في الحرب يتبدل المشهد، يصبح الأمان حلماً بعيداً في بلدٍ مثل لبنان لم يعرف الاستقرار منذ سنوات طويلة، ومع كل أزمة وحرب، تدفع الفئات الأكثر هشاشة الثمن الأكبر.
ومع دخول الحرب شهرها الثاني، ينحو وضع الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الأسوأ، إذ لا تتوافر أرقام دقيقة حول أعدادهم ولا خريطة واضحة عن أماكن نزوحهم، ناهيك بعدم وجود مراكز إيواء مجهزة لحالاتهم مما يصعب وصول المساعدات ومعرفة احتياجاتهم.
وفي عدد من مراكز الإيواء في بيروت، يأخذ هذا الواقع شكلاً أكثر قسوة، حيث تقاس المعاناة بتفاصيل الحياة اليومية: انعدام المرافق المجهزة، صعوبة تأمين الأدوية، والنوم على الفرش الأرضية، من دون الأخذ بالاعتبار حجم الضرر أو الصعوبة جراء ذلك.
تمتد هذه المعاناة لتطال مختلف أنواع الإعاقة حيث تتحول الاحتياجات الأساسية إلى تحديات يومية في ظل الإهمال وعدم وضع خطة طوارىء تراعي خصوصية هذه الفئة واحتياجاتها.
المرافق الصحية غير مجهزة
حكايات الناس في مراكز الإيواء شاهدة على الواقع حيث تفرض الحرب عليهم عيشاً قاسياً ومضاعفاً.
في ملعب مدرسة ابتهاج قدورة المختلطة، ومن على الكرسي المتحرك، يروي سعيد يوسف فارس حكايته مع الحرب والنزوح، فيقول لرصيف22: "نزحت مع زوجتي وأولادي من قريتي مارون الراس إلى الضاحية بعد الحرب الماضية. في تلك الحرب، تعرّض منزلنا للقصف المباشر، ونزلت الضربات علينا. يومها ذهبتُ لأُحضر أختي، وكانت من أصعب اللحظات التي عشتها، خصوصاً مع فقدان والدتي. أُصبتُ خلال القصف، ومنذ ذلك الوقت لم يهتم بي أحد، لا الدولة اللبنانية، ولا وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا أي حزب".
"الوضع هنا صعب جداً، خصوصاً لشخص في حالتي. لا يوجد أسرّة، وننام على فرش. طلبنا مراراً تأمين كرسي متحرك وسرير لكن لم يتم الاستجابة"
ويكمل: "إصابتي كانت نتيجة ضربة قوية بينما كنت بالقرب من شجرة، وأدّت إلى إعاقة. خضعت لعلاجات وما زلت أتناول أدوية، أحياناً مسكنات قوية بسبب الألم. خسرت عملي بسبب الحرب وأنا الآن بلا مدخول".
وعن وضعه في مركز الإيواء، يقول: "جئت إلى مركز الإيواء في المدرسة منذ اليوم الأول، الوضع هنا صعب جداً، خصوصاً لشخص في حالتي. لا يوجد أسرّة، وننام على فرش. طلبنا مراراً تأمين كرسي متحرك وسرير لكن لم يتم الاستجابة، قيل لنا إن وزارة الشؤون ستتابع الموضوع، لكن لم يحدث شيء حتى الآن. نحصل أحياناً على الغاز، لكن علينا تعبئته على نفقتنا، رغم عدم توافر المال، وفي بداية النزوح، عانينا من برد قاسٍ جداً، لدرجة إني غطّيت ابني بمعطفي ليحتمي من البرد".
ويشير إلى أن المكان غير مجهّز إطلاقاً للأشخاص ذوي الإعاقة: "أضطر إلى ترك الكرسي المتحرك خارج الغرفة، وأدخل زحفاً على الأرض لأنني لا أستطيع التحرك به في الداخل. حتى الوصول إلى الحمام صعب جداً، إذ لا توجد أي تجهيزات خاصة، والحمامات مشتركة بين الرجال والنساء، وصغيرة وغير مناسبة لي، ولا توجد أي وسائل مساعدة، مما يجعل الأمر مهيناً ومتعباً جداً بالنسبة إلي".
ويختم حديثه بالقول: "اليوم، أكثر ما أحتاجه هو الحد الأدنى من المقومات. بصراحة، لا أحد يلتفت إلينا، وكل شيء نعيشه اليوم يتم بجهدنا الشخصي وتحملّنا".
معاناة إضافية في مراكز النزوح
في الطابق الثاني من المدرسة ذاتها، تجلس فاطمة سويد، النازحة من كفرصير مع عائلتها. هي أم لأربعة أولاد، اثنان منهم لديهم إعاقة ذهنية وتخوض معهما تحديات النزوح لتأمين احتياجاتهما داخل مراكز الإيواء.
تخبر فاطمة رصيف22: "نحن ثمانية أشخاص نعيش في هذا المكان، وأولادي معي. تعاني ريان (31 عاماً) من إعاقة جسدية، إضافة إلى مشاكل في الدم وضعف عام في جسدها. تمشي بشكل محدود، لكن سرعان ما تتعب، وتعاني من آلام في الظهر، بالإضافة إلى اضطرابات عصبية، إذ تمرّ بحالات توتر شديدة، فتؤذي نفسها. أما يحيى (36 عاماً) فيعاني من مشاكل عصبية، وتيبّس في يديه، ويتناول أدوية أعصاب".
"أضطر إلى ترك الكرسي المتحرك خارج الغرفة، وأدخل زحفاً على الأرض لأنني لا أستطيع التحرك به في الداخل. حتى الوصول إلى الحمام صعب جداً، إذ لا توجد أي تجهيزات خاصة، والحمامات مشتركة بين الرجال والنساء، وصغيرة وغير مناسبة لي"
أما بالنسبة إلى الاحتياجات تقول فاطمة: "تحتاج ريان إلى حفاضات، وأنا لا أستطيع تأمينها بشكل دائم، صحيح أنها قادرة على دخول الحمام، لكنها تحتاج إلى مساعدة مستمرة وإلى سرير لكونها تنام حالياً على الأرض".
وتختم: "بالنسبة للأدوية، فأنا أؤمّنها على حسابي، وغالباً ما أضطر لشراء بدائل أرخص بسبب عدم توافر المال".
مرافق غير مجهزة
ولا تختلف قسوة الظروف على ذوي الإعاقة ممن نزحوا إلى مدينة كميل شمعون الرياضية، إذ تفتقد الظروف الإنسانية التي يعيشونها إلى الحد الأدنى من الرعاية.
يخبر محمد مهدي، النازح من بلدة عدشيت-قضاء النبطية، وأحد جرحى الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 1982، أنه يعيش اليوم مع إعاقة ناتجة من شللٍ نصفي، ولا تزال تبعاتها ترافقه في تفاصيل حياته اليومية: "رحلة النزوح استمرت أكثر من 6 ساعات ووضعي في مركز الإيواء صعب جداً، بخاصة مع الإعاقة، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا خيار أمامي سوى التحمّل. المكان بشكل عام مجهّز، والجمعيات تقدّم بعض المساعدات، وهذا أمر نقدّره، لكن التحديات تبقى كبيرة بالنسبة إلي".
ويضيف الرجل السبعيني لرصيف22: "أعاني بشكل خاص عند صعود الدرج ونزوله، مما يعيق وصولي إلى الحمّامات. المشكلة ليست فقط في التفاصيل الصغيرة، بل في أنّ المبنى أساساً غير مهيّأ لأشخاص في وضعي، أما الاستحمام فغير متاح لي هنا، لذلك أضطر للذهاب إلى منزل ابنتي".
الحياة ليست طبيعية في مراكز النزوح
أما في مدرسة عمر فاخوري في بئر حسن، فهناك حكاية أخرى.
يعاني علي (26 عام) من "متلازمة داون" وتروي والدته ديبة تفاصيل التحديات التي يواجهونها مع النزوح وظروف العيش ضمن مركز الإيواء.
تقول لرصيف22: "خلال الحرب الماضية، ومع شدّة القصف الذي شهدناه، تدهورت حالة علي بشكل كبير إذ تعرّض لما يشبه الجلطة، وبعد الفحوصات تبيّن أنّ لديه اضطراباً في الدماغ، ومنذ ذلك الوقت بدأت تظهر عليه أعراض كثيرة وأصبح يتعب بشكل واضح".
وتكمل: "بدأت بعلاجه في مركز في صريفا، وهو يحتاج إلى أدوية بشكل دائم، منها أدوية للكهرباء في الرأس، وأدوية للكوليسترول. في مركز الإيواء هنا، تتم مساعدتنا أحياناً، إذ نحصل على علب من الأدوية، لكن ذلك لا يكفي ويحاول القائمون على المركز تأمين ما يستطيعون".
قبل الحرب، كان علي مسجّلاً في مركز تأهيل في العديسة، لكن منذ نحو سنة ونصف سنة، ومع الحرب، انقطع عن المركز، وهذا أثّر في نفسيته بشكل كبير.
وتضيف والدته: "يعاني علي أيضاً من مشكلة في النظر، وقد نسي نظاراته في المنزل عند النزوح، وهو بحاجة إلى نظارات جديدة، وقد وُعدنا بتأمين واحدة له، لكننا لا نزال ننتظر".
وتختم حديثها: "بالرغم من أننا نحاول التأقلم، والحمدلله الأمور الأساسية متوافرة إلى حدّ ما، لكنها ليست بيئة مناسبة لي ولا لإبني ولا لأي إنسان. قد نستطيع التكيّف مؤقتاً، لكن لا يمكن اعتبار هذا نمط عيش طبيعي".
خطة الطوارىء لا تشمل الأشخاص ذوي الإعاقة
في ظل هذا الواقع، تضع سيلفانا اللقيس، رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين، هذه المعاناة في سياقها الأوسع، متحدثة عن غياب الخطط والسياسات التي تحمي الأشخاص ذوي الإعاقة في الأزمات.
توضح لرصيف22 أنّ وضع الأشخاص ذوي الإعاقة ليس سليماً منذ ما قبل الحرب: "إذ لم يكونوا محسوبين ضمن السياسات العامة، والمرافق والخدمات غير مهيّأة لحقوقهم، ويجري التعامل معهم بشكل موازٍ لا يضمن إدماجهم الفعلي، مما يعني أنه ليس هناك إدراج للحقوق في كل قطاع"، كاشفة أنّ "الاتحاد طالب مراراً منذ انفجار 4 آب/ أغسطس 2020 بإنشاء وحدة لدمج الإعاقة في إدارة الطوارئ والكوارث، لكن هذا المطلب لم يُنفّذ، مما أدى إلى خطة طوارئ ناقصة لم تأخذ هذه الفئة بعين الاعتبار منذ البداية".
وترى سيلفانا أنّ ذوي الإعاقة ليسوا أولوية بالنسبة إلى الدولة: "فنحن ندفع الثمن دائماً في السلم وفي الحرب، وهو ثمن مضاعف"، مشيرة إلى أنّ الإعاقة بمختلف أنواعها الجسدية، الحسية، البصرية، والذهنية، لم تُدرج ضمن التخطيط، مما انعكس فوضى في الاستجابة منذ اللحظة الأولى.
وتؤكد أن ليس ثمة من أرقام دقيقة حول أعداد المعوقين أو أماكن نزوحهم.
وعن أوضاع النزوح، تقول: "عدد كبير منهم نزحوا من بيوتهم وقراهم دون الأجهزة الخاصة بهم، كالكراسي المتحركة أو العكازات، مما فاقم أوضاعهم داخل مراكز غير مجهّزة أصلاً"، مشددة على أنّ المعاناة لا تقتصر على الإعاقات الجسدية، بل تشمل أيضاً الإعاقات الذهنية، حيث يؤدي الاكتظاظ وغياب المساحات الآمنة إلى توتر شديد وظهور أعراض سلوكية في ظل غياب التدابير الإدارية المناسبة".
أما على مستوى الاستجابة، فتشير إلى تعاون جمعيات ومنظمات ضمن مجموعة عمل خاصة بالإعاقة، إلا أنّ الجهود تبقى محدودة مقارنة بحجم الأزمة: "عدد المستفيدين من مؤسسات الرعاية ضئيل جداً، فيما لا يزال كثيرون، بخاصة كبار السن ومن بقوا في منازلهم، خارج أي استجابة فعلية، مما يعكس غياب العدالة الاجتماعية ويجعل الأشخاص ذوي الإعاقة في صلب الأزمة، لا على هامشها".
"كبار السن بوجعوا كتير ولازم نحترم كرامتن والأشخاص يلي بالبيوت بعد ما حدا اتطلع فيهن… نحن منسيون، عطول مندفع الثمن"
في ظل كل الأزمات التي يمر بها لبنان، إلا أن بعض المبادرات المحلية تسعى لتحسين أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، إذ تشير اللقيس إلى أن هناك جمعيات تعنى بالإعاقة، والاتحاد اللبناني للمعوقين من ضمنها، تعمل بالتعاون مع جمعيات أخرى ومنظمات دولية ضمن إطار طارئ تم تأسيسه باسم "مجموعة العمل المعنية بالإعاقة في حالات الطوارئ والأزمات"، وقد بدأ هذا الإطار بشكل بسيط عبر مجموعة تواصل لتسهيل التنسيق وتبادل المعلومات حول الاحتياجات، قبل أن تتطوّر تدريجياً إلى مجموعة عمل منظّمة فرضت حضورها وباتت تحظى باعتراف رسمي نتيجة دورها الفعلي في الميدان.
وتوضح سيلفانا: "هذه المجموعة قدّمت اقتراحات عديدة لمعالجة الثغرات، من بينها وضع معايير واضحة لإنشاء مراكز إيواء دامجة تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة"، مشيرة إلى أنّ تجربة المدينة الرياضية، رغم ما شابها من نواقص وثغرات، تُعد خطوة إيجابية نسبياً، إذ شهدت محاولات لتحسين التجهيزات والاستجابة ولو بشكل متأخر.
وتختم بالقول: "كبار السن بوجعوا كتير ولازم نحترم كرامتن والأشخاص يلي بالبيوت بعد ما حدا اتطلع فيهن… نحن منسيون، عطول مندفع الثمن".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
