في بالي الكثير عن أحمد قعبور. هو الذي لم أكن أعرف اسمه عندما كنت أردّد "أناديكم" في صغري. كان لي اللحن والكلمة والعنفوان، ذاك العنفوان الذي رافق نشأتي كما رافق كثيرين من أبناء جيلي، أولئك الذين وُلدوا في الحرب، في الملاجئ، أو عاشوا بين جدرانها وانتقلوا من خوفٍ إلى خوف. كان ذلك الصوت الذي يجعلنا نشعر أنّ طريق الجلجلة التي نسير فيها ليست عبثاً، بل ربما هي الطريق الوحيدة نحو وطنٍ كنّا نريده، ونصدّق أننا سنصل إليه يوماً.
لم يكن أحمد قعبور بالنسبة إلينا مجرد فنان. كان حالة. كان امتداداً لزمنٍ آمن بأن الكلمة سلاحٌ، وأن الأغنية موقفٌ. غنّى لفلسطين، لبيروت، للناس البسطاء، للأزقّة التي تشبهنا، وللحلم الذي كبر فينا كما كبر فيه. في ثمانينيات القرن الماضي، في ذروة الحرب اللبنانية وصعود الأغنية الملتزمة، كان صوته جزءاً من موجة ثقافية كاملة رافقت العمل السياسي والميداني، من مسارح الجامعات إلى المخيمات والساحات. لم تكن "أناديكم" وحدها، بل أيضاً "يا رايح صوب بلادي"، و"جنوبيون"، و"يا نبض الضفة"، وغيرها من الأعمال التي التصقت بذاكرة جيلٍ كامل.
كتب أحمد قعبور وغنّى، وغنّينا معه. صدحت حناجرنا بأغانيه في ليالي النار، والمفارقة أن يرحل اليوم فيما جنوب لبنان يتعرّض مجدداً للقصف والاحتلال الإسرائيليين، فكأنّ الدائرة لم تُقفل بعد، ولن تُقفل، ونداءات أحمد ستبقى
قد يكون أحمد قعبور، مثل كثيرين، سار في بداياته مع اندفاعة تلك المرحلة، مرحلة الشعارات الكبرى والمواجهات المفتوحة، حين اختلط النضال الحقيقي بحسابات الآخرين، وحين كانت الأغنية جزءاً من التعبئة بقدر ما كانت تعبيراً عن الوجدان. قبل أن تتكشّف الحقائق القاسية: أنّ جزءاً كبيراً من تلك الحرب لم يكن لأجلنا، ولا لأجل الوطن الذي حلمنا به، بل كان في كثير من الأحيان لصالح الآخرين، وعلى حسابنا نحن. لكنّ أحمد لم يتوقّف عند لحظة الخيبة. لم ينكفئ، ولم ينقلب على ذاته. أعاد تعريف نضاله، وانتقل من ضجيج الشعارات إلى صدق الالتزام.
هذا الانتقال لم يكن نظرياً. انعكس في مسيرته الفنية نفسها. فبعد أن كانت أغانيه جزءاً من زمن المواجهة، بقيت كذلك من موقعٍ مختلف، أكثر وعياً وأقلّ انغماساً. غنّى للناس كما غنّى للقضية، وغنّى لبيروت وهي تنهض من تحت الركام، كما غنّى لمشروع إعادة الإعمار، وواكب مرحلة ما بعد الحرب بروحٍ تبحث عن بناء الدولة لا عن استمرار الحرب، فكانت "لعيونك"، و"يا حبيب الروح". لم يتخلَّ عن التزامه، لكنه أعاد توجيهه إلى حماية المعنى والوعي.
تابع طريقه بأسلوبه الخاص. لم يساوم على ما آمن به، ولم يتحوّل إلى صوتٍ في جوقة. بقي وفياً لبيروت التي أحبّ، لا كمدينة فقط، بل كفكرة وكأسلوب حياة. بيروت التي غنّى لها لم تكن مجرد عاصمة، بل مساحة للحرية والتنوّع والانفتاح، مدينة تختصر تناقضات لبنان كلها. عاش فيها، وغنّى لأحيائها، لـ"حرش بيروت"، لناسها، لذاكرتها المجروحة، ورفض أن يتركها حتى في أصعب مراحلها. كانت بيروت بالنسبة إليه "زهرة" يستنشق عبيرها كل يوم، كانت قضية بحد ذاتها، تماماً كما كتب وغنّى للكرامة، للحرية، للإنسان. لتلك الحرية التي دفع أثمانها كثيرون، من كمال جنبلاط إلى رفيق الحريري، وما بينهما وبعدهما وقبلهما.
رحل أحمد قعبور، ولبنان يقف مرة جديدة على مفترق خطير، بين رحيلٍ جديد أو "سفر برلك" من نوع آخر. رحل في زمنٍ قلّت فيه الأصوات التي يمكن أن نناديها، في زمنٍ يتراجع فيه العقل، وتعلو فيه أصوات لا تشبهنا. لكنّ رحيله، على قسوته، لا يلغي ما تركه فينا
كتب أحمد وغنّى، وغنّينا معه. صدحت حناجرنا بأغانيه في ليالي النار، في المخيمات، في المهرجانات، في التظاهرات، وفي جلساتنا البسيطة وسهرات السمر التي سرقناها من زمنٍ مسروق. كان صوته جزءاً من تكويننا، من وعينا، من ذاكرتنا التي لا تزال حتى اليوم تستعيده كلما ضاقت بنا البلاد. وللمفارقة، يرحل أحمد اليوم فيما الجنوب يتعرّض مجدداً للقصف والاحتلال الإسرائيليين، فكأنّ الدائرة لم تُقفل بعد. ولن تُقفل، ونداءات أحمد ستبقى، مع أن كُثراً يا أحمد صمّوا آذانهم اليوم.
كبرنا مع أحمد، لكنّه كبر أسرع منا. ربما لأنّه كان أكثر حساسية، أكثر التقاطاً لثقل هذا الوطن. كانت مشاكل لبنان تؤلمه أكثر مما تؤلمنا، لأنه كان يراها بعمق الفنان الذي لا يحتمل القسوة، رغم أنه واجهها مراراً. كان مرهفاً في زمنٍ قاسٍ، وكان صادقاً في زمنٍ امتلأ بالزيف.
رحل أحمد قعبور، والبلد يقف مرة جديدة على مفترق خطير، بين رحيلٍ جديد أو "سفر برلك" من نوع آخر. رحل في زمنٍ قلّت فيه الأصوات التي يمكن أن نناديها، في زمنٍ يتراجع فيه العقل، وتعلو فيه أصوات لا تشبهنا. لكنّ رحيله، على قسوته، لا يلغي ما تركه فينا.
في العمق، سيبقى صوته حيّاً. سنبقى نحمل ذلك النداء الذي زرعه فينا. سنبقى ننادي، حتى لو لم يكن هناك من يسمع. لأنّ الأوطان، في النهاية، لا تُبنى فقط بمن يستجيب للنداء، بل أيضاً بمن يصرّ على إطلاقه.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
