مجزرة 8 نيسان… ليس المهم بماذا ينادونني بل أن أجد من يناديني

مجزرة 8 نيسان… ليس المهم بماذا ينادونني بل أن أجد من يناديني

مدونة نحن والمشرّدون نحن والحقوق الأساسية

السبت 11 أبريل 202611 دقيقة للقراءة

في الحروب، لا يُصاب المكان وحده، بل يُصاب الإنسان في تعريفه لنفسه. لا تفرّق الحرب بين كبيرٍ وصغير، ولا بين من بنى عمره حجراً فوق حجر، ومن لا يزال يحاول أن يخطو أولى خطواته. تفرض آلاماً كثيفةً، مربكةً، وتقف أمامها عاجزاً، لا لأنك لا تفهمها، بل لأنك لا تعرف كيف تواجهها.

لكن أقسى هذه الآلام ليست تلك التي تدمّر البيوت أو تفتّت الجدران؛ فالحجارة، مهما تهشّمت، تبقى أقلّ هشاشةً من البشر.

في لحظات الحرب الأكثر كثافةً، نقف والوقت في حالة من الصدمة، كأننا فقدنا القدرة على الفهم أو الاستيعاب.

في 8 نيسان/ أبريل 2026، نفّذت إسرائيل نحو 100 غارة خلال عشر دقائق فقط على مناطق متفرقة في لبنان، في مشهد لم يغيّر فقط حجم الدمار، بل جعل الإنسان عاجزاً عن تثبيت معناه داخل اللحظة؛ كلّ شيء يحدث أسرع من أن يُفهم أو يُسمّى.

هذا الإيقاع المتسارع الذي استهدف بيروت وصيدا وصور، والبقاع والحدود معاً، علّمنا أنّ المكان لم يعد يُقاس بجغرافيته، بل بما فقدنا من أمان.

هل أنام الليلة بأمان؟

هذا الانهيار في إيقاع الزمان والمكان لا يبقى خارج الإنسان، بل يتسلل إليه مباشرةً. فنحن، حين ننزح، لا نترك خلفنا الجغرافيا فحسب، بل نترك أجزاء من أنفسنا: أدوارنا، أسماؤنا، مكانتنا، وتعريفنا لأنفسنا.

فجأةً، نصبح أقلّ وضوحاً لأنفسنا، أقلّ حضوراً في أعين الآخرين، وكأنّنا نُمحى ببطء من خرائط الاعتراف. كأننا لا نغيّر مكاننا فحسب، بل نُعيد رسم الخريطة مرّتَين: مرةً في الخارج حين نترك مدننا وبيوتنا، ومرةً في الداخل حين تتبدّل صورة أنفسنا ومعنى انتمائنا

لا تكتفي الحرب بتفتيت المدن، بل تعيد تشكيل الداخل البشري؛ تُسقط ما كان يبدو ثابتاً، وتعيد ترتيب علاقتنا بذواتنا.

فجأةً، نصبح أقلّ وضوحاً لأنفسنا، أقلّ حضوراً في أعين الآخرين، وكأنّنا نُمحى ببطء من خرائط الاعتراف. كأننا لا نغيّر مكاننا فحسب، بل نُعيد رسم الخريطة مرّتَين: مرةً في الخارج حين نترك مدننا وبيوتنا، ومرةً في الداخل حين تتبدّل صورة أنفسنا ومعنى انتمائنا.

منذ بدء تجدّد التصعيد الإسرائيلي في آذار/ مارس 2026، عاد النزوح ليكون تجربةً جماعيةً قاسية. آلاف العائلات أُجبرت على مغادرة الجنوب نحو مناطق أكثر أمناً. ووفق تقديرات منظمات إنسانية وتقارير إعلامية، تجاوز عدد النازحين 1.1 مليون نازح، توزّعوا بين مدارس ومراكز إيواء ومنازل أقارب وبيوت مستأجرة وأرصفة الطرقات.

في هذا المشهد، تتلاشى الفوارق الاجتماعية: الطبيب، الأستاذ، المحامي، والعامل… إلخ، جميعهم وجدوا أنفسهم في المكان ذاته، تحت السقف ذاته، وفي مواجهة السؤال ذاته: من أنا الآن؟

هذا السؤال لا يأتي فجأةً، بل يتسلّل مع التفاصيل الصغيرة؛ حين يصبح التفكير في المستقبل رفاهيةً، ويحلّ مكانه سؤال: هل سأجد ماءً؟ هل أنام الليلة بأمان؟

هنا، تبدأ الهوية بالتحوّل. لم تعد تُعرَّف بما حقّقته، بل بما تتحمّله. لم تعد مرتبطةً بالمكان الذي تنتمي إليه، بل بقدرتك على البقاء.

في أماكن النزوح، لا يعرفك أحد كما كنت تريد أن تُعرف. لا أحد يرى سنوات تعبك، أو نجاحاتك، أو حتى اسمك كما كنت تحب أن تُنادى. هناك، تختصر الغربة الجميع في حالة واحدة: ناجون، وربّما ناجون مؤقتون.

"مش نفس الشخص... بس مش ضايع"

يقول يوسف (اسم مستعار)، وهو أستاذ وجد نفسه نازحاً في مدرسة: "أنا مش نفس الشخص… بس مش ضايع". جملته تختصر هذا التحوّل. لم يفقد نفسه بالكامل، لكنه لم يعد هو نفسه أيضاً. قبل الحرب، كان يعرف نفسه من خلال بيته ومدينته، من خلال موقعه في العالم.

اليوم، يقول: "صرت أعرف حالي من قدرتي على التأقلم… أنا فلان اللي بيحاول يدبّر حاله وين ما كان".

هذا التحوّل من "الانتماء" إلى "القدرة على التكيّف" ليس تفصيلاً؛ إنه إعادة تعريف كاملة للذات.

الأقسى في تجربة يوسف، ليس النزوح بحدّ ذاته، بل المفارقة التي يعيشها داخل المدرسة. المكان الذي كان يُفترض أن يكون مساحة تعليم، أصبح مساحة نجاة. "كنت أدرّس… هلّأ عم نام بمدرسة"، يقول، وهي جملة تحمل ثِقلاً رمزياً هائلاً. المدرسة لم تعد مرتبطةً بالمعرفة، بل بالخسارة. وعندما تنتهي الحرب، لن تكون المدرسة كما كانت في ذاكرته. ستظلّ مشبعةً بصورة أخرى: صورة النزوح، والقلق، والانتظار.

يقدّم علم النفس تفسيراً لهذا الارتباط العميق بين المكان والصدمة. تشير دراسات في "علم نفس الصدمات" إلى أنّ الأماكن التي نمرّ فيها بتجارب قاسية تتحوّل إلى محفّزات دائمة للذاكرة، بحيث يستعيد الجسد والعقل المشاعر نفسها عند العودة إليها.

المكان لا يبقى حيادياً؛ يصبح جزءاً من الصدمة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة النزوح لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تستمرّ في تفاصيل الحياة اليومية.

إعادة توزيع المعنى

ومع ذلك، ليست كل التحوّلات سلبيةً بالضرورة. أحمد، وهو مسعف، يقدّم زاويةً مختلفة. يقول: "ما بكون مرتاح غير لما كون مسعف". في الوقت الذي يفقد فيه كثيرون إحساسهم بالقيمة، يجد هو نفسه أكثر حضوراً.

الحرب لا تكتفي بسلب الإنسان ما يملك، بل تُجبره أيضاً على التخفّف مما كان يظنّه جزءاً لا يتجزأ منه. الألقاب، الصور، المكانة… كلّها تتساقط فجأةً، لا كخسارةٍ، بل كتحرّرٍ من أثقالٍ لم يكن يدرك وزنها.

"بيئتي بتحترمني لأني مسعف… وبحسّ بأهميتي أكتر"، يضيف. في الحرب، حيث ينهار كل شيء، تصبح بعض الأدوار أكثر وضوحاً، أكثر إلحاحاً. أحمد لا يرى نفسه ضحيةً، بل ضرورة. يروي حين تجمّع حوله أشخاص وراحوا يدعون له، وكأنّهم يعيدون إليه تعريفه: أنت مهم لأنّك تنقذنا.

هذا التناقض بين فقدان الهوية وتعزيزها يكشف وجهاً آخر للحرب: هي لا تدمّر فقط، بل تعيد توزيع المعنى. هناك من يُسلب دوره، وهناك من يُستدعى دوره بقوة. لكن في الحالتين، يبقى الإنسان في مواجهة سؤال القيمة: هل أنا ما كنت عليه؟ أو ما أفعله الآن؟

يقدّم الشاعر والدكتور الجامعي علي نسر، إجابةً مختلفةً تماماً. يقول: "الإحساس بالقيمة أصبح مسألةً ثانويةً، لأنّ الحرب ظرف دخيل لا يؤثّر على قيمتي". بالنسبة له، الحرب لا تُعيد تعريف الإنسان، بل تكشفه.

"أنا من صنع اللقب، مش اللقب صنعني"، يقولها بثقة من اختبر سقوط الألقاب أمام مشهد أبسط: أطفال بلا بيوت. هنا، تصبح كل المسمّيات هامشيةً. "مش مهم شو بينادولي، المهم إنو في حدا يناديلنا أصلاً".

في شهادته، يذهب الدكتور علي أبعد من ذلك. يشبّه الحرب بحالة جماعية تُذيب الفوارق: "الناس بالحرب متل العسكر… هدفنا نصمد". بل يصل إلى صورة أكثر رمزيةً: “كأنّنا في الحج… الهموم واحدة، واللباس واحد". هذه المساواة القسرية، برغم قسوتها، تحمل مفارقةً: تُسقط الفروقات الاجتماعية، لكنها تفتح باباً لفهم أعمق للذات. حين تختفي الألقاب، يبقى الإنسان مجرّداً، كما هو.

وفي صورة له، التقطها في أثناء الحرب، صدفةً في أثناء مرور قطيع غنم، يقول: "تصرّفت كأنني لا أحمل لقباً، شعرت بأنني بلا قيود".

الحرب، على قسوتها، لا تكتفي بسلب الإنسان ما يملك، بل تُجبره أيضاً على التخفّف مما كان يظنّه جزءاً لا يتجزأ منه. الألقاب، الصور، المكانة… كلّها تتساقط فجأةً، لا كخسارةٍ، بل كتحرّرٍ قاسٍ من أثقالٍ لم يكن يدرك وزنها.

في لحظة ما، يصبح الإنسان أخفّ، لكنّ هذه الخفّة ليست راحةً، بل انكشاف. انكشاف أمام ذاته، بلا تعريفات جاهزة، وبلا مسمّيات تحميه.

لكنّ هذا "التحرّر" لا يكتمل بوصفه خلاصاً، لأنه يفتح الباب على احتياجٍ أعمق: أن يُرى، أن يُسمع، وأن يُنادى. ربما كان يحتاج إلى الحديث مع راعي الغنم، لا الغنم! لذلك تأتي شهادته كصفعة: "الإنسان يستطيع أن يصوم عن الملذّات، لكنه لا يستطيع أن يصوم عن أن يكلّمه أحد".

هنا، لا يعود السؤال عن اللقب أو المكانة، بل عن القدرة على استرداد الروح نفسها، تلك التي لا تعيش إلا بالعلاقة، بالكلمة، وبنداءٍ بسيط يقول: أنت هنا.

"بكره نظرة الشفقة"

أمّا زهراء، معلمة الفيزياء، فتقارب التجربة من زاوية مختلفة. تقول ببساطة: "صرت شوف زهراء مجرّدة من كل الرفاهيات". ووصفت الحرب بأنها بدأت تكتب قصتها من جديد. لم تعد تلك المعلّمة التي تُعرَّف من موقعها أو اختصاصها فقط، بل صارت أيضاً امرأةً تحاول أن تعمل من سيارتها، وأن تُكمل يومها وسط انقطاع واستنزاف، وأن تخلق معنى في ظروف بالكاد تسمح بالاستمرار.

هنا، لا تُسلب الهوية فحسب، بل يُعاد تشكيلها تحت الضغط، كأنّ الحرب نفسها تتدخل في صياغة "من هي زهراء".

ما تفعله الحرب لا يقتصر على القصف أو التدمير المادي. هي تمتدّ من 100 غارة في عشر دقائق، إلى آلاف نبضات التوتر في كل دقيقة؛ من مشهدٍ خارجي سريع الانفجار، إلى زمنٍ داخلي يُعاد فيه تشكيل الإنسان لحظةً بلحظة

لكن المفارقة تظهر حين تحاول أن تروي هذه القصة. "بكره نظرة الشفقة"، تقول، لأنها تدرك أنّ الكلام عن الصعوبة لا يُستقبل دائماً كما هو، بل يُعاد تأويله من الخارج كضعف. لذلك تتردّد في مشاركة القصة، ليس لأنّ التجربة صغيرة، بل لأنها أكبر من أن تُختصر بنظرة عابرة. هي تعيش مفارقةً قاسيةً: تُجبَر على خوض تجربة قاسية تعيد تعريفها، لكنها في الوقت نفسه لا تجد المساحة الآمنة لسردها دون أن تُساء قراءتها.

تجربة زهراء تكشف جانباً جديداً: الحرب تجعلنا أكثر حذراً في التعبير عن أنفسنا. الحرب لا تعيد ترتيب ما هو مهم فحسب، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وصورته أمام الآخرين.

في هذا السياق، تشير دراسات في علم النفس الاجتماعي و"علم نفس الصدمات"، إلى أنّ الأفراد في ظروف النزاع يطوّرون حساسيةً مضاعفةً تجاه نظرة الآخرين، لأنّ الهوية تصبح هشّةً وقابلةً للتأويل أكثر من أي وقت مضى. لذلك، يصبح البقاء ليس فقط في تأمين الاحتياجات، بل أيضاً في حماية المعنى الشخصي من أن يُختزل أو يُساء فهمه، نتيجة اهتزاز الهوية وفقدان الأطر المستقرة التي كانت تعرّفهم.

أظهرت أبحاث حول الهوية في سياقات اللجوء، مثل دراسات منشورة في Journal of Refugee Studies، أنّ النزوح القسري يؤدّي إلى ما يُعرف بـ"تهديد الهوية" (Identity Threat)، حيث يشعر الأفراد بأنّ صورتهم الذاتية لم تعد معترفاً بها اجتماعياً، ما يجعلهم أكثر عرضةً للتأثر بكيفية إدراك الآخرين لهم.

كما توضح أبحاث في "علم النفس الثقافي"(Cultural Psychology) ، أنّ فقدان المكانة الاجتماعية والمهنية يدفع الأفراد إلى محاولة إعادة بناء هويتهم في بيئات جديدة، غالباً تحت ضغط نظرات خارجية قد تختزلهم في صورة "الضحية" أو "النازح".

وتدعم ذلك دراسات حول الصدمة، مثل أبحاث جوديث هيرمان في كتاب "Trauma and Recovery"، التي تشير إلى أنّ الصدمة لا تؤثر فقط على الشعور بالأمان، بل أيضاً على الإحساس بالذات والعلاقة مع الآخرين، حيث يصبح الاعتراف الاجتماعي عاملاً أساسياً في استعادة التوازن النفسي.

أكثر هشاشةً... وصدقاً

في النهاية، ما تفعله الحرب لا يقتصر على القصف أو التدمير المادي. إنها تمتدّ من 100 غارة في عشر دقائق، إلى آلاف نبضات التوتر في كل دقيقة؛ من مشهدٍ خارجي سريع الانفجار، إلى زمنٍ داخلي يُعاد فيه تشكيل الإنسان لحظةً بلحظة.

إسرائيل تمارس نوعاً آخر من العنف: عنف نفسي عميق يعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالعالم، ويجعل كل مدينة مُستهدفةً، من بيروت إلى بعلبك إلى صور، وهي ليست مجرد أمكنة على الخريطة، بل سؤال مفتوح عن الأمان والهوية.

لكن، في قلب هذا كله، تظهر حاجة أكثر إلحاحاً من كل ما عداها: أن نرى بعضنا حقاً، أن نسمع بعضنا دون ضجيج الحرب، وأن نعيد الاعتراف ببعضنا بعضاً خارج الألقاب والمهن والوظائف التي كانت تعرفنا قبل كل شيء. كأننا نحاول، وسط هذا التشتت، أن نستعيد شيئاً بسيطاً لكنه جوهري: أنّ وجودنا لا يُختصر بما خسرناه أو بما صرنا عليه تحت الضغط.

ربما لا نستطيع إيقاف الحرب فوراً، ولا إعادة الزمن إلى ما كان عليه، لكننا نستطيع على الأقل أن نمنعها من محونا بالكامل، من أن تمحو ملامحنا الداخلية كما تمحو المدن. أن نتمسّك بما تبقّى منا، ولو كان هشّاً ومبعثراً، وأن نحاول أن نرى في بعضنا ما يتجاوز الدمار، وأن نكتشف، وسط هذا الانهيار، وجهاً آخر لأنفسنا، وجهاً لا يظهر عادةً في أوقات الاستقرار، لكنه يُولَد تحت الثقل: أكثر هشاشةً، نعم، لكنه أيضاً أكثر صدقاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile