للأسير في الوعي الجمعي الفلسطيني مكانة خاصة تشكّلت عبر عقود، ليس فقط من كونه فرداً فَقَد حريته من أجل حرية شعبه، بل من اعتباره رمزاً لشعب كامل يعاني الأسر والفقد وتقييد الحركة، وتالياً فهو يمثل رمزاً للصمود في وجه أصناف القمع والتنكيل التي يتعرّض لها شعبه، وليس تلك التي يتعرّض لها هو شخصياً.
فمنذ ما قبل النكبة الفلسطينية عام 1948، أي زمن الاحتلال البريطاني، مروراً بكل محطات النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي: فترة الجبهة الوطنية عام 1973، والانتخابات البلدية عام 1976، والانتفاضة الأولى في ثمانينيات القرن العشرين وحتى اتفاق أوسلو مطلع تسعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى الانتفاضة الثانية عام 2000 وما بعدها، تشكّلت تجربة الأسر كأحد الأعمدة الرئيسية للرواية الفلسطينية، وتبعاً لذلك حازت بجدارة على مسمى "الحركة الأسيرة". هذا المسمَّى الذي أصبح راسخاً في الخطاب الشعبي والسياسي الفلسطيني، ومتداولاً في الخطاب الإعلامي العربي والعالمي.
قضية الأسرى لا يمكن التعاطي معها كقضية قانونية، إنما كورقة سياسية مرتبطة بشكل مباشر بموازين القوى على الأرض. وهنا بالضبط يكمن سر القانون الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي قبل أيام، والهدف من ورائه
إذاً، فالأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي ليسوا مجرد سجناء أمنيين، بل حركة استطاعت أن تبتكر أساليبها الخاصة في النضال وأن تحقّق إنجازات مهمة وتطوّرها، وأن يكون لها، تبعاً لذلك، حياتها التنظيمية خلف القضبان، ومنظومة تعليمها، وتمثيلها، وتنسيقاتها الداخلية، ورؤيتها في مجمل النضال الفلسطيني، والذي عبّرت عنه في العديد من البيانات والوثائق في ما مضى.
إضافة إلى كل ذلك، يمكننا القول، بدون مبالغة، إن غالبية العائلات الفلسطينية عاشت تجربة اعتقال أحد أبنائها أو بناتها. هذا الاتساع والشمول لكل قطاعات الشعب الفلسطيني جعل قضية الأسرى قريبة جداً من الجميع دون استثناء، ووضَعها فوق الانقسامات السياسية أو الخلافات الفصائلية، كقضية جامعة لا يمكن ولا يجوز استثمارها لصالح فصيل أو حزب دون غيره.
ما سبق هو مقدمة ضرورية لتبيان قيمة الأسير ورمزيتها، ليس لدى عائلته وفصيله فقط، بل لدى مجمل الفلسطينيين. وهذا ما يفسّر أن الفصائل دأبت على وضع قضية الأسرى، من ضمن - إن لم يكن - على رأس أهدافها في أي عملية عسكرية. وهذا ما تم في عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفي عملية اختطاف جلعاد شاليط سابقاً، وفي الكثير غيرهما.
نشير إلى ذلك من أجل الوصول إلى خلاصات هنا، وليس إلى تحليل ما إذا كان ذلك يؤدّي إلى تحقيق نتائج تساهم في التفاف الجمهور ورفع معنوياته، أو خيبات تؤدّي إلى ثمن فادح يدفعه الناس ويتسبب في حنقهم.
نقطة أخرى لا بد من الإشارة إليها، وهي أن القاضي هو الجلاد ذاته في قضية الأسرى الفلسطينيين، وهذا ما يُفقد المجتمع الفلسطيني أي ثقة في تحقيق عدالة قانونية يمكنها أن تؤدّي إلى الإفراج عن المعتقل، أو حتى إلى حُكم قضائي يتناسب مع التهمة، أو هيئة دفاع تستطيع تقديم التماس أو بيّنات أو أخذ بدوافع وظروف، مما يعني أن قضية الأسرى لا يمكن التعاطي معها كقضية قانونية، إنما كورقة سياسية مرتبطة بشكل مباشر بموازين القوى على الأرض. وهنا بالضبط يكمن سر القانون الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي قبل أيام، والهدف من ورائه.
فكما هو معروف، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح فرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين مدانين بقتل إسرائيليين. وبحسب الصيغة المطروحة، يُمنح القضاء صلاحية إصدار أحكام بالإعدام، مع منع إمكانية تخفيفها لاحقاً بأي التماس قانوني.
ولعل أفضل توصيف لهذا القانون هو ما قامت به مؤسسة "عدالة" داخل الخط الأخضر حيث قالت مديرة الوحدة القانونية في المركز، سهاد بشارة، لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا): "يمثّل هذا القانون إضفاءً للشرعية على القتل المتعمّد بدم بارد، في ظروف لا يشكّل فيها الشخص المحكوم أي خطر فعلي. وهو تشريع يقوم على التمييز على أساس الإثنية، وينتهك بشكل مباشر مبدأ المساواة، مستنداً إلى تصنيفات تعكس تصوّرات عنصرية، بما يرقى إلى تمييز عنصري محظور. كما أن تطبيق القانون الإسرائيلي الداخلي على سكان الضفة الغربية (المحتلة) يشكّل خرقاً واضحاً للقانون الدولي، إذ لا تملك الكنيست، وفقاً لاتفاقية لاهاي، صلاحية التشريع للسكان الواقعين تحت الاحتلال".
وإذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ طويل من الممارسات الإسرائيلية غير الإنسانية داخل السجون، من ظروف احتجاز قاسية وإهمال طبي وسوء رعاية، إضافة إلى تعذيب عنيف وممنهج منذ "السابع من أكتوبر"، مما أدّى ويؤدّي إلى حالات وفاة لأسرى دون حكم إعدام صريح. وإذا أضفنا إلى ذلك سياسة الضغط على الزناد التي يتّبعها الجيش عند مواجهة أقل تهديد في الشارع أو على الحواجز، ناهيك بعشرات آلاف ضحايا القصف بأحدث الصواريخ والقنابل، فإن السؤال الذي يبرز بقوة هو: هل فعلاً تحتاج إسرائيل إلى تقنين هذا العُنف ونقله من صيغة القتل غير القانوني إلى القتل المُشرعن؟
ما الذي ستستفيده من تأليب الرأي العام الدولي بسبب خطوة كهذه، وهي تستطيع أن تقتل دونها؟ وما الحكمة من إقرار قانون يعرف كل من صوّت لصالحه أن المحكمة العليا يمكن أن تلغيه لاحقاً؟ وكما تساءلت صحيفة "هآرتس" قبل أيام: ما الغاية من سن قانون يؤثر في علاقة إسرائيل ومكانتها لدى الغرب الليبرالي الذي تخلّى عن هذه العقوبة؟
قد تبدو أي إجابة، إن استُنبطت من قاموس التفسير العربي الجاهز، سهلة ومريحة وترضي مشاعر الأغلبية: إسرائيل يحكمها يمين فاشي منفلت ولا يقيم وزناً لأي رأي خارجي حتى لو كان من الحلفاء التقليديين. غير أن إجابة كهذه يمكنها أن تكون صالحة لتوصيف النتيجة ولكن، وبكل تأكيد، ليس لتفسير الأسباب.
ما هي، إذاً، الأسباب؟ أعتقد أن هناك سببين رئيسيين لاقتراح هذا القانون وإقراره؛ الأول داخلي إسرائيلي، والثاني يخصّنا نحن الفلسطينيين.
الأول يتعلّق بالتحوّلات التي طرأت على بنية إسرائيل كـ"دولة" في عهد حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة، والمتحالف فيها مع تيارات أكثر يمينية وتطرّفاً مثل تيار وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير وتيار وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، حيث يسعى هذا اليمين منذ سنوات إلى إعادة تشكيل المنظومة القانونية وتسييسها في ما عُرف بخطة "الإصلاح القضائي"، والذي توقف نسبياً مع بداية حرب الإبادة على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لكنه وجد ضالته فيها وفي الحروب المتلاحقة التي تشنّها إسرائيل إلى يومنا هذا.
نتنياهو وحكومته يعرفان تماماً هذه الرمزية، ويفهمان هذه القيمة الراسخة في الوجدان الشعبي، ويستطيعان استخدامها لاستفزاز الفلسطينيين على أكمل وجه، وتالياً دفعهم نحو ردود فعل غاضبة، توفر لهذه الحكومة المبرّر لسياسات أكثر عنفاً، تجاه الضفة الغربية المحتلة خصوصاً
أما السبب الثاني، وهو الأهم في رأيي، فهو يتعلّق تحديداً بما أوردناه آنفاً عن رمزية الحركة الأسيرة في الوعي الجمعي للفلسطينيين. فنتنياهو وحكومته يعرفان تماماً هذه الرمزية، ويفهمان هذه القيمة الراسخة في الوجدان الشعبي، ويستطيعان استخدامها لاستفزاز الفلسطينيين على أكمل وجه، وتالياً دفعهم - أي الفلسطينيين - نحو ردود فعل غاضبة، توفر لهذه الحكومة المبرّر لسياسات أكثر عنفاً، تجاه الضفة الغربية المحتلة خصوصاً.
وانطلاقاً من الاعتقاد بمعرفة كيف يفكّر هذا العدو، نستطيع هنا إضافة سبب فرعي يمكن استنباطه من السبب الثاني، وهو أن أي فلسطيني ينوي القيام بعمل عسكري تجاه الإسرائيليين في المستقبل، سيفكّر ملياً بما ينتظره تحت مظلة هذا القانون، وبالتالي فهو أمام أحد خيارين: إما التراجع… وهذا جيد لهم، وإما الذهاب إلى عمل "استشهادي"، يسهّل على الحكومة الإسرائيلية تصنيفه كـ"إرهاب"، وهذا أيضاً جيد بنظرهم.
ليس من باب المصادفة أن الجيش الإسرائيلي أجرى، قبل أيام، مناورات يحاكي من خلالها التصدّي لعمل شبيه بهجوم "السابع من أكتوبر" في الضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى التصريحات المتتالية من المستويين الأمني والاستخباري عن إمكان عمل كهذا في المستقبل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
