"حملة تطهير"؛ هكذا تصف الصحافة العبرية اعتداءات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان ومحاولاته لاحتلاله. هذا "التطهير" الذي يعني قتل المدنيين وطرد أصحاب الأرض منها، بات يشهد تحوّلاً إستراتيجياً كبيراً، بانتقاله من "عمليات محدودة ومستهدفة" إلى زجّ الفرق 91 و36 و162 و98 من الجيش الإسرائيلي في الجبهة في وقت واحد، واليوم بات الحديث صريحاً عن هجوم برّي شامل وواسع.
بحسب ما أعلنته مصادر إسرائيلية عدة، على رأسها صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية صباح اليوم الجمعة 3 نيسان/ أبريل 2026، سيعرض الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على المستوى السياسي خطةً بريةً كبرى للمصادقة عليها، تهدف إلى تدمير واسع لقرى في جنوب لبنان، كجزء من إنشاء منطقة أمنية جديدة. بكلمات لبنانية، تعني هذه الخطة إن نجحت "احتلالاً للجنوب".
وجاء في الخبر نفسه: "في القيادة الشمالية يقولون إنّ هدف التدمير هو ضمان عدم عودة السكان للعيش في القرى القريبة من الحدود، والتي عمل تحت غطائها عناصر حزب الله بالقرب من البلدات الإسرائيلية، وشكّلوا تهديداً استمرّ لسنوات. وتحتاج الخطة إلى مصادقة قانونية".
خطة "احتلال" الجنوب
بحسب المصدر، ستمتد المنطقة الأمنية "الجديدة"، على مسافة تتراوح بين 2 إلى 3 كيلومترات أخرى، يتمّ خلالها تدمير مبان وبنى تحتية، بحيث يسيطر الجيش الإسرائيلي عليها لـ"سنوات قادمة"، أي إنشاء منطقة عازلة، كما جرى في قطاع غزة، مع تدمير واسع للقرى القريبة من الحدود مثل: كفركلا، يارون، حولا، عيتا الشعب وغيرها.
كما نبّه الخبر إلى وجود قرى مسيحية ضمن نطاق "المنطقة الأمنية الجديدة"، وتشير الخطة إلى أنّه "سيُسمح للسكان بالبقاء فيها"، ومع ذلك فإنّ معظم القرى المسيحية تقع على مسافة تزيد عن 3 كيلومترات خارج نطاق هذه المنطقة!
سيعرض الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على المستوى السياسي خطةً بريةً كبرى للمصادقة عليها، تهدف إلى تدمير واسع لقرى في جنوب لبنان، كجزء من إنشاء منطقة أمنية جديدة. بكلمات لبنانية، تعني هذه الخطة إن نجحت "احتلالاً للجنوب"
تقول صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية أيضاً: "لم يكن هذا التصعيد مجرد تعديل تكتيكي، بل استجابة عالية المخاطر لاندلاع حريق إقليمي أشعلته الضربة الأمريكية الإسرائيلية للقيادة الإستراتيجية الإيرانية، وما تلاها من رشقات صاروخية على مدار الساعة من حزب الله".
لكن ما نقرأه في موقع "والا" يوضح الصورة أكثر. فبرغم محاولة إسرائيل استغلال الحرب مع إيران للتوغل في الجبهة اللبنانية، وتثبيت احتلال جديد تحت مسمّى "منطقة أمنية" مخالفة لكل مواثيق القانون الدولي، إلا أنّ تل أبيب تعرف جيداً أنّ النافذة الزمنية لتحقيق هذا الهدف قد تُغلق في أيّ لحظة مع إعلان وقف الحرب من قبل ترامب، أو تصبح غير ممكنة في حال تكثفت جهود المجتمع الدولي بما يكفي لوقفها، إذ كتب الموقع في تحليل له: "تسعى هذه الحملة إلى تحقيق أمر واقع على الأرض قبل أن يؤدي الضغط الدبلوماسي الدولي إلى تجميد خطوط التماس".
ينظَّم الهجوم البري عبر ثلاثة محاور عملياتية رئيسية، مصمّمة لتفتيت خطوط دفاع حزب الله. وبحسب "لوريون لوجور"، وبناءً على المعطيات الميدانية، يمكن قراءة مخطط العدوان الإسرائيلي ضمن "تكتيك الخنق الجغرافي". والمحاور هي:
القطاع الغربي
تتشكل ملامح العدوان في القطاع الغربي من خلال محاولة الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته على الخط الساحلي الممتد من الناقورة وصولاً إلى بلدتي شمع والبياضة؛ حيث تكمن الغاية الإستراتيجية هنا في اعتلاء المرتفعات الساحلية التي تمنح الجيش الإسرائيلي "سيطرةً ناريةً" مطلقةً على الطريق الدولي المؤدّي إلى مدينة صور، وهو ما يعني عملياً تحويل هذا الشريان الحيوي إلى منطقة ساقطة عسكرياً، بالتوازي مع محاولات يائسة لتحييد أي تهديدات بحرية قد تنطلق من الساحل اللبناني.
القطاع الأوسط
أما في القطاع الأوسط، فتتجلى ذروة المواجهة عبر محاولة تطويق مدينة بنت جبيل، التي تصفها إسرائيل بـ"العاصمة الرمزية" لحزب الله، حيث يسعى العدو من خلال التوغل في قرى دبل ورشاف وعيناتا وبيت ليف إلى تفكيك مراكز القيادة والسيطرة المحصنة داخل البيئات الحضرية المكتظة، محاولاً انتزاع نصر معنوي عبر إسقاط المراكز ذات الثقل التاريخي في ذاكرة المقاومة.
القطاع الشرقي
يمثّل القطاع الشرقي أخطر حلقات المناورة العسكرية، إذ تندفع القوات الإسرائيلية نحو الخيام ومرجعيون وصولاً إلى قرى دير سريان ودير ميماس، والهدف المعلن هو الوصول إلى انحناءة نهر الليطاني؛ هذه الخطوة تهدف في جوهرها إلى قطع "الحبل السرّي" اللوجستي الذي يربط جبهة الجنوب بقواعد الإمداد في سهل البقاع، مما يعني عزل المقاتلين في المناطق الحدودية عن عمقهم الإستراتيجي وفرض حصار جغرافي مطبق على كامل منطقة جنوب النهر.
ماذا يعني الخط الأصفر؟
بحسب التغطية الميدانية للصحف الإسرائيلية، فإنّ انتقال الجيش الإسرائيلي من مرحلة "الضربات التمهيدية" إلى مرحلة "التطهير الممنهج" التي تشمل خطوط القرى اللبنانية الأولى، تثبت أنّ عملية الاحتلال لا تتم بعشوائية، بل ضمن خطة "تمزيق أوصال" تهدف إلى تحويل الجنوب إلى جزر معزولة تحت رحمة النيران الإسرائيلية، تمهيداً لفرض "المنطقة العازلة" التي تسعى إسرائيل إلى تثبيتها كأمر واقع خلف مجرى الليطاني.
هذه العمليات هي نموذج "الخط الأصفر"، الذي صاغه كل من كاتس وسموتريتش، في تطبيق لـ"خطة عمل غزة" على المسرح اللبناني، بحيث يكون الليطاني بمثابة "الحدود الجديدة"، في محاكاة لضم هضبة الجولان.
هذا النهج تجلّى في محاولات السيطرة على قلعة شمع، وهي قمة إستراتيجية توفر للجيش الإسرائيلي مراقبةً مباشرةً و"سيطرةً ناريةً" على السهل الساحلي جنوب صور. ومن خلال الهيمنة على هذه المرتفعات، يحوّل الجيش الإسرائيلي الطريق الساحلي فعلياً إلى منطقة قتل، مما يعطل قدرة حزب الله على تعزيز وحداته الغربية.
كما يشير موقع "نموش" الإسرائيلي في تغطياته الميدانية، إلى أنّ الجيش يصف القتال في الأيام الأخيرة بأنه أصبح "أكثر التحاماً"؛ فعلى سبيل المثال، اشتبكت وحدة الاستطلاع التابعة لواء ناحال مؤخراً في قتال من قرب داخل المناطق المبنية، بينما سيطرت وحدات أخرى على "الموقع البريطاني" (الموقع 107) على تلة العويضة الإستراتيجية للإشراف على تحركات القوات الأوسع.
هذه العمليات هي تحديداً نموذج "الخط الأصفر"، الذي صاغه وزير الجيش إسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وهو تطبيق مباشر لـ"خطة عمل غزة" على المسرح اللبناني، لكن بعد تطويرها بالدروس المستفادة ميدانياً. وقد صرّح كاتس بأنه سيُمنع ما بين 600،000 إلى 1،000،000 نازح لبناني من العودة إلى المناطق الحدودية، بينما دعا سموتريتش إلى أنّ يكون الليطاني بمثابة "الحدود الجديدة"، في محاكاة لضم هضبة الجولان.
بهذا الوضوح، تعلن إسرائيل عن خطط تقوم على انتهاك القوانين الدولية وترسيم الحدود المعترف به عالمياً، حيث تتجلى النية الإستراتيجية في التدمير الممنهج للبنية التحتية لمنع قابلية المنطقة للحياة مستقبلاً كـ"منصة انطلاق لحزب الله" كما تصفها الصحافة الإسرائيلية، وفي تجاهل تامّ لوجود المدنيين والقرى المأهولة.
فقد صدرت أوامر للجيش الإسرائيلي، للتمهيد للخطة القادمة بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني، ما يعزل الجنوب فعلياً عن الدولة اللبنانية. ومن خلال تسوية ما تُسمّى وفق التعابير العسكرية الإسرائيلية بـ"قرى الانطلاق" مثل كفركلا، بالأرض، هكذا تستخدم إسرائيل نموذجَي "رفح وبيت حانون" لإنشاء منطقة محظورة خالية من السكان.
يخدم هذا هدفاً مزدوجاً: إزالة ما تسمّيها إسرائيل "الدروع البشرية المدنية" والتي تقول إنّ حزب الله يستخدمها، والمقصود هنا المدنيون من سكان القرى، وتسهيل سيطرة عسكرية متحركة على الحدود. وخلافاً للمواقع الثابتة والضعيفة لـ"الشريط الأمني" قبل عام 2000، تعتمد نسخة 2026 هذه على المحو المكاني التام لضمان "الأمن الإسرائيلي" على المدى الطويل.
وبعيداً عن "إعادة تسمية" جرائم الحرب الإسرائيلية بعناوين عسكرية، يمثّل هذا الهجوم أزمةً اجتماعيةً وقانونيةً تحوّلية. فبينما يتوغل الجيش في الجنوب، يصطدم بشكل متزايد بالمعايير القانونية الدولية والتوازنات الطائفية المحلية الدقيقة.
القانون الدولي والقواعد الآمرة
في حين ترى هيئات قانونية مثل "المفكرة القانونية" ومنظمة "داون"، أنّ خطة تدمير البلدات ومنع العودة تنتهك المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة و"حق تقرير المصير"، تحاول إسرائيل إعادة تعريف "الضرورة الدفاعية" لتشمل التغيير الإقليمي الدائم، وهي خطوة تتحدى القواعد الآمرة للنظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية في ما يتعلق بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
برغم القدرات الإسرائيلية، تتضح قدرة استمرارية الوحدات التكتيكية لحزب الله في المعارك الأخيرة في بيت ليف، حيث قُتل أربعة جنود إسرائيليين في مواجهة واحدة، مما يبرز المخاطر العالية للعمليات العسكرية من منزل إلى منزل بحسب المواقع الإسرائيلية.
في الوقت ذاته، تواجه عمليات حفظ السلام "ترهيباً غير مقبول"، وتحديداً تجاه قوات حفظ السلام الفرنسية كما أوردت "لوريون لوجور". ويشير هذا التدهور إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يتعمد تجاوز المراقبين الدبلوماسيين لإنشاء نظام أمني أحادي الجانب.
وفقاً لما ورد في موقع المفكرة القانونية، فبينما حظرت بيروت تقنياً أنشطة حزب الله العسكرية، إلا أنها تفتقر إلى سلطة التنفيذ لنزع سلاح المجموعة، لذا تستغل إسرائيل هذا الفراغ القانوني من خلال التعامل مع جنوب لبنان ليس كأرض دولة سيادية، بل كفضاء يحكمه فاعل غير قانوني، والمقصود هنا الحزب، ما يسمح للجيش الإسرائيلي بتطبيق "نموذج غزة" للتدمير الشامل للبنية التحتية تحت غطاء مكافحة الإرهاب أمام العالم.
وهنا تصل القراءات إلى تقدير قدرة حزب الله على وضع حد لهذه الخطة، أو هذه الخطط. تقول يديعوت أحرنوت: "على الرغم من قطع رأس قيادته الإستراتيجية، وأسر وحدات من نخبة الرضوان، يُظهر حزب الله هيكل قيادة وسيطرةً مرنةً ولامركزية. ومع ذلك، تتعرض المنظمة للضغط من خلال إستراتيجية مزدوجة المسار تشمل الاستنزاف العسكري والحرب الاقتصادية.
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، انخفض مخزون حزب الله من الصواريخ إلى ما يقدَّر بـ8،000-10،000 قذيفة، بعد أن كان 40،000 قبل الحرب، بينما يحتفظ بنحو 300-400 منصة إطلاق متنقلة. لكن استرجاع هذه القدرة يبدو أصعب من أي وقت، بعدما وسّع الجيش الإسرائيلي قائمة أهدافه لتشمل مؤسسة القرض الحسن ومحطات الوقود، بهدف قطع شريان الحياة المالي واللوجستي المحلي لحزب الله.
ومع هذا، تتضح قدرة استمرارية الوحدات التكتيكية لحزب الله في المعارك الأخيرة في بيت ليف، حيث قُتل أربعة جنود إسرائيليين في مواجهة واحدة، مما يبرز المخاطر العالية للعمليات العسكرية من منزل إلى منزل بحسب المواقع الإسرائيلية.
يديعوت أحرنوت ترى أنّ "الانفصال شبه الكامل" بين حزب الله ورعاته الإيرانيين هو أكبر نقطة ضعف له حالياً، "وبينما يمكن لحزب الله الصمود في حرب استنزاف لمدة تتراوح بين شهر وشهرين بمعدلات إطلاق النار الحالية، فإنّ التدمير الممنهج لبنيته التحتية الأمامية في قرى الخط الأول يهدّد وجوده ككيان عسكري متماسك في الجنوب". أما إذاعة الجيش الإسرائيلي فترى أنه من دون القدرة على إعادة التسلّح عبر الممرات السورية والإيرانية، قد تتحول "استمرارية" حزب الله في النهاية إلى تراجع نهائي نحو تمرّد محلي غير منسق.
توقعات
برغم أنّ الهجوم البري الحالي، وقبيل تنفيذ الخطة التي ستعرُض الأسبوع القادم على المستوى السياسي، حقّق أهدافاً كثيرةً، لكنها في المجمل "أهداف مادية". أما الغايات الإستراتيجية والخسائر السياسية لإسرائيل فتظلّ في حالة جدل شديد.
ترى القناة 13 أنّه يمكن للجيش الإسرائيلي على الأرجح دفع الوجود المادي لحزب الله إلى شمال الليطاني، لكن كبار المسؤولين الدفاعيين في إسرائيل يعترفون بأنّ نزع السلاح الكامل غير قابل للتحقيق ضمن هذا التفويض، ويتطلب قتالاً "من منزل إلى منزل" في جميع أنحاء الداخل اللبناني، وهو "ثمن لم تأذن به الحكومة الإسرائيلية بعد".
في الوقت ذاته، يوجد انقسام واضح داخل المؤسسة الإسرائيلية؛ إذ صرّح السفير الإسرائيلي في ألمانيا رون بروسور، علانيةً بأنّ إسرائيل لا تخطط لـ"احتلال دائم"، ومع ذلك فإنّ خطابَي سموتريتش وكاتس، مقرونَين بمشاريع الهدم في "الخط الأصفر"، يشيران إلى "شريط أمني" طويل الأمد يهدف إلى إعادة رسم الخريطة.
باختصار، قد تنجح حملة 2026 في إرساء هندسة أمنية جديدة من خلال التغيير الإقليمي. ومع ذلك، فإنّ بقاء حزب الله كقوة لامركزية والتحديات القانونية المتزايدة لتطبيق "خطة عمل غزة" في لبنان تشير إلى أنّه بينما تتحرّك الحدود، فإنّ الصراع لا يزال بعيداً عن حلّ مستدام.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
