بين دماء اللبنانيين والحياد السياسي... هل تبتلع

بين دماء اللبنانيين والحياد السياسي... هل تبتلع "المنطقة الرمادية" هويتنا؟

رأي نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 10 أبريل 20266 دقائق للقراءة

لم تكن مجزرة الثامن من نيسان/ إبريل التي استهدفت قلب بيروت مجرد تاريخ جديد في سجل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بل كانت لحظة كاشفة وضعت السقوف السياسية والتحليلات الجيوسياسية أمام اختبار الدم.

فبينما كان الدخان يتصاعد، والجثث تنتشل من تحت الأنقاض، عادت إلى الواجهة تلك التساؤلات المؤرقة حول حدود الفصل بين تصفية الحسابات الإقليمية وبين السيادة الوطنية المُنتهكة. هل يمكن للبنان أن يظل مجرد "ساحة" في قراءات المحللين الباردة بينما هو في الحقيقة 'كيان' يُذبح؟ وما هي أخلاقيات التموضع في المنطقة الرمادية حين يتحول الركام إلى شاهد على هوية الضحية اللبنانية؟ هذه المجزرة تعيد ترتيب الأولويات، لتضعنا أمام مواجهة مباشرة مع الذات: أين ينتهي حياد الجيوسياسة، وأين يبدأ الانتماء للبنان؟

لماذا الحياد؟

في كل أزمة سياسية كبرى، يظهر "أصحاب المنطقة الرمادية". هؤلاء، ليسوا مع أي طرف بالكامل. يختارون التموضع في المساحة الوسطى، حيث التحليل البارد يتقدّم على العاطفة، وحيث تُقرأ الصراعات بمنطق المصالح والجغرافيا لا الشعارات. في علم الجيوسياسة، هذا الموقف ليس غريباً. فالعالم لا يُدار بثنائيات أخلاقية بسيطة، بل بمفاهيم مثل توازن القوى، والردع، وحروب الوكالة، والتموضع الإستراتيجي.

قد يكون من المنطقي للبعض أن يتبنى موقفاً حذراً، لأن الانحياز الكامل قد يضعه في صراع لا يخدم مصالحه الوطنية المباشرة... لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط هذه المنطقة الرمادية بين صراع إستراتيجي إقليمي، وبين اعتداء مباشر على بلدك

في الصراع الأمريكي-الإيراني، يبدو هذا المنطق مفهوماً، ويُقرأ ضمن مفاهيم مثل "توازن القوى الإقليمي" و"حروب الوكالة" و"الردع المُتبادل". كما أنّ المواجهة هنا ليست مباشرة دائماً، بل تدور عبر شبكات نفوذ، ومسارح متعددة، ومصالح متشابكة وإدارة للتصعيد.

وهذه كلها أدوات جيوسياسية تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية. إيران تتحرك عبر شبكة نفوذ إقليمية، بينما الولايات المتحدة تسعى إلى احتواء هذا النفوذ ضمن إستراتيجية أوسع تتعلق بأمن الطاقة، والممرات البحرية، وحماية الحلفاء.

في هذا السياق، قد يكون من المنطقي للبعض أن يتبنى موقفاً حذراً، لأن الانحياز الكامل قد يضعه في صراع لا يخدم مصالحه الوطنية المباشرة، ومن المنطقي أيضاً لبعض الدول أن تختار التحوّط، واعتماد "الحياد المرن"، والمراقبة من بعيد، مُدركة أن الانحياز الكامل قد يجرّها إلى معركة لا تخصّها مباشرة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط هذه المنطقة الرمادية بين صراع إستراتيجي إقليمي، وبين اعتداء مباشر على بلدك.

هنا يتغير كل شيء.

الخلط بين حربين

من منظور لبناني، يصبح الخلط بين الحرب الأمريكية – الإيرانية وبين الاعتداء الإسرائيلي على لبنان خلطاً خطيراً. صحيح أن "حزب الله" جزء من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، وأنه لاعب أساسي ضمن معادلة الردع الإقليمي، وأنّ الصواريخ الستة التي أطلقها يعتبرها البعض بمثابة الحُجّة التي ينتظرها الإسرائيلي لرفع وتيرة اعتداءاته التي لم تتوقف منذ أكثر من 15 شهراً، لكن كل هذا لا يلغي حقيقة بسيطة: عندما تُقصف قرية لبنانية في الجنوب أو البقاع، أو تُستهدف الضاحية، أو تُدمر البنية التحتية، لا يُصاب النظام الإيراني، بل بيت لبناني وأرض لبنانية. وعندما يسقط شهداء، لا يسقطون كجزء من محور إقليمي، بل كأبناء بلد سيادته مُنتهكة براً وبحراً وجواً.

عدم الفصل بين الحربين، الحرب الجيوسياسية الإقليمية، والاعتداء المباشر على لبنان، يؤدي إلى نتيجة واحدة: تذويب فكرة أن لبنان كيان مستقل، وتحويله إلى مجرد امتداد لصراع الآخرين

والمفارقة تكمن هنا. يمكن لللبناني أن يختلف جذرياً مع "حزب الله". يمكن أن يُعارض سلاحه، ودوره الإقليمي، وارتباطه بإيران. يُمكن أن يرفض أن يكون لبنان جزءاً من صراع محاور. كل ذلك مشروع ضمن نقاش داخلي سيادي. لكن عندما يكون القصف على أرض لبنانية، فإن تحويل النقاش إلى "هذا صراع إيران" يُفرغ لبنان من ذاته، ويختزل البلد إلى مجرد ساحة.

التاريخ اللبناني نفسه يفكك هذه الفكرة. فالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لم تبدأ مع "حزب الله". اجتياح عام 1978 سبق نشأته، والاجتياح الكبير عام 1982 وقع قبل أن يصبح الحزب قوة عسكرية مؤثرة. بيروت نفسها كانت تحت القصف والاحتلال، في مرحلة لم يكن فيها "حزب الله" لاعباً أساسياً بعد. هذا يعني أن لبنان، بحكم الجغرافيا السياسية، كان دائماً في قلب صراع أوسع، وأن الاعتداء عليه لم يكن حصراً مرتبطاً بوجود الحزب.

هنا أيضاً يدخل عامل الجغرافيا. فلبنان يقع على تماس مباشر مع فلسطين والأراضي المحتلّة، وعلى تقاطع نفوذ إقليمي ودولي. هذه الجغرافيا تجعله تلقائياً ضمن ما يسميه علماء الجيوسياسة "الدول الحدّية" أو “frontline states” — أي الدول التي تتحمل انعكاسات صراعات أكبر منها. وفي هذه الحالة، لا يكون كل تصعيد مرتبطاً حصرياً بلاعب داخلي، بل بتموضع البلد نفسه في خريطة الصراع.

حتى القانون الدولي حاول معالجة هذه الإشكاليات. اتفاقيات جنيف وضعت مبدأ حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ومنعت استهداف البنية التحتية المدنية بشكل غير متناسب. لاحقاً، رسّخ مؤتمر روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية مفهوم المساءلة عن جرائم الحرب، بما في ذلك استهداف المدنيين أو استخدام القوة بشكل يتجاوز الضرورة العسكرية. هذه الأطر لا تتعلق بمحور أو آخر، بل بمبدأ أساسي: المدني ليس طرفاً في الصراع.

وعندما يكون المدني لبنانياً، يصبح النقاش مختلفاً.

خطورة المنطقة الرمادية

المنطقة الرمادية هنا تتحول إلى مساحة ملتبسة. الحياد بين واشنطن وطهران مفهوم. لكن الحياد بين بلدك ومن يقصفه يخلق التباساً أخلاقياً ووطنياً. لأن عدم الفصل بين الحربين، الحرب الجيوسياسية الإقليمية، والاعتداء المباشر على لبنان، يؤدي إلى نتيجة واحدة: تذويب فكرة أن لبنان كيان مستقل، وتحويله إلى مجرد امتداد لصراع الآخرين.

لا تبرير لربط لبنان بمحاور خارجية، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهُل أن من يُقصف هو لبنان، ومن يُقتل هو لبناني... بين هذين الأمرين، يصبح الفصل ضرورة، لا موقفاً سياسياً

كما أن إسرائيل، تاريخياً، تعتمد على ما يُعرف بـ "إستراتيجية تفكيك البيئة الحاضنة"، أي استغلال الانقسامات الداخلية داخل الدول المستهدفة لإضعاف قدرتها على المواجهة. وتالياً، فإن الخطاب الرمادي واستغلال الاعتداءات من أجل مكسب سياسي في لحظة العدوان المباشر لا يبقى حياداً، بل يتحول إلى عامل يُضعف التماسك الوطني.

وهذا أخطر ما في المنطقة الرمادية عندما تُستخدم خارج سياقها.

نعم، المعضلة اللبنانية دقيقة. لا تمجيد لأي طرف داخلي، ولا تبرير لربط لبنان بمحاور خارجية، ولا تجاهل لواقع أن "حزب الله" جزء من شبكة نفوذ إيرانية. لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهُل أن من يُقصف هو لبنان، ومن يُقتل هو لبناني، ومن تُنتهك أرضه هي أرض لبنانية. بين هذين الأمرين، يصبح الفصل ضرورة، لا موقفاً سياسياً.

في الجيوسياسة، المنطقة الرمادية مشروعة… لكنها ليست دائماً آمنة خصوصاً لمن يقف داخل دائرة النار.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile