في زمن الحرب، لا تعيش الأمهات الخوف فحسب، بل يختبرنه بأجسادهنّ وحيوات أطفالهن. بين امرأة أجهضت طفلها على الطريق في أثناء النزوح من الجنوب، وأخرى وضعت مولودها في السيارة، وثالثة اضطرت إلى إيقاف رحلة التلقيح الاصطناعي التي كانت تنتظرها منذ سنوات، تتكشف وجوه مختلفة للأمومة في زمن القلق.
في هذا النص المكتوب بالدموع، وثّقنا شهادات تروي كيف تحمي أمّ طفلها الرضيع تحت الرصاص، وكيف تحاول أمّ تفسير الجغرافيا الملعونة لابنتها الصغيرة.
نجمع هذه المشاهد لنسأل: كيف تبدو الأمومة عندما تصبح الحياة نفسها في حالة نجاة يومية؟
"لا أريد لرضيعتي سوى الأمان"
"كنت ناطرة كل لحظة لشوف بنتي معي"؛ تقول رقية، الأمّ التي نزحت من منطقة "دورس" البقاعية إلى بعلبك، في البقاع اللبناني أيضاً. في حديثنا معها، تخبرنا أنّ حملها لم يأتِ بالسهل، وأنّ فترة انتظار الولادة السالمة كانت كالقبض على عدّاد جمر. تركت العائلة منزلها مع بدء الحرب؛ نزحت من منطقة مُنذَرة بالقصف، إلى منطقة يُعتقد أنها "أكثر أماناً"، لكن حصل ما لم يكن في الحسبان. فالنزوح في لبنان لا يعني بالضرورة النجاة، بل هو أن "تعمل اللي عليك" علّك تنجو من النيران.
بين امرأة أجهضت طفلها على الطريق في أثناء النزوح من الجنوب، وأخرى وضعت مولودها في السيارة، وثالثة اضطرت إلى إيقاف رحلة التلقيح الاصطناعي التي كانت تنتظرها منذ سنوات... كيف تحمي الأمّهات أطفالهنّ في الحرب؟
قصف العدو الإسرائيلي بالقرب منهم، من دون سابق إنذار، فوقعت الواقعة. طرقت الحياة على أبواب الطفلة مبكراً، واضطرت رقية إلى خوض تجربة الولادة المبكرة على وقع ضربات القصف والخوف.
الطفلة التي حضّرت لها أمّها خلال الأشهر الماضية كل ما ستحتاجه، أقبلت على الحياة مجرّدةً من كامل حقوقها، بما فيها، لا بل أهمها، "الحضن". أسفرت الولادة المبكرة عن وعكة صحية حالت دون إخراجها من المستشفى، وأدّت إلى بقائها في العناية لرعايتها. يُذكر أنّ الولادة حصلت في مستشفى "دورس" الواقع ضمن منطقة جغرافية مهدّدة بالقصف، بحسب خرائط الإخلاء الإسرائيلية.
"ابنتي الرضيعة في مكان وأنا في مكان آخر"، تقول رقية. فهل من كابوس أفظع من هذا قد يراود أيّ أمّ؟
تشير رقية إلى أنّ طبيبتها توقفت عن متابعة حالتها منذ مدة، لأنّ "المنطقة خطر"، وأنها خضعت لعملية ولادة تحت "إشراف بسيط" بسبب الأوضاع.
يُذكر أنّ الجيش الإسرائيلي قام، في تلك الليلة، بإنزال في منطقة البقاع، تحديداً في قرية النبي شيت.
وبالحديث عن الحقوق، تقول رقية، الأمّ المتعبة، إنها قد تتخلّى عن أبسط حقوق ابنتها مقابل الأمان: "إذا بدّي أوصف شو عشت وحسّيت، بقول إنه ما عاد بدّي أبسط حقوقي لبنتي، لا بدّي تخت إلها ولا بدي ثياب ولا بدّي غرفة"، وتضيف: "أريدها فقط أن تكون بين ذراعَيّ بمأمنٍ عن كل ما نعشيه".
لرقية طفلان، الأوّل غير مدركٍ بشاعة ما نعيشه، والثانية تقبع في المستشفى منذ لحظات ولادتها الأولى.
في الحرب لا تختار الأمّهات توقيت الولادة، بل يفرضه الخوف، والأيام الثقيلة. وحين تلِد الأم قبل أوانها، ولادةً مبكرةً فرضها صوت الحرب، يُكسر قلبها. بين طفلٍ ينتظرها، وطفلةٍ لم تضمّها بعد، تسطّر رقية تجربةً لن تمحو وقعها الأيام.
"أريد أن تنتهي الحرب لأحزن على طفلي"
في مشهد آخر، تروي لنا سكينة، فقدان جنينها على الطريق. العروس التي لم تكتمل فرحة حملها الأول، عايشت تجربة الإجهاض وهي في طريقها نحو "الأمان". تقطن سكينة في جنوب لبنان، واضطرت إلى إخلاء منزلها في ليلة القصف الإسرائيلي في أولى ساعات الحرب. لم يحتمل جسدها الخوف ولا الصدمة، ولاقى الجنين مصيراً لا يستحقه أيّ مخلوق في هذا العالم.
"هل تستطيع المرأة أن تحمِل طفلها وخوفها من فقدان عائلتها معاً؟"، تسأل سكينة. نسمع قصتها القاسية بصمت، ونكتب لنوثّق. تقول إنها "أجهضت طفلها الأول وهي في طريق النزوح، بعدما تركت منزلها فجراً".
ولدى سؤالنا إياها عن شعورها، تقول: "لحدّ اللحظة لا أستطيع أن أصف شعوري، فمَن الأصعب: المرأة التي فقدت طفلها في طريق النزوح، أو تلك التي أنجبته على الطريق؟".
حلم الأمومة الذي لم يكتمل
الحرب ليست سوى أحلام مؤجلة، أو ربما مطحونة! هكذا هو حال فاطمة. فبعد إجهاضين سابقين، وكل ما تحمله تجربة الإجهاض من أسى، حالت الظروف منذ بدء حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضية دون الاستمرار في محاولة تحقيق حلم الأمومة.
أُصيبت فاطمة بعد الحرب الماضية بـ"الالتهاب العضلي العصبي"، أو ما يُعرف بـ"الفايبرومايالجيا"، وذلك نتيجة تأثّرها الكبير بما حدث في غزة، وكذلك قريتها الجنوبية ميس الجبل (خلال حرب الإسناد اللبنانية لغزّة). ومع اشتداد وتيرة الحرب، قرّرت وزوجها تأجيل عملية التلقيح الاصطناعي التي نصح بها الطبيب.
في الحرب لا تختار الأمّهات توقيت الولادة، بل يفرضه الخوف، والأيام الثقيلة. وحين تلِد الأم قبل أوانها، يُكسر قلبها.
قبل الحرب الحالية، قررت فاطمة خوض عملية التلقيح، وتأجيل الخوف لعلّ الأمومة تشفي تقرحات القلب التي أحدثتها الحروب.
ووفق مبدأ "شو بدنا نضل ناطرين؟"، بدأت الرحلة. لكن هذه المنطقة الجغرافية المصابة بلعنة إسرائيل وحروبها، غيّرت مسار الأمور، فتوقّف الحلم قبل بلوغه النور، وضاعت منها أسابيع عاشتها مع الحقن والأدوية والمتابعات. تقبع الآن أجنّة فاطمة في المستشفى، وحيدةً مجمّدةً، ريثما يؤذَن لها باستكمال الطريق نحو قلب الأمّ قبل رحمها.
تقول فاطمة إنّ أكثر ما يؤلمها هو "سلبها حقها في الاختيار". اختيار توقيت الأمومة. عدو لا يعرف عن الحياة سوى تدميرها، يجبرنا جميعاً على التخلّي عن أحلامنا، وأبسط حقوقنا.
"فرّقتني الحرب عن زوجي وتحمّلت مسؤولية ابننا وحدي"
للأمهات سندٌ اسمه الأب. لكن تجري الحياة بما تشتهي الحرب.
صودف وجود زينب في بيروت، مع أهلها، بينما كان زوجها في الجنوب. في ليلة القصف المشؤوم، وجدت نفسها في الشارع وابنها الرضيع بين يديها، تخفيه تحت ملابسها خوفاً من أيّ رصاصة طائشة.
عزيزي القارئ، تخيّل معي المشهد: أمّ تركض برضيعها تحت وابلٍ من الرصاص. أهناك أقسى من ذلك؟
تخبرنا زينب أنّها وابنها مرضا بشدّة في اليوم التالي، وكأنّ الجسد أراد التعبير عن هذا الكم الهائل من الخوف، على طريقته. طفل رضيع يعاني حتى اليوم من عوارض مرض قاسية، لم يحسب أحد أنّ طفلاً في عمره قد يعيشها.
أصعب ما تعيشه زينب، بحسب قولها، هو بُعدها عن زوجها الذي باعدت بينهما الظروف. فبين خوفها عليه، وعلى طفلهما، تجد نفسها وحيدةً أمام تجربة فيها ما يكفي من الخوف والمسؤولية، لجعل تجربة أمومتها الأولى مرعبةً.
دروس الجغرافيا كما لم تعهدها الأمهات من قبل
تروي لنا صفاء كيف أنها و"في الليلة الأولى للقصف على الضاحية الجنوبية لبيروت، حين استفاقت طفلتي على صوت الغارات، بدأت تسأل عن رفاق مدرستها وما إذا كانوا يسكنون في الضاحية، وهل تمكّنوا من الهروب...".
الطفلة ذات السنوات الست، لا تعرف جغرافيا البلد، ولا حدودها، لكنها تحفظ في ذهنها شكل الإنذارات الحمراء. ولا تعرف عن منطقتها سوى أنها آمنة، بينما تحفظ أنّ الجنوب والضاحية "مناطق خطر".
لم يخطر ببال صفاء يوماً أنها ستضطر إلى شرح ذلك لابنتها الصغيرة، وأنّ درس المواطنة الذي تلقّيناه في كتاب التربية الوطنية، ما هو إلا صورة مزيفة عن واقعنا.
عندما تخرج من تحت النار "ممتنّاً"... أمّ لقطٍّ خائف
بعد تلك الليلة المشؤومة، التي خرجنا فيها من منازلنا تحت وقع القصف، أسأل نفسي: ماذا يتغيّر في نظرتنا للحياة عندما ننجو من لحظة كادت تنهيها؟ ما هو التحول الذي يطرأ على الإنسان بعد الخروج من تحت النار؟ وكيف تتحول المسلّمات اليومية إلى نِعَم؟ وكيف تتراجع أهمية معظم الأشياء أمام حقيقة النجاة؟
أشعر الآن أنّ آثار الصدمة بدأت تتكشَّف، وبدأت أستعيد الكثير من التفاصيل حول ما حدث. قال لي زوجي إنه نطق لحظة حصول القصف من حولنا الشهادتَين. أما أنا، فلم أفعل...
كنتُ أصرخ صراخ مستغيث يعلم أنّ الأمر انقضى، ولم يتبقَّ سوى رجاء واحد: حُسن الخاتمة.
لم أنطق الشهادتين، لكنني صرخت صراخ مستغيث، يطلب رحمة الله الواسعة. وهل ثمة فرق حقاً؟
فمن يستغيث بربه في لحظة النهاية، كمن ينطق الشهادة.
كلتاهما تسليم، وربما استسلام.
لم أنطق الشهادتين، لكن ليس على الهائم في دوّامة الحروب حرج.
"في الليلة الأولى للقصف على الضاحية الجنوبية لبيروت، حين استفاقت طفلتي على صوت الغارات، بدأت تسأل عن رفاق مدرستها وما إذا كانوا يسكنون في الضاحية، وهل تمكّنوا من الهروب..."
التجربة القاسية التي عشتها شخصياً ليلة القصف، أعادت فجأةً ترتيب الأولويات بالكامل. فالحياة حين تُرى بعين من عرف هشاشتها، تختلف. أشعر بامتنان شديد الآن لكوني وأهلي تحت سقف "ربما آمن". وأشعر بالارتياح لكوني استطعت التعامل مع هلع "أنيس"، قطّي، لحظة القصف. أهلي وأنيس وأنا بخير، هذا كل ما أريده الآن. أما عن المستقبل، فهو حلم مؤجّل.
عندما يصبح البيت فكرةً لا مكاناً
ليس النزوح مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل تجربة اقتلاع عميقة تعيد تعريف معنى البيت والأمان. ماذا يعني أن "توضب" حياتك في دقائق، وأن تختار ما تحمله وأنت تعرف أن ما تتركه قد لا تعود إليه؟ بين النوم على وسادة مؤقتة، لا تشبه وسادتك، والشعور المستمر بالانسلاخ، تتكشف الآثار النفسية والاجتماعية للنزوح في ظل حرب تتكرّر باستمرار.
نعيش جميعاً حالة استسلام قاسية، تلك هي الحياة التي يعيشها الناس حين يصبح النزوح احتمالاً دائماً في حياتهم.
والأمّهات؟ قلوبهنّ مهما هيّأها الله لفظاعة الحياة، ليست مهيأةً لهذا.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
