ثمّ تنهّدت وقالت… معارضة

ثمّ تنهّدت وقالت… معارضة "هاي كلاس"

مدونة نحن والحقوق الأساسية نحن والحرية

الجمعة 10 أبريل 20268 دقائق للقراءة

قد يبدو غريباً أن يبدأ مقال "رصين"، يناقش "قضيةً" بحجم بلاد عانت مرارة الحرب والدماء والفقد والاعتقال، بعبارة: "ثمّ تنهّدت وقالت"، على نمط فيديو قصير ترفيهي على منصة "تيكتوك" أو "يوتيوب".

لكن تلك المرأة تنهّدت بالفعل، في يوم خريفي من عام 2011، وقالت لي: "حاصروا الأسد بالدستور والقانون".

فضحكت ساخراً برغم قلّة وعيي السياسي حينها، وصغر عمري الفعلي، وارتفاع قدري الإنساني.

عقب تنهّدها، قالت السيدة الموالية لبشار الأسد، والمؤمنة بنظريات المؤامرة الكونية على سيادته، جملةً ذهبيةً -سبحان الله... خذوا الحكمة من مؤيّدي الأسد: "المعارضة مكانها الشارع لا فيسبوك، ولا المؤتمرات الخارجية. في صبانا، آمننا بالحزب الشيوعي بقيادة 'الخالد أبداً بكداش'. كنا نستيقظ قبل الفلّاح ونقطف محصوله من الأشجار والأرض، وحين يأتي ليبدأ عمله نكون قد انتهينا. وعندما يسأل: من أنتم؟ لا نجيب إلا بأننا من الحزب الشيوعي وأردنا المساعدة"، برغم أنها تدرك أنّ أيّ تجمّع لأكثر من شخصين نتائجه برميل متفجّر وإخفاء وراء الشمس.

إلا لغة الشارع!

ينتهي الدرس السياسي هنا مع تنهيدة السيدة، وينتهى تواصلنا بعدها بأسابيع قليلة. لكن القصة استمرت بالقفز في ذاكرتي كلّما صادفت معارضاً "شرساً" على الشاشات العربية، يبشّر الجماهير الكادحة بسقوط النظام القريب. أستحضر صوت المعارض الثمانيني وهو يقول: "أنا أؤكد لك يا سيدتي أنّ النظام ساقط خلال أيام". والأيام امتدت لأشهر والأشهر لأعوام والأعوام لعقد ونصف، حتى سقط الأسد أخيراً، والرجل الثمانيني المؤدلج والتابع لتيّار سياسي-ديني يلعب على العواطف أكثر من الأفعال، مؤمن بأنه أسقطه وحده!

معارضة الـ"هاي كلاس" السورية قوية ومنتشرة ولها تأثيرها، عبر الـ"سوشال ميديا"، وهو أمر مهم بالتأكيد. ولكن ماذا عن الأرض؟ ماذا عن الشارع؟ عن المواطن البسيط الذي وجد نفسه ضحية صراع امتد لـ"14 عاماً"؟

هذا الرجل له نسخ مختلفة كلّها ثمانينية، حتى لو كان صاحبها في العشرينات أوالثلاثينات أو الأربعينات من عمره، أمّياً أو خرّيج أرقى جامعات العالم. وكل هذه النسخ تشترك فعلياً في أمر واحد، هو أنها معارضة "هاي كلاس"، تعرف كل لغات الأرض بما في ذلك لغة "الردح" عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا لغة الشارع واحتياجاته وهمومه ومشكلاته وكوارثه، وتجيد اللعب على الكلمات كما تلعب أصابع بيتهوفن على البيانو.

معارضة "هاي كلاس"

تسعى قوى المعارضة في أيّ مكان لاستكشاف أخطاء السلطة ومحاولات التحكم والسيطرة وتستغلّ ثغراتها لتضغط عليها، وهذا شكل من أشكال المشاركة في الحياة السياسية. والضلع الأهم على الإطلاق في هذه المعادلة: القوانين والشارع.

وإن كنّا في سوريا (كما في العديد من البلاد في منطقتنا البائسة)، نفتقد القوانين الناظمة للحياة السياسية والأحزاب بشكل حقيقي لا مسرحي، فإنّ الشارع موجود على الأقل.

لا شكّ أنّ تأخّر صدور قانون الأحزاب يعطّل الكثير من المشاريع السياسية، ولكن على الطرف المقابل، فإنّ أطرافاً كثيرةً للأسف تتعامل بالمنطق الاستعلائي نفسه على الشارع. تخاطبه بلغة الـ"فرانكو أراب"، وهو يتحدث العربية الفصحى أكثر من المتنبي. ولا يتردد هؤلاء في استخدام أكثر المصطلحات تعقيداً على الشاشات، أو توجيه لغة السباب والشتائم لمن يخالفهم ونعتهم بأقذع الألفاظ.

معارضة الـ"هاي كلاس" قوية ومنتشرة ولها تأثيرها، عبر الـ"سوشال ميديا"، وهو أمر مهم بالتأكيد. لكن ماذا عن الأرض؟ ماذا عن الشارع؟ عن المواطن البسيط الذي وجد نفسه ضحية صراع امتد لـ"14 عاماً"؟ (نعم لـ14 عاماً عزيزي صاحب ثورة 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024).

وبدلاً من التوجه ومقاومة محاولات السلطة الحالية في سوريا للبقاء إلى الأبد، تنشغل بـ"الشرع جاهل لم يستطع فتح زجاجة مياه… هاهاها".

وبدلاً من التفكير في الدستور المقبل الذي ينتظر بدوره مجلس شعب غير منتخب، وأدوار أخوة الشرع في القصر الجمهوري، ينشغلون بتوافه الأمور.

تخيّل معي أنّ أبا أحمد، أو أبا سعيد، أو أي "أبٍ" في بلادنا الخضراء صاحبة السهول الخصبة والأشجار المثمرة والأنهار الجارية التي تترقرق فيها المياه، يجلس في دكانه الصغير في حارة ضيّقة صغيرة، المطر يهطل في الخارج وتصاحبه حبّات البرَد، وهو يرتجف من البرد، بلا تدفئة ولا كهرباء ولا زبائن، ولا حتى أمل في الغد، يقتله اليأس والملل وانعدام الحلول، ثم يصادف فيديو قصيراً لمعارض يشرح له حقوقه في بلاد لا كرامة له فيها، ويقول:

"عزيزي أبو... إنّ إرهاصات المرحلة الحالية تتطلب منك أن تنظر إلى الشرعية الإنجازية لمن هم خلف المكاتب، خاصةً أنّ العطالة السياسية لا تتحمل مسؤوليتها المعارضة ولسنا نخبويين انفصاليين"!

لا يعني أنّ "أبا..." جاهل، وليست مشكلتي معه وإن كان كذلك. مشكلتي أنّ معارضي اليوم لم يتعلموا من معارضي الأمس، ومعارضي الأمس ممن استمرّوا في المعارضة بعد سقوط الأسد لم يغيّروا نهجهم. من السهل القول اليوم: "نيّال الشرع على معارضينه"، كما قلناها سابقاً عن معارضي الأسد، ولسنا بحاجة إلى دليل لإثبات الكلام.

"سوري أبيض"

ماذا فعلت المعارضة السياسية في سوريا طوال 15 عاماً؛ من المجلس الوطني إلى الائتلاف إلى الحكومة المؤقتة وجيشها "الوطني"؟ وماذا تفعل المعارضة اليوم؟

قبل أن تهاجمني عزيزي معارض "الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر" المجيد، أنا لا أشمل كل المعارضة ولا أطيافها كافة. أنا أحذّر فقط من حالة تنتشر وتتمدّد، ومن قبل أشخاص كان يُفترض أن يعوّل عليهم الشارع لانتزاع أدوارهم في الحياة السياسية

دعوني أخاطبكم بلغتكم أعزّائي: إنّ الخطاب المتبنّى من قبلكم اليوم هو خطاب "سوري أبيض"، بمعنى أنه يتعامل بفوقية تشبه تعامل "الرجل الأبيض المستعمر" تجاه أبناء الشرق الأوسط، سواء في اللغة أو المصطلحات أو المواضيع التي تهتمون بها، دون أن تفكّروا للحظة، فقط للحظة، في مآسي الشعب وأوجاعه وخيباته وهو يرى أرضه يرتع فيها جنود إسرائيليون جنوباً، وثورة تسرق وتحدد سردياتها من قبل "شبيحة العهد الجديد"، وخدمات متردّية إلى الحدّ اللاإنساني ويعرف تماماً مدى عجزه تجاه ذلك.

في كتابه "معذّبو الأرض"، يقول فرانز فانون (1925-1961)، "إنّ البرجوازية الوطنية في البلدان المتخلفة لا تتجه نحو الإنتاج، ولا نحو الابتكار، ولا نحو البناء، ولا نحو العمل؛ إنها تنفق كل وقتها في دور الوسيط. وكأنّ كونها 'وسيطاً' هو جوهر وجودها. إنّ هذه البرجوازية لها عقلية 'الوكيل التجاري' (Commission Agent)، وهي تكتفي بالاتصال بين البلاد وبين رأسماليةٍ خارجيةٍ تضع عليها قناعاً... إنها تتقوقع في العاصمة، وتدير ظهرها للريف الذي يغلي بالبؤس، وبدلاً من أن تخلق سياسةً نابعةً من احتياجات الجماهير، تكتفي بنقل الشعارات الجاهزة" (الفصل الثالث، مزالق الوعي الوطني).

يبدو للأسف أنّ معارضة الـ"هاي كلاس" الموجودة اليوم تفعل تماماً ما يحذّر منه فانون؛ تبتعد عن الشارع وتتقوقع في مكان محدد وضيق المساحة والأفق.

في حالتنا اليوم يمكن أن نشبّه المعارضة بالبرجوازية المذكورة في كتاب فانون، وهو كتاب يشرح العلاقات الشائكة في المجتمعات العربية والإفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار خلال القرن الـ20، ويمكن من خلاله فهم الكثير من حالة الخلل في بنية المعارضة نفسها سواء في سوريا أو كل البلاد الأخرى المشابهة لها سياسياً واقتصادياً، وهي كثيرة بالمناسبة. الفارق هنا أنّ البرجوازية في بلادي التي تجور علينا دائماً، لا تأتي ضمن سياق اقتصادي-سياسي، بل سياسي-ثقافي فحسب.

قبل أن تهاجمني عزيزي معارض "الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر" المجيد، أنا لا أشمل كل المعارضة ولا أطيافها كافة. أنا أحذّر فقط من حالة تنتشر وتتمدّد ومن قبل أشخاص كان يُفترض أن يعوّل عليهم الشارع لانتزاع أدوارهم في الحياة السياسية.

في المعارضة حياة

هل المشكلة في المعارضة وحدها؟ وهل يجب أن تكون هناك معارضة "على المقاس"؟

لا. أهم ما في كلمة معارضة "أن "يتصدى فريق من النُّوّاب، أو فَريق من السّياسيّين وأتباعهم، لأعمال الحُكومة... ويَنتقدوها"، وفق تعريفها في "المعجم العربي الجامع". وفي حال أردنا أن نعرّفها سياسياً، يمكن أن نلجأ إلى كتاب "السياسة" لـ"أندرو هيود"، ضمن الفصل الـ"13"، حيث يعطينا لمحةً عن دور الأحزاب السياسية بقوله: "تلعب الأحزاب دوراً في صياغة الأهداف الجماعية لأنها في إطار عملية السعي إلى السلطة تصوغ برامج للحكومة من خلال المؤتمرات والبيانات... إلخ، تستهدف اجتذاب التأييد الشعبي، وتشجع على صياغة حزم مترابطة من الخيارات الأساسية التي تساعد الناخبين على الاختيار بين أهداف واقعية وقابلة للتحقق".

في الختام، كلّما تأخّر نشوء معارضة سورية حقيقية قادرة على المواجهة وتتقن لغة الشارع، تجذّرت السلطة، انتقاليةً كانت أو غير ذلك، وتلاشت الفرصة الذهبية التي تعيشها سوريا.

لذا أرجوكم، عارضوا قدر ما استطعتم وقدر ما شئتم... إنني أرى في المعارضة حياةً، لكن تحدّثوا لغة الناس.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile