في أزمان قديمة، أي قبل انتشار منظومة التعليم الأمريكية وقبل أن تغزو جزءاً كبيراً من العالم، كانت صيغة الأسئلة في الامتحانات المدرسية تركّز على الشرح، أو تعداد النقاط، أو ذكر السبب. كان السؤال يبدأ مثلاً بكلمة "اذكر" أو "عدّد" أو "اشرح"، بالإضافة إلى الأسئلة التي تمتحن قدرة الطالب على التحليل من قبيل: لماذا غزا نابليون مصر؟، ما سبب سقوط محمد عن الشجرة؟، كيف يمكن صناعة أداة موسيقية باستخدام ذيل الحصان أو أي حيوان موجود في البيت؟
جاء النظام التعليمي الأمريكي القائم على الخيارات، وصارت الامتحانات المدرسية تعتمد على أسئلة على شاكلة "ضع دائرة حول الإجابة الصحيحة" أو "املأ الفراغ بالكلمة المناسبة". قد يحتج قارئ بأن هذا الشكل من الأسئلة بدأ مع بداية "التعليم الجماهيري" في العالم، أي تعميم التعليم الوطني على الناس وعدم اقتصاره على النُخب القادرة، وأن هذه الطريقة ابتُكرت لتسهيل تصحيح الامتحانات حين تشمل عدداً كبيراً من التلاميذ والطلاب، وهذا صحيح نسبياً. لكن الدور الأمريكي في تبنّي هذا الشكل وتعميمه لا يمكن إنكاره.
نحن شعوب تم تلقينها، عبر سنوات طويلة، كل شيء تقريباً، من المعلومة إلى طريقة صياغة السؤال إلى الإجابة النموذجية، وصولاً إلى ردة الفعل تجاه ما نظنه خطأً أو صواباً. ولا عجب، إذاً، أن يترك لنا شخص مخبول مثل ترامب فراغات كثيرة سنتعب في ملئها
بكل تأكيد يمكننا النظر إلى هذا النظام كإحدى محطات تطوّر التعليم عموماً، وأساليبه المتغيّرة التي تفرضها المادة التعليمية ذاتها. أقصد بذلك أن طريقة التعليم في زمن الكتاتيب، والتي كانت مادتها الأساسية هي تلاوة القرآن الكريم، أو حفظ معلَّقة طرفة بن العبد، لا تتطلّب من المُمتحِن أن يستخدم أسلوب ضع دائرة حول الآية الصحيحة، بينما تعليم اللوغاريتمات والتفاضُل والتكامل يستدعي طريقة تكون فيها النتيجة النهائية هي المعيار، دون لف ودوران أو لت وعجن.
ليكن ذلك، لكن هذا لا يعفينا من محاولة تفكيك هذه الطريقة في التعليم، وتبيان قدرتها على التأثير في معنى المعرفة ذاتها، وما قد يتبع ذلك من فهم للحرية والسلطة وقدرة طرف على التحكّم بطرف آخر، وقدرة الخطاب على أن يحلّ محل العمل، وأن يُشعر أصحابه بالرضا، وأحياناً بالتفوّق، وأن يُعميهم عن واقعهم المزري أو ذهابهم كقطيع إلى الهاوية مبتسمين سعداء.
على أية حال، ما أريد قوله هو إن الولايات المتحدة الأمريكية فرضت أسلوباً جديداً للتعليم ولقياس المعرفة في العالم، أطلق عليه المفكر والتربوي البرازيلي باولو فريري مصطلح "التعليم البنكي"، ما يعني أن المعلّم يودع المعلومات في دماغ الطالب، والطالب يخزّنها، من دون أن يشارك لا في صناعتها ولا في طريقة الوصول إليها. وليس مطلوباً من الطالب -في هذا النظام- لحظة الامتحان إلا أن يكون جاهزاً لاستخراج إجابة نموذجية تصلح للسؤال المطروح عليه.
لا ألمّح إلى أن أمريكا ليس لديها إلا هذا الأسلوب من التعليم، بل أرى أننا -نحن العرب- استسهلنا هذا الأسلوب وأحببناه، وتعاملنا معه بمنطق "كل شيء من الغريب حلو" إلى أن صار أداة أساسية من أدوات تشكيل تفكيرنا العلمي والثقافي والسياسي.
لنأخذ صيغة "ضع دائرة حول الإجابة الصحيحة" وسنكتشف كيف يتحوّل الوعي خلالها إلى عملية تطابق مع إحدى الحقائق التي قرّرها شخص آخر، بعيداً من أن يكون هذا الوعي عملية اكتشاف لحقيقة يقرّرها صاحب الوعي نفسه. شخص آخر، وهو هنا صاحب السلطة، يحدّد سلفاً "الإجابة الصحيحة"، وفوق ذلك يحدّد لك مدى حريتك في الحركة بين الخيارات الخاطئة التي يضعها حتى تتطابق مع "الصحيح" من منظورهِ هو، فيمنحك حينها فقط علامة ممتاز.
أنت ممتاز من وجهة نظره، لأنك استطعت الاقتراب من النموذج المُعتمد للإجابة الصحيحة التي قرّرها هو. وأنت ممتاز من وجهة نظرك كذلك، وتستطيع الادعاء أنك حُرّ وقادر على الاختيار. فما هي الحرية، في نهاية المطاف، سوى القدرة على اتخاذ قرار بارتداء القميص الأزرق وترك الأحمر والأبيض داخل خزانتك. لكن الله وحده يعلم ما يمكن أن يحلّ بك لو فكّرت، مجرد تفكير، أن تنظر إلى محتويات خزانة أخرى، أي أن تفكّر خارج هذا الصندوق المُسمى خزانة.
في الصندوق الخاص بك، أو الذي فصّله لك النجار الأمريكي، وباعك إياه مع ربطة عنقك وجوربك ومضاداتك الحيوية وهاتفك وحفاضة ابنك وقفل بيتك، يوجد إجابات محدّدة تدرّب عليها وعيك الاستهلاكي، الذي لم يجرّب أن يصنع حفّاضة.
ومن ضمن هذه الإجابات التي تتقلَّص وتقلِّصكَ إلى حدود ضيّقة، تستطيع أن تختار واحدة تصلح لسؤال على غرار: كيف خرجت إيران من الحرب… منتصرة؟ مهزومة؟ أقوى؟ أضعف؟
هيَّا ضع دائرة أيها المهزوم منذ أن قرّر الآخرون أن أرضك أنت وجدران منزلك أنت هي ساحة الحرب. إن لم يعجبك السؤال ستغيره لك منظومة التعليم السهلة التي تماهيتَ معها وأحببتها، وسوف تصوغه لك بطريقة تجعل سقف حريتك أعلى بمسافة ذراع. املأ الفراغ بالكلمة أو الجملة المناسبة: لقد قرّر ترامب وقف الهجمات على إيران لمدة أسبوعين وذلك بسبب…
انظر إلى هذا الفراغ كم هو صغير؟ لكن احتمالات ملئه كبيرة جداً وتستطيع أن توسّع حدود حريتك إلى ما لا نهاية كما تظنّ. لكن هذه اللانهاية التي تظنّها مفتوحة أمامك ليست أكثر من ذراع قرّره لك السؤال نفسه. هل تستطيع مثلاً أن تعيد صياغة السؤال ليصبح: لقد قرّرت إيران وقف مهاجمة أمريكا لمدة أسبوعين وذلك بسبب…؟
تخيّل معي تلميذاً لم تعجبه أسئلة الامتحان وقرّر أن يغيّرها بدلاً من أن يجيب عنها. وتخيّل أن قراره هذا نابع من عدم صحة السؤال وليس من عدم قدرة على الإجابة عليه، أو من إحساسه بأن السؤال بحد ذاته مهين لقدراته العقلية ومستوى وعيه، وتالياً فإن إجابته مهما كانت ستكرّس هذه الإهانة. ماذا ستكون ردة فعل المدرّس في وقتها؟ اللعنة على المدرّس وعلى كل نظام الامتحانات، لأن من يشعر بالإهانة من سؤال، يكون هو المؤهّل بأن يسأل لا من تُطلب منه الإجابة.
الناجح في الامتحان في نهاية الفصل، أو في نهاية الحرب، ليس هو من نجح على أرض الواقع، بل من قدّم خطاباً مزيّناً بمفردات لا يأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها، ومن يملك المهارة اللغوية لصياغة انتصار جديد يُضاف إلى قائمة انتصاراتنا الطويلة
لكن التلميذ أمام فراغ فُرض عليه ولا بد له من ملئه بالكلمة المناسبة، وهذا لن يحدث إن لم يفكّر بطريقة "مقبولة" يستطيع من خلالها استخراج ما لُقِّن به مُسبقاً. ونحن شعوب تم تلقينها، عبر سنوات طويلة، كل شيء تقريباً، من المعلومة إلى طريقة صياغة السؤال إلى الإجابة النموذجية، وصولاً إلى ردة الفعل تجاه ما نظنه خطأً أو صواباً.
ولا عجب إذاً أن يترك لنا شخص مخبول مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو أشخاص آخرين غير مخبولين، قبله أو بعده -لأن مشاكلنا لم تبدأ مع ترامب ولن تنتهي برحيله على كل حال- أن يترك/يتركوا لنا فراغات كثيرة سنتعب في ملئها بإجابات لا تتغيّر حتى لو تغيّرت البيئة والظروف المحيطة بالسؤال.
وحين لا نجد الكلمة المناسبة لملء فراغ ما، أو نخجل من كتابتها بأحرف جريئة، فإننا نذهب لملئه بالخطاب. والناجح في الامتحان في نهاية الفصل، أو في نهاية الحرب، ليس هو من نجح على أرض الواقع، بل من قدّم خطاباً مزيّناً بمفردات لا يأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها، ومن يملك المهارة اللغوية لصياغة انتصار جديد يُضاف إلى قائمة انتصاراتنا الطويلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
