتى نوع من التبلّد العاطفي، حيث يفقد الصحافي قدرته على التفاعل مع ما يراه. وفي بعض الحالات، تنعكس هذه الحالة أيضاً على الأداء المهني، من خلال أخطاء متكررة أو فقدان الحافز.

وتكون هذه الكلفة النفسية أعلى حين يكون الصحافي نفسه جزءاً من البيئة المتضررة. في هذه الحالة، لا يكون ما يعيشه مجرد تجربة مهنية، بل تجربة شخصية ووجودية، يتداخل فيها ما يراه مع ما يخسره.

من هنا، لا يمكن التعامل مع هذه الضغوط كمسؤولية فردية فحسب، فالتعرض للصدمات جزء من طبيعة العمل الصحافي في الحروب، ما يضع على المؤسسات الإعلامية مسؤوليةً في توفير بيئة داعمة، تشمل التوعية، والتدريب، والدعم النفسي، بدل الاكتفاء بطلب الاستمرار في العمل تحت أي ظرف.

حين تتغيّر معايير الجودة

في زمن الحرب، لا تتغير ظروف العمل فحسب، بل يتغير أيضاً شكل الإنتاج الصحافي نفسه. الإيقاع يصبح أسرع، والضغط على النشر يتضاعف، فيما تتراجع المساحة المتاحة للتفكير والتحقق والتعمق.

توضح غفران مصطفى، أنّ ضغط السرعة في الحرب أمر طبيعي، لأنّ الوقت لا يُقاس بالأيام، بل بالدقائق. لكن هذا الضغط لا يكون متساوياً في كل أنواع المحتوى. ففي حين يفرض أن تُنشر الأخبار العاجلة بسرعة كبيرة، تمتلك القصص الإنسانية هامشاً زمنياً أوسع، وإن ظلّ محكوماً بإيقاع الحرب وضرورة البقاء قريباً من الناس وما يعيشونه.

بجانب عامل الوقت، تفرض الظروف الميدانية قيودها على أدوات العمل نفسها. فالتصوير لا يتمّ دائماً بكاميرات احترافية، بل كثيراً ما يعتمد على الهاتف المحمول، إما بسبب صعوبة التنقل، أو لغياب فريق تصوير متكامل. في هذه الحالة، لا يعود السؤال عن جودة الصورة بالمعنى التقني فحسب، بل عن قدرة هذه الصورة على نقل ما يحدث.

تشرح مصطفى، أنّ الأولوية لم تعد للعنصر الفني بحد ذاته، بل للتوثيق. الصورة "الجيدة" في الحرب ليست بالضرورة الأكثر جمالاً، بل الأكثر صدقاً وقدرةً على حمل القصة. مادة مصوّرة بهاتف بسيط قد تلامس الناس أكثر من مادة عالية الجودة، إذا كانت تحمل تجربةً حقيقيةً وصوتاً واضحاً.

كما تفرض الظروف التقنية نفسها على مسار العمل. بطء الإنترنت، خصوصاً عند التعامل مع ملفات الفيديو، قد يدفع الصحافي إلى تخفيف جودة المواد لتسهيل إرسالها، أو إلى تعديل طريقة العمل بالكامل. وحتى التنسيق بين الزملاء، الذي كان يتم بسهولة داخل المكتب، أصبح أكثر تعقيداً حين يتم عن بعد، ما يضيف طبقةً إضافيةً من الضغط على سير العمل اليومي.

برغم ذلك كله، لا يعني هذا أنّ المعايير المهنية تُلغى. فالعمل الجماعي، ووجود أكثر من مرحلة مراجعة، يساعدان على الحدّ من الأخطاء، حتى في ظلّ السرعة. كما أنّ الخبرة تلعب دوراً أساسياً، إذ يكون الصحافي المعتاد على العمل تحت الضغط أكثر قدرةً على الحفاظ على تماسكه، مقارنةً بمن يخوض هذه التجربة للمرة الأولى.

بهذا المعنى، لا تقلّص الحرب فقط الوقت المتاح للعمل، بل تعيد تعريف الجودة نفسها. لم تعد الجودة مرتبطةً بالكمال التقني، بل بقدرة الصحافي على نقل ما يحدث، بسرعة، وبدقة كافية، ومن دون أن يفقد المعنى.

من يحمي الصحافي؟

في مقابل كلّ هذه الضغوط اليومية، يبرز سؤال أساسي: من يحمي الصحافي؟
الإجابة، في كثير من الأحيان، ليست واضحة.

يجد الصحافي المحلي نفسه في كثير من الأحيان يعمل بإمكانات أقل، وضمن شروط أقل وضوحاً. لا تتعلق المسألة بالفروقات التقنية أو المادية فحسب، بل بطريقة التعامل مع الخطر نفسه، ويُترك أحياناً أمام قرار النزول إلى الميدان "على مسؤوليته الخاصة"

تشير رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، إلى وجود تفاوت كبير بين الصحافيين المحليين ونظرائهم العاملين مع مؤسسات أجنبية، وهو تفاوت لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل منظومةً كاملةً من العمل. فالصحافي المرتبط بمؤسسة أجنبية غالباً ما يحصل على تدريب أفضل، وتأمين أكثر شمولاً، وبدلات خاصة مرتبطة بتغطية الحرب، بجانب إحاطة مهنية وأمنية أكثر تنظيماً.

في المقابل، يجد الصحافي المحلي نفسه في كثير من الأحيان يعمل بإمكانات أقل، وضمن شروط أقل وضوحاً. لا تتعلق المسألة بالفروقات التقنية أو المادية فقط، بل بطريقة التعامل مع الخطر نفسه. ففي حين تدار المخاطر لدى بعض المؤسسات بشكل منهجي ومدروس، يترك الصحافي المحلي أحياناً أمام قرار النزول إلى الميدان "على مسؤوليته الخاصة".

هذا الواقع لا ينعكس فقط على ظروف العمل، بل على شعور الصحافي نفسه. فالفجوة لا تُقاس فقط بالتجهيز أو الأجر، بل بالإحساس بوجود شبكة حماية فعلية، أو غيابها. ومع تراكم هذه الفروقات، يتكوّن لدى كثير من الصحافيين المحليين شعور بأنّهم يواجهون المخاطر وحدهم، من دون الغطاء نفسه الذي يتمتع به غيرهم.

وتشير مفرّج، إلى أنّ جزءاً من الحلّ يكمن في تحويل الحماية من مسألة فردية إلى إطار منظّم. من بين الإجراءات المطروحة، ربط السماح بالتغطية في المناطق الخطرة بتوفر شروط واضحة، مثل التأمين، والتدريب، والتجهيزات الأساسية. كما تشدّد على ضرورة أن تفرض المعايير نفسها على جميع الصحافيين، من دون تمييز بين محلي وأجنبي.

في هذا السياق، يلعب الاتحاد دوراً على أكثر من مستوى، من التوعية بالحقوق، إلى الضغط على المؤسسات لتحسين شروط العمل، وصولاً إلى توفير معدّات الحماية والتدريب، والسعي إلى تأمينات ميسّرة، خصوصاً للصحافيين المستقلّين.

لكن، برغم هذه الجهود، يبقى الخلل قائماً. فالخطر واحد، والحدث واحد، لكن الحماية ليست كذلك. وبينما يُطلب من الصحافي أن يكون في قلب الحدث، لا تزال شروط سلامته وحقوقه عرضةً للتفاوت.

في الحرب، لا يفقد الصحافي مكتبه أو روتينه أو استقراره فقط. بل يفقد أيضاً المسافة التي كانت تفصله عن القصة. يعمل من مكان مؤقّت، يغطّي أماكن يعرفها، يستمع يومياً إلى قصص الألم، ويعيد ترتيب أدواته ومعاييره كي يتمكن من الاستمرار.

ومع ذلك، يُطلب منه أن يبقى دقيقاً، سريعاً، ومهنياً، كأنّ شيئاً لم يتغيّر.

لكن الحقيقة أنّ كل شيء تغيّر. وأنّ من يروي الحرب… يعيشها أيضاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile