انتهت ثورة "شينهاي" بالإطاحة بآخر أباطرة الصين وإنهاء حقبة السلالات الملكية مع نهاية العقد الأول من القرن العشرين، ليعلن يوان شيكاي، نفسه الحاكم الأول والأوحد لجمهورية الصين الوليدة، ويتحول إلى ديكتاتورها بحكم الأمر الواقع، فتأجّل حساب الدم والفوضى المتراكم على مدار العقود إلى يوم وفاته بعد خمسة أعوام من ثورة 1911.
نحن الآن نقف أمام رحيل ديكتاتور ترك خلفه فراغاً سياسياً وأمنياً رهيباً، وفجّر غيابه جروحاً اجتماعيةً لم تلتئم بعد، وفتح باب الأسئلة السياسية المؤجلة على مصراعيه لتدخل الجمهورية الصينية الجديدة وفق هذه المعطيات في فصل دموي من الحروب الأهلية المتواصلة نتيجة تشرذم البلاد بين قيادات الفصائل العسكرية المتنافسة والمتناحرة على السلطة.
في هذه الظروف العاصفة، وفي ظلّ انشطار وتشظي القوى المهيمنة إلى كانتونات عسكرية مسلحة، تصاعد نفوذ القادة العسكريين وزعماء الميليشيات بصفتهم الحكّام الفعليين على الأرض في ظلّ انهيار دور الحكومة المركزية، وهو ما منح هذه القوى المتفرقة سلطةً مستقلةً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، عزّزوها بالتوسع في استخدام العنف المفرط ضد المدنيين لتمكين نفوذهم.
ضمن هذه المعطيات، تمّ نحت واحد من أهم المصطلحات السياسية والعسكرية المستخدمة في يومنا الحاضر وهو "أمراء الحرب"، المصطلح الذي لن يقف عند حدود الصين بل سيعبرها إلى العالمية كمصطلح سياسي عسكري تم اقتطاعه من تلك الحقبة الدموية من تاريخ الصين، والتي وُسمت على اسم اسياد الموت الذين طغوا فيها فكان "عصر أمراء الحرب".
منح المفهوم أبعاداً جديدةً
ولأننا وُلدنا في منطقة تمتهن صناعة الموت وتحترفه، لم نكتفِ باستيراد المفهوم بل عملنا على توطينه وتعريبه وتطويره ومنحه أبعاداً جديدةً حتى بات جزءاً من هوية الإنسان والمكان.
وفي مرحلة ما، ومن فرط الجنون بالمصطلح، تنازعت الأيديولوجيات على امتلاك المفهوم من خلال ممارسته بكل ما يحمله من جنون ونجحوا بامتياز في تحقيق مقاصده حتى صار "الي ما عنده أمير حرب يشتريلو واحد"، فشاهدنا النموذج مثلاً في الحرب الأهلية اللبنانية، وفي اقتتال الفصائل في ما بينها.
مصطلح "أمراء الحرب" لن يقف عند حدود الصين، بل سيعبرها إلى العالمية كمصطلح سياسي عسكري تم اقتطاعه من حقبة دموية من تاريخ تلك البلاد، والتي وُسمت على إسم أسياد الموت الذين طغوا فيها
وعلى الرغم مما ظهر من فنون وقرابين يسارية لحيازة الوكالة الخاصة بالمصطلح الذي سحر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أنه يسجّل لمنظومات الإسلام السياسي وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين قدرتها الاحترافية على توظيف كل حرف في المصطلح حتى استحقت ملكيته؛ عشرية سوداء في الجزائر، تقسيم السودان بحد السيف، إرهاب سيناء الذي كاد أن يبتلع مصر كلها، إرهاب حركة الشباب في الصومال، والحرب الأهلية في ليبيا، وقوفاً على مجازر العراق ومجاعة اليمن المقبلة، وصولاً إلى عرش سوريا الأموي كما يحلو لهم وصفه.
الفنية العسكرية
تاريخ دموي يليق بترقيتهم لأباطرة حرب لا أمراء. تاريخ لم يكن يعلم من ضغط الزناد على صليته الأولى في حادثة تنظيم الفنية العسكرية، أين ستستقر رصاصته.
والفنية العسكرية حادثة استوحى منها مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي كل ما تراه حولك اليوم من مشاهد الدم. وللاختصار، تعود الحبكة إلى يوم 18/4/1974 حين نجح التيار الإسلامي في مصر في تجنيد بعض طلاب الكلية الفنية العسكرية وإقناعهم بتنفيذ مخطط الهجوم على حرّاس بوابة الكلية وحرّاس مستودع الأسلحة، بهدف السيطرة على الكلية والاستيلاء على الأسلحة الموجودة فيها لمهاجمة مقر اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، واحتجاز الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وإجباره على التنازل عن الحكم، وإعلان قيام حكم إسلامي فى مصر.
"قلب الدين حكمتيار"... اسم مألوف للجيل الذي أُجبر على سماع أخبار أفغانستان وأمراء حربها باعتبارهم جزءاً من معركة الأمة الإسلامية ضد رأس الكفر الشيوعي وجيشه الأحمر.
من الواضح أنه مخطط حالم وكبير وبالتأكيد فشلت العملية في غايتها مع أنها خلّفت ما يقارب عشرين قتيلاً وسبعين جريحاً، ولكن يكمن سرّ قوة الحادثة في السؤال الأخطر الذي استوحاه بريجنسكي منها :ماذا لو توسعنا بالفكرة ذاتها من خلال إمداد تنظيمات الإسلام السياسي بالسلاح والتدريب والتوجيه على مستوى دولي؟
هكذا وُلدت عملية الإعصار (Operation Cyclone) وهو الاسم الرمزي لبرنامج وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لتسليح وتمويل الإرهابيين من تنظيمات الإسلام السياسي في أفغانستان من عام 1979 إلى عام 1989.هذه العملية أنتجت أكبر كم من أمراء الحرب، وعلى مدى أجيال تسلّم الراية لبعضها دون كلل وبالحماس نفسها التي ظهرت على إرهابيي القاعدة الأولى. ولكن كيف ظهرت القاعدة الأولى؟
القاعدة وأخواتها
يقول نبيل نعيم، مؤسس تنظيم الجهاد السابق في مصر وأحد أبرز القياديين السابقين في الجماعات الجهادية قبل مراجعة أفكاره، في لقاء متلفز، أنّ سبب وسم تنظيم بن لادن الإرهابي المعروف باسم "القاعدة" بهذا الاسم يعود لأحداث نشوب صراعات دموية بين المهاجرين العرب ورفاقهم أصحاب الأرض الأفغان، وذلك بعد شحنهم ضمن مشروع سايكلون.
وبسبب اختلاف الثقافات، اصطدم المتشدّدون العرب بعادات الأفغان الدينية، فرفض المجنّدون العرب ما يمارسه المقاتلون الأفغان من طقوس وصفوها بالشرك والوثنية بحسب تعليم العرب الديني، سلوكيات من مثل لبس التمائم التي يعلّقونها أو تردّدهم على المقامات، هو ما دفع الإرهابيين العرب إلى تكفير زملائهم الإرهابيين الأفغان الذين يمارسون عادات فيها شرك بالله بحسب النصوص التي تتلمذوا عليها في المدارس، وهي النصوص ذاتها التي جلبتهم للموت في أفغانستان، وتالياً إن لم ينصَع الأفغان للنصح ويوقفوا سلوكياتهم "الشركية" فإن ذلك العناد بتكرار ممارسة هذه الطقوس والشعائر يمنح العرب تشريع قتلهم.
هذه الصدامات التي أدت إلى اقتتالٍ بين أبناء الميليشيا الواحدة، دفعت لاتخاذ قرار عاجل ينصّ على فصل ما يسمّى المجاهدين العرب في قاعدة تدريبية مستقلّة عن بقية الفصائل، وهكذا كان.
يسجّل للإسلام السياسي قدرته على توظيف كل حرف في المصطلح حتى استحق ملكيته؛ عشرية سوداء في الجزائر، تقسيم السودان بحد السيف، إرهاب سيناء الذي كاد أن يبتلع مصر كلها، إرهاب حركة الشباب في الصومال، والحرب الأهلية في ليبيا، وقوفاً على مجازر العراق ومجاعة اليمن المقبلة، وصولاً إلى عرش سوريا الأموي
بعد ذلك صار القادمون الجدد من العرب الطامحين إلى شرف الانضمام إلى جيوش الجهاد المقدس ضد الروس الكفرة، بحسب أدبيات الثوار في حينه، يقابلهم لحظة وصولهم إلى المطار سائقو سيارات الأجرة الذين يميّزون ملامحهم العربية بسهولة بسؤال: هل تودّ الذهاب إلى القاعدة؟ والمقصود طبعاً القاعدة التي جُمع فيها المقاتلون العرب. وهكذا تمّ نحت أهم مصطلحات عصر الإرهاب الذي لا نزال في المنطقة نجترّ منتجاته المعاد تدويرها إلى يومنا هذا وهو "القاعدة".
حكمتيار
صحيح أنّ واجهة التنظيم الإرهابي الأخطر ستؤول إدارتها للثنائي العربي الأكثر شهرةً في هذا المجال، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، إلا أنّ مسؤولية إدارة عمليات التمويل المالي والدعم اللوجستي كانت في يد رجل عابر للمؤامرات، وفي الوقت ذاته شكَّل بوابة الدخول الرئيسية لتنظيم الإخوان المسلمين في أفغانستان من خلال تأسيسه واحداً من أخطر أذرع تنظيم الإخوان الدولي في بلاده عبر ما سيُعرف بالحزب الإسلامي الأفغاني بعد انشقاقه عن منظمة الشبان المسلمين. وهنا نتحدث عن "قلب الدين حكمتيار"، وهو اسم مألوف للجيل الذي أُجبر على سماع أخبار أفغانستان وأمراء حربها باعتبارهم جزءاً من معركة الأمة الإسلامية ضد رأس الكفر الشيوعي وجيشه الأحمر.
الرجل كما أشرنا أسّس وتزعّم "الحزب الإسلامي الأفغاني"، وهو أحد فصائل الإخوان المسلمين المنثورة في العالم التي زرعت في أفغانستان بدءاً من عام 1975، وكان الرجل يُعرف بين أتباعه بالمهندس مع أنه لم يكمل دراسته التي بدأها في جامعة كابول، ولكنه قام بهندسة معظم شخوص الروايات الإرهابية التي تتصدر الحبكة في كل فصل نطويه في هذا المجال منذ تبنيه هو وجماعته لحظة بدء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979، حيث فتحت الولايات المتحدة ووسطائها مثل المخابرات الباكستانية، خزائن التمويل والتسليح على مصراعيها أمام "مقاتلي الحرية"، وهو الاسم الحركي الذي أطلقه الرئيس الأمريكي "ريغان" على هذه الأدوات الملتحية في حينه، ضمن البروباغندا الإعلامية التي قامت برعايتهم وتسمينهم في خضم حرب الوكالة بين المعسكر الشرقي والغربي، وهي حرب حضر فيها مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي بنفسه، وهبط بطائرته المروحية والتفّ حوله ما تيسر من المقاتلين الأفغان، وألقى فيهم خطبةً حماسيةً للقتال ضدّ الكفّار السوفيات، أكد فيها لهم أنّهم "جنود الله" وهذا الأمر يعني وجوب مضاعفة جهودهم.
المشهد مصوّر ومنشور على كثير من المواقع الإلكترونية، ويمكن الوصول إليه بسهولة؛ يرفع بريجنسكي يده ويشير بسبابته نحو أفغانستان باعثاً رسالته من خلال المقاتلين المتحلّقين حوله لتشغيل ماكينات التجنيد من دون قيد أو شرط، قائلاً: "إنّ الأرض هناك هي أرضكم، وستعودون إليها وإلى مساجدكم، إن دعوتكم مُحقّة، وإن الله معكم".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
