خفايا هدنة

خفايا هدنة "أنا المنتصر" لوقف الحرب في الشرق الأوسط... لماذا الآن؟ وهل تصمد؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 8 أبريل 20269 دقائق للقراءة

قبل أن تصل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط إلى ذروتها، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لمزيد من المفاوضات مع إيران في إسلام آباد، حيث يرعى رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، المفاوضات المباشرة بين الطرفين.

هو اتفاق يروّجه كلّ طرف، ويعدّ نفسه "منتصراً"، بلا أي حديث عن الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي تكبّدتها الدول والشعوب منذ 28 شباط/ فبراير 2026 وحتى كتابة هذه السطور، حيث تتواصل بعض الهجمات، خاصةً الإسرائيلية على لبنان، وسط عدم وضوح ما إذا كان الاتفاق سيشملها، ومتى سيبدأ السريان الكامل لوقف إطلاق النار.

طفرة مفاجئة

مساء أمس الثلاثاء 7 نيسان/ أبريل الجاري، وبينما العالم يترقّب ما وصفه البعض بـ"نهاية العالم"، بسبب ما هدّد به ترامب من "نهاية حضارة إيران"، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني، شريف، عبر حسابه في إكس، أنه دعا الوفدين الإيراني والأمريكي للاجتماع في إسلام آباد، يوم الجمعة 10 نيسان/ أبريل الجاري. وأوضح أنّ الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على وقف إطلاق النار "في كل مكان"، بما يشمل جميع الدول والأطراف المتحالفة مع كل طرف منهما.

ترامب وإيران يرى كلّ منهما نفسه "منتصراً" في الحرب، ويعدّ الاتفاق المبدئي على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين فقط، دليلاً على ذلك. لكن هل يصمد هذا الاتفاق؟ وهل تثمر المفاوضات التي تستضيفها إسلام آباد عن اتفاق دائم لوقف إطلاق النار؟

خلال ستة أسابيع، قُتل ما يزيد عن 5،000 شخص في أكثر من ​10 دول، منذ أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران التي ردّت باستهداف العديد من القواعد العسكرية والمواقع المدنية في الدول الخليجية والأردن والعراق، فضلاً عن استهداف عشرات المواقع في إسرائيل.

وكانت التبعات على الاقتصاد العالمي والإقليمي كارثيةً، إذ توقّفت بشكل شبه كلي حركة سلاسل التوريد، بما فيها ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وارتفعت الأسعار واتخذت العديد من الدول إجراءات تقشّفيةً مؤلمةً لتوفير الطاقة.

انتصار لأمريكا؟

من جهته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه وافق على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع إيران، تحديداً قبل نحو ساعتين من انتهاء المهلة التي حدّدها لفتح طهران مضيق هرمز أو مواجهة "الجحيم" واستهداف واسع لبنيتها التحتية المدنية.

وأوضح ترامب أنّ الاتفاق مشروط بموافقة إيران على وقف عرقلتها لإمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، مستدركاً، عبر حسابه في تروث سوشال، بأنه وافق على الاتفاق "لأنّنا حققنا بالفعل جميع الأهداف العسكرية وتجاوزناها، وقطعنا شوطاً ​كبيراً نحو التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن سلام طويل الأمد مع إيران، والسلام في الشرق الأوسط".

وفي اتصال هاتفي قصير مع وكالة فرانس برس، كرّر ترامب أنّ الاتفاق "انتصار ​كامل وشامل، بنسبة 100%". وأضاف: "لا شكّ ​في ذلك".

المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، عدّت أيضاً الاتفاق "انتصاراً للولايات المتحدة حقّقه الرئيس ترامب وجيشنا الرائع… أدّى نجاح جيشنا إلى ​تحقيق أقصى قدر من النفوذ، مما سمح للرئيس ترامب وفريقه بالدخول في مفاوضات صعبة فتحت الباب الآن أمام حل دبلوماسي وسلام طويل الأمد"، وفق تغريدة لها على إكس.

و"انتصار لإيران" أيضاً

أما التلفزيون الإيراني الرسمي، فاحتفى بما وصفه بأنه "تراجع مهين" لترامب، وقبول بشروط إيران. وعدّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الاتفاق بمثابة "انتصار" على الولايات ⁠المتحدة، إذ أكد أنّ ترامب وافق على شروط طهران لإنهاء الأعمال القتالية.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في بيان، إنّ طهران ستوقف الهجمات ​المضادة وتتيح مروراً آمناً عبر مضيق هرمز "من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية، ومع مراعاة القيود الفنية".

شروط إيران و"مصلحة" أمريكا

باعتراف ترامب، ستبدأ المفاوضات المرتقبة في إسلام أباد بمناقشة شروط إيران العشرة التي وصفها بأنها "أساس عملي للتفاوض"، مرجّحاً "وضع اللمسات ​الأخيرة على الاتفاق وإتمامه" خلال فترة وقف إطلاق النار التي تستمرّ أسبوعين.

وبحسب تقارير إعلامية متقاربة، إيرانية وإسرائيلية وعالمية، تتضمن الخطة الإيرانية المقترحة 10 بنود تتمحور حول نقاط أساسية خلافية عدة أبرزها: استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، انسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، وقف الهجمات على إيران وحلفائها، الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، وقرار من مجلس الأمن الدولي يجعل أي اتفاق ملزماً لجميع الأطراف.

ومن البنود المهمة التي تداولتها وسائل الإعلام الإيرانية "موافقة إيران على التفاوض بشأن معاهدات سلام ثنائية ومتعددة الأطراف مع دول المنطقة"، ما قد يعني أنها لا تستبعد عقد "معاهدة سلام" مع إسرائيل في سياق أوسع يشمل دولاً أخرى. وكان لافتاً أيضاً أن ضمّنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية، في نسختيها الفارسية والعربية، بند "اعتراف أمريكا بحق إيران في التخصيب"، بينما غاب في النسخة الإنكليزية، وفق ما أوضحت "الغارديان"!

وتشير التفاصيل المتداولة إلى أنّ الخطة المقترحة تمنح إيران وسلطنة عمان الحق في فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار أمريكي على السفن العابرة للمضيق، على أن تستخدم طهران الرسوم المخصّصة لها في إعادة إعمار البنى التحتية التي دمّرتها الحرب، وفق ما صرّح به مسؤول إقليمي اشترط عدم ذكر اسمه لوكالة أسوشيتد برس.

هذا البند الذي من شأنه أن يُنهي عقوداً من الاعتماد على المضيق كممر مائي دولي حرّ للعبور، يتوقع أن يُقابَل برفض دول الخليج العربي التي يمرّ نفطها عبره، والتي كلّفتها هذه الحرب كثيراً. لكن ترامب يبدو مستفيداً من هذا البند حيث صرّح بأنّ القوات الأمريكية سيكون لها دور في تنظيم المرور عبر الممر، وأضاف: "سيتم جني أموال طائلة، ويمكن لإيران أن تبدأ عملية إعادة الإعمار".

برغم التأكيدات على شمول اتفاق وقف إطلاق النار أسبوعَين "كل مكان" في المنطقة، تماطل إسرائيل وترفض وقف حربها على لبنان. فهل تتمسك طهران بوقف الحرب على لبنان؟ وهل يؤدّي تعنّت إسرائيل إلى تخريب الهدنة؟

ضبابية موقف لبنان وتحايل نتنياهو

فور الإعلان عن الاتفاق، أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق -وهو مصطلح يشير إلى جميع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في البلاد- تعليق عملياتها في العراق وفي أنحاء المنطقة لمدة أسبوعين.

كما نقلت رويترز عن مصادر مقرّبة من حزب الله اللبناني، أنّ الأخير لن يقوم بهجمات ضد إسرائيل، التزاماً بالاتفاق، برغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

لم يكن هناك ذكر علنيّ للبنان ووقف الحرب عليه كشرط لاستمرار الاتفاق. لكن الشروط المتداولة نصّت على أنّ شرط وقف الاعتداء على إيران "وجماعات المقاومة المتحالفة معها" وكذلك "سريان مبدأ عدم الاعتداء ليشمل جميع المعتدين ضد كل جماعات المقاومة".

وفيما قال إنّ حكومته ملتزمة بالاتفاق الأمريكي لضمان أن يتوقف التهديد النووي الإيراني مستقبلاً، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التهرّب من الالتزام بوقف إطلاق النار على جبهة لبنان، حيث نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عنه، صباح اليوم الأربعاء، قوله إنّ وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان.

يتناقض هذا كلياً مع تأكيد رئيس الوزراء الباكستاني، على أنّ الاتفاق يشمل جميع الجماعات المنخرطة في الحرب.

كما أكد مسؤول إقليمي شارك في المفاوضات، وطلب عدم كشف هويته، لـ"أسوشيتد برس"، أنّ لبنان مشمول في الاتفاق.

إمعاناً في هذه المماطلة، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيراً لسكان جنوب لبنان، موضحاً أنه يواصل أنشطته العسكرية في المنطقة.

من جهته، دعا الجيش اللبناني سكان الجنوب إلى التريث وعدم العودة إلى منازلهم وقراهم الآن بسبب استمرار الاعتداءات والهجمات الإسرائيلية.

يُذكَر أن الحرب الإسرائيلية على لبنان أدّت إلى نزوح وتشريد 1.2 مليون شخص، فضلاً عن مقتل ما يزيد عن 1،500.

وجدير بالذكر أيضاً، أنّ زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، هاجم الاتفاق ووصفه بأنه "كارثة سياسية لم نشهد مثلها في تاريخنا"، عادّاً أنّ إسرائيل لم يؤخذ "أمنها القومي" بعين الاعتبار لدى اتخاذ هذا القرار.

في حال نصّ الاتفاق النهائي، كما هو متداول، على بند دفع رسوم للمرور عبر هرمز، وكان للأمريكيين "دور" في العملية، بحيث يحصلون على "منفعة" أو "مقابل مجزٍ"، فقد يبدو "صفقةً رابحةً" كما يرغب ترامب دائماً. لكن إنهاء عقود من الملاحة الحرّة والعبور المجاني عبر المضيق لن يروق لدول الخليج على الأرجح

لماذا الآن؟ وهل يصمد الاتفاق؟

أعلن ترامب عن الاتفاق قبل أقل من ساعتين على انتهاء الهدنة التي حدّدها لتدمير الجسور ومحطات الطاقة في إيران، وبشكل مفاجئ للجميع. ولدى سؤاله عما إذا كان سيعود ‌إلى ⁠تهديداته بتدمير محطات الكهرباء والجسور في إيران إذا انهار الاتفاق، أجاب ترامب "فرانس برس": "سيكون عليكم الانتظار لتروا".

لكنّ مراقبين يرجّحون أنّ ترامب اضطر إلى وقف إطلاق النار بسبب انخفاض شعبيته إلى أدنى مستوياتها بالتزامن مع اقتراب حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، ما يهدّد حزبه الجمهوري بخسارة أغلبيته الضئيلة.

وفي حال نصّ الاتفاق النهائي على بند دفع الرسوم للمرور عبر هرمز، وكان للأمريكيين "دور" في العملية، بحيث يحصلون على "منفعة" أو "مقابل مجزٍ"، فقد يبدو "صفقةً رابحةً" كما يرغب ترامب دائماً.

في غضون ذلك، نقلت وكالة رويترز عمّن وصفته بـ"مصدر مطلع على المحادثات"، حذره إزاء قدرة اتفاق وقف إطلاق النار على الصمود لمدة أسبوعين حيث لفت إلى أنّ المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أنّ إيران ربما تحاول كسب الوقت، معتبراً الاتفاق بمثابة "تدريب على بناء الثقة".

بدوره، توجّه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى الخليج، اليوم الأربعاء، لدعم وقف إطلاق النار، موضحاً أنّ الاتفاق "يجلب لحظة ارتياح للمنطقة والعالم"، لكن المهم هو تحويله إلى "اتفاق دائم".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile