"حين أبحث عن بغداد في وجوه الرجال"... عن الحب في الغربة

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الأربعاء 8 أبريل 20265 دقائق للقراءة

أهيَ الصفعة أقوى أم كلماته ورائحته؟ ها إن صوته يمتزج برائحة الياسمين التي تفوح منه قائلاً: "لا أريد علاقة رومانسية معك"، لتتسارع دقات قلبي حد الانفجار الداخلي. لحظات تعايش فيها عقلي المنصدم من قسوة الكلمات وأحشائي المتهيجة من ذكريات حبه ووعوده داخل قشرة هشة من الجلد المرتعش. لحظة أعادتني إلى أول لقاء لنا، حين غازلني صوته العميق الممتزج بياسمين عطره ليفجر قلبي ويرعش جلدي يومها أيضاً. تفاعلات كيميائية كان وقودها حينذاك الدوبامين والأمل، لا الكورتيزول والألم.

روائح الذكريات

تركت بعدها بأيام قليلة بيتي في برلين لزيارة أثينا. تمنيت أن يلهيني تغيير المكان والانخراط بمشروع فني في مدينة جديدة عن وجع القلب. استقبلتني في صباح أول يوم لي هناك زهيرات أشجار البرتقال في الشوارع. رمتني الرائحة إلى باحة بيت جيران الطفولة في حي الخضراء في بغداد وبين أحضانه في آن واحد. ربط عقلي روائح الذكريات. أتعلقت به لتعلقي بذكرى وطن أحن إليه منذ عقود؟

حين يتعلّق الأمر ببناء علاقاتٍ عاطفية مستدامة مع الرجال، أجد نفسي مراراً أمام الخيار ذاته: إمّا رجل غربي قادر على أن يمنحني الثبات والاستقرار الذي أبحث عنه، أو رجل عربي يشعل في داخلي الشغف والذاكرة وألفة وطنٍ أشتاق للعودة إليه بينما هو مثقل بتصدّعات وانكسارات وترسبات ذلك الوطن في داخله

ربما لم أدرك إلى الآن أنني طوال حياتي خائفة أن أصبح كالمدينة التي ولدت فيها. مدينةٌ يستباح احتراقها واستهلاكها مراراً وتكراراً دون مساءلة، ومع ذلك تُشتهى لصورتها وتُعشق في القصائد. يُنتظر منها أن تبقى أبدية التحمل والعطاء كأشجار النخيل. التعب والاستسلام ليسا خياراً لها. مدينةٌ تبهر زوّارها بما يبدو لهم متناقضاً من سمات لا يفترضون وجودها في مكان واحد، مما يجعل الافتتان بها سهلاً من الخارج ولكن يدفع من يحاول العيش فيها إلى الهجرة.

علاقات عاطفية… بين الاستقرار والشغف

لقد كنتُ بالفعل تلك المدينة طوال الوقت. لم تكن رؤيتي والاعتراف بإنجازاتي يوماً هي التحدّي—سواء في حصولي على منحٍ أكاديمية في أتلانتا، أو عملي مع شركاتٍ مرموقة في سياتل ووادي سيليكون، أو تولّي منصب أستاذة مشاركة في برلين، أو إدارة برامج تعليمية في عمّان والخليل وبيروت والقاهرة، أو وقوفي على خشبة المسرح في عروضٍ موسيقية ومسرحية إلى جانب مساري المهني. حتى نظرتي غير التقليدية للحب والعلاقات تُستقبل في كثير من الأحيان كمصدر إلهام. لكن حين يتعلّق الأمر ببناء علاقاتٍ عاطفية مستدامة مع الرجال، أجد نفسي مراراً أمام الخيار ذاته: إمّا رجل غربي قادر على أن يمنحني الثبات والاستقرار الذي أبحث عنه، أو رجل عربي يشعل في داخلي الشغف والذاكرة وألفة وطنٍ أشتاق للعودة إليه بينما هو مثقل بتصدّعات وانكسارات وترسبات ذلك الوطن في داخله، إلى حدّ يعجزه من أن يبني وطناً جديداً مع امرأة تشاركه جوانبه المختلفة، حتى لو أوهم نفسه وأوهمها لوهلة بأنها تجسد كل ما يبحث عنه في بلاد الغربة.

ارتبطتُ طويلاً برجلٍ ألماني، عشتُ معه أعواماً من الأمان والراحة والمحبة التي شفت كثيراً من جروح الماضي، وأثبتت لي أنني امرأة تستحق حباً ثابتاً وتقديراً لكل جوانبها من دون نزاع أو تبرير.

محاولة الوصول إلى بر أمان

لكن منذ انتهاء تلك العلاقة، والذي تزامن مع الإبادة في فلسطين، والحروب المتلاحقة في بلادنا، وما رافقها من صعود في مشاعر بالعنصرية وعدم الانتماء في الغرب، أجد نفسي من جديد في ذات المكان العاطفي المألوف المرارة، ممزقةً بين تناقضات لا يهدّئها منطق: من ناحية، الحنين إلى وطن معطر مزدهر وحاجتي إلى حب ثابت ومألوف أقوى من أي وقت مضى، ومن ناحيةٍ أخرى، يبدو وكأن الرجال العرب في الغربة يفرّون باستمرار من ذواتهم، بحثاً عن الأمان والحرية التي تفتقدها أوطاننا في كل شيء إلا في امرأة، أو ربما امرأة مثلي أنا تحديداً؟ هل تقلقه معرفتي لما أريد وهو ضائع في تحديد رغباته ومعرفة نفسه؟ هل تذكره مسيرة حياتي بإنجازات لم يحققها؟ هل يشك بتقبلي له كما هو، وهو سراً غير متصالح مع نفسه؟ هل يخاف من الفشل في علاقة معي تحسباً لمشاعر الذنب والعجز الي قد تتزايد داخله في حال لم يكن كافياً؟ هل يُسقط ألم فشله في إنقاذ وطنه وأحبائه على فشل علاقة مستقبلية، فينهيها مبكراً؟ هل لو كنت أنا أقل، لوجدت الحب الذي أبحث عنه؟

"ربما لم يكن بحثي عن الحب يوماً منفصلاً عن بحثي عن الوطن، عن طفولةٍ ضائعة، عن إحساسٍ قديم بالانتماء. ربما كنت، دون أن أدرك، أبحث عن بغداد في وجوه الرجال، في أصواتهم، في روائحهم"

هذه الأسئلة لا تخطر لي مع الرجل الغربي، ولكنني أرفض التشكيك بنفسي أو الدخول في دوامات التحليل أو الانغماس بألعاب الشدّ والرخي في محاولة الوصول إلى بر أمان ينطق بلغتي.

ربما لم يكن بحثي عن الحب يوماً منفصلاً عن بحثي عن الوطن، عن طفولةٍ ضائعة، عن إحساسٍ قديم بالانتماء. ربما كنت، دون أن أدرك، أبحث عن بغداد في وجوه الرجال، في أصواتهم، في روائحهم.

ما زلت عنيدة، كبغداد، بدفئها وصمودها رغم الصفعات. لكن ربما حان وقت تقبّل أن الوطن الذي أبحث عنه ليس له وجود. غالباً ما بحثت عن وطن آمن في مدنٍ ورجال لأجد أحلاماً متلاشية. فربما خليط روائح تلك الأزهار البيضاء هو عطر الحنين إلى ماضي منكسر وسراب ما لن يأتي.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile