باكستان التي نجحت حيث فشل الآخرون... ماذا كسبت من الهدنة الأمريكية الإيرانية؟

باكستان التي نجحت حيث فشل الآخرون... ماذا كسبت من الهدنة الأمريكية الإيرانية؟

سياسة نحن والتنوّع

الأربعاء 8 أبريل 20268 دقائق للقراءة

استفادت إسلام أباد من توازنات دقيقة وشبكة علاقات معقدة تربطها بأطراف الحرب في الشرق الأوسط، لقيادة مفاوضات شديدة الحساسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت منح العالم بأسره -إذا ما استثنينا لبنان الذي يعاني وحيداً تحت طائلة القصف الإسرائيلي الوحشي- فرصةً لالتقاط الأنفاس. لكنها في المقابل، ضمنت لنفسها قبل أطراف الصراع والعالم، الكثير من المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية.

فبينما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مساء 7 نيسان/ أبريل الجاري، التوصّل إلى اتفاق مبدئي على وقف إطلاق النار "في كل مكان" في الشرق الأوسط، وهو ما أكده لاحقاً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصبح الدور الباكستاني ونجاح هذه الوساطة محل الكثير من التساؤلات عن العوامل التي قادت إلى نجاحها، وعن قدرة باكستان على استكمال المفاوضات بالنجاح نفسه للوصول إلى اتفاق دائم لوقف الاعتداءات المتبادلة في المنطقة، وهو ما يسعى هذا التقرير إلى الإجابة عنه.

لم تكن الوساطة مجرد خيار بل كانت أقرب إلى ما يمكن وصفه "دبلوماسية الضرورة" حيث سعت باكستان إلى منع انهيار اقتصادها المتضرر من نقص الوقود وتعثر قرض إماراتي، ولحماية أراضيها من امتداد الحرب ونزوح محتمل لإيرانيين

ماذا نعرف عن الوساطة الباكستانية؟

تنخرط باكستان في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ بدايتها. وتقول وكالة رويترز إنّ البلد الآسيوي الذي يمتلك قوةً نوويةً معلنةً، يعوّل في ذلك على "دورها التاريخي كوسيط" حيث شارك في وساطة دبلوماسية ‌غير معلنة أدّت إلى قيام الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بزيارة الصين في عام 1972.

وتضيف أنها لعبت على حبل العلاقة مع البلدين، أمريكا وإيران، والمصالح الإقليمية، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن باكستان لم تستفد من علاقاتها مع ترامب وإيران فحسب، بل أيضاً من علاقتها وتقاربها مع الصين، أكبر شريك تجاري لإيران، ودول الخليج التي تضرّرت كثيراً من الحرب خاصةً السعودية.

علاقة مزدهرة مع ترامب

دور باكستان يندرج ضمن مساعيها لإقامة علاقات ودية مع الرئيس ترامب، وفي الوقت نفسه يُعدّ تتويجاً للعلاقات معه والتي تطوّرت منذ حربها القصيرة مع الهند في أيار/ مايو 2025، وهذا ما تراه رويترز، مشيرةً إلى أن هذه العلاقات تصاعدت "طوال أكثر من عام عبر ممارسة دبلوماسية بارعة وإبرام اتفاقات متعلقة بالعملات المشفرة".

ليس هذا فحسب، بل دعمت باكستان جهود ترامب للتوسط في السلام مع الهند، ورشّحته لنيل جائزة نوبل للسلام 2025، وأشادت علناً مراراً وتكراراً بجهوده في "صنع السلام". كذلك، احتفظ قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، بعلاقة وثيقة مع ترامب.

وانضمت باكستان إلى "مجلس السلام" الذي شكَّله ترامب وأعلن عنه خلال مؤتمر دافوس الأخير. وبحسب معهد إسلام أباد لأبحاث السياسات (IPRI)، يُعدّ انخراط باكستان في هذا المجلس "فرصة وتحدياً في آنٍ واحد: فالمشاركة تتيح منصة لدعم إعادة إعمار غزة والدفاع عن المصالح الفلسطينية، بينما تتطلب في الوقت نفسه موازنةً دقيقة لضمان التوافق مع التزام باكستان بالتعددية والنظام الدولي الذي تتمحور حوله الأمم المتحدة".

فضلاً عما سبق، أبرمت باكستان اتفاقاً مع شركة عملات مشفرة مرتبطة بعائلة ترامب لاستخدام عملتها في المدفوعات عبر الحدود.

روابط متينة مع إيران

لا تقلّ الروابط الباكستانية الإيرانية متانةً عن علاقة باكستان بأمريكا ترامب، إذ تمتلك باكستان حدوداً مع إيران بطول 900 كيلومتر في مناطقها الجنوبية الغربية، وهي حدود حساسة حيث إنها متاخمة لإقليم بلوشستان (جنوب غربي البلاد) الذي يشهد تمرداً مستمراً منذ عقود، وتربطهما روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة. وباكستان موطن لثاني أكبر تجمع ​سكاني من المسلمين الشيعة في العالم بعد إيران.

كما كانت إيران أول دولة تعترف بباكستان لدى استقلالها عام 1947. لاحقاً، اعترفت باكستان بالجمهورية الإسلامية عام 1979 بعد الثورة على نظام حكم الشاه. ومنذ انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران في ⁠1979، تستضيف السفارة الباكستانية في واشنطن البعثة الدبلوماسية لطهران في الولايات المتحدة.

وليس أدلّ على هذه العلاقة المتينة من موافقة إيران على مرور 20 سفينةً باكستانيةً مضيق هرمز حتى قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت.

وبشكل عام، تمثّل باكستان لإيران وسيطاً أكثر حياديةً من الوسطاء المحتملين الآخرين مثل قطر التي تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها. كما تفوّقت الوساطة الباكستانية على الوساطة العمانية بعدما لعبت السلطنة هذا الدور لسنوات، لكنها فقدت الميزة هذه المرة.

فوائد جمّة لباكستان

مبعث هذه الوساطة ليس وقف الحرب لعلة العلاقات المتينة مع أطرافها فحسب، حيث تستفيد باكستان كثيراً وبشكل مباشر من إنهاء الحرب، وهي فوائد اقتصادية وأمنية وجيوسياسية.

فبينما يتحقّق لها اتصال مباشر مع واشنطن وطهران، في ميزة لا تتمتع بها غالبية الدول الأخرى، ينعكس إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز على وارداتها الكبيرة من النفط والغاز الطبيعي المسال، والتي تمر عبره. وكانت وكالة بلومبيرغ قد ذكرت قبل أيام أن إسلام أباد تواصلت مع تجار السلع العالميين، بشكل منفصل، لمعرفة ما إذا كانت لديهم سفن يمكنها عبور مضيق هرمز مؤقتاً تحت العلم الباكستاني.

كما أن خطر امتداد حرب طويلة الأمد في إيران إلى ⁠باكستان كان أحد أكبر مخاوف إسلام أباد التي تخوض بالفعل صراعاً مع حركة طالبان الأفغانية وتواجه أيضاً ضغوطاً اقتصادية داخلية بسبب انقطاع إمدادات الوقود بسبب الحرب، وهو ما دفعها قبل أيام إلى إلغاء الدعم الشامل للوقود ورفعت أسعار الديزل والبنزين لمساعدة الحكومة على تجاوز الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

وفضلاً عن المخاوف من نزوح الكثير من الإيرانيين إليها، وقّعت باكستان ​اتفاق دفاع مشترك مع السعودية، في أيلول/ سبتمبر 2025، والذي كان سيدفعها إلى الانخراط في الأعمال العسكرية إذ ما اضطرت السعودية ودول الخليج إلى هذه الخطوة.

يساهم الاتفاق بين إيران وأمريكا، وإن لفترة قصيرة للغاية وإن كان مهدداً بالانهيار، في ارتفاع مكانة باكستان عالمياً وزيادة نفوذها الجيوسياسي إلى مستويات لم تصل إليها منذ عام 1972

عامل لا يقلّ أهميةً دفع باكستان إلى هذه الوساطة الحرجة، وهو فشلها في التوصل إلى اتفاق مع الإمارات لتجديد قرض بقيمة 3 مليارات دولار، ما تسبّب في انخفاض بنحو 12% من احتياطياتها من العملات الأجنبية، وفاقم الضغط على عملتها بعد عامين من الاستقرار، في حين هدّدت اضطرابات إمدادات الطاقة العالمية إلى ارتفاع التضخم في الاقتصاد الباكستاني.

في المقابل، يمنح وقف إطلاق النار باكستان فرصة تخفيف الضغوط الاقتصادية فضلاً عن العديد من الفوائد الجيوسياسية.

ماذا يعكس الاتفاق عن الدور الباكستاني؟

يساهم الاتفاق بين إيران وأمريكا، وإن لفترة قصيرة للغاية وإن كان مهدداً بالانهيار، في ارتفاع مكانة باكستان عالمياً وزيادة نفوذها الجيوسياسي إلى مستويات لم تصل إليها منذ عام 1972.

ووفق بلومبرغ، يعكس هذا الاتفاق المؤقت "حجم الدور المحوري الذي لعبته باكستان في المساعدة على تهدئة الصراع الذي أودى بحياة الآلاف وأدى إلى أزمة طاقة تُنذر بدمار اقتصادي أوسع".

أما نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في ​معهد كوينسي بواشنطن، آدم وينشتاين، فقال لرويترز إن باكستان باتت "تتمتع بمصداقية غير عادية كوسيط إذ تُبقي على علاقات عملية مع واشنطن وطهران في حين أن تاريخ العلاقات المتوترة مع كل منهما يمنحها مسافة كافية لتعتبر وسيطاً ​موثوقاً به".

ووصف زميل مجلس سياسات الشرق الأوسط في واشنطن، قمران بخاري، للوكالة، استضافة ​باكستان المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بأنه "​تطور كبير في المكانة الإستراتيجية لإسلام أباد"، مردفاً: "بعد ⁠عقود من كونها دولة تعاني من اضطرابات، يبدو أن باكستان تعود للظهور كحليف أمريكي رئيسي في غرب آسيا".

ونقلت بلومبرغ عن الباحث المقيم الأول لشؤون جنوب آسيا في المجلس الأطلسي بواشنطن، مايكل كوغلمان، قوله إن "هذا إنجاز دبلوماسي كبير لباكستان، وإحدى أكبر قصص نجاح سياستها الخارجية منذ عقود. لقد ساهم في تجنب - على الأقل في الوقت الراهن - أحد أخطر الصراعات التي شهدها العالم منذ سنوات".

وأضاف، في منشور عبر السوشال ميديا، أنها "تحدّت أيضاً العديد من المتشككين والرافضين الذين لم يعتقدوا أنها قادرة على إنجاز مثل هذا العمل المعقد والحساس".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile