انهيار متسارع ومتعمد للمعايير القانونية والأخلاقية التي حكمت الحروب منذ عقود، هذا ما نشاهده في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط يومياً على نشرات الأخبار، ومن الأطراف الثلاثة المنخرطين في الصراع: الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل وإيران، إنما بتفاوت واضح.
إن ما سبق يضعنا أمام واقع الحروب اليوم، والذي شاهدناه بقوة في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث تُستخدم البنى التحتية الأساسية كبنك أهداف في خطط العمليات، بعيداً من أي التزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية المنشآت المدنية في كل الظروف.
وفق هذا المنحى، تواجه منظومة القانون الدولي اليوم أحد أقسى اختباراتها، ليس فقط في قدرتها على الصمود في وجه إستراتيجيات تتبنى تحويل المدنيين والمنشآت الحيوية إلى "أدوات ضغط" وبنك أهداف، بل هو اختبار وجودي في معناها وجدواها، في وقت لا تحمل فيه هذه القوانين صفة الإلزامية إلا نادراً، وبعد تصويتات واجتماعات هيئات كبرى، فكيف الحال إذا كانت الولايات المتحدة صاحبة حق الفيتو هي من يرتكبها؟ كيف يمكن في هذه الحالة إدانتها؟ وفي حال إدانتها هل نتوقف عند استحالة عقابها؟
الولايات المتحدة وإسرائيل… جرائم حرب موثقة
في تقرير حديث لـ "كومون دريم" استعرض آراء أكثر من 100 خبير في القانون الدولي حول تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف المنشآت الإيرانية وإعادتها إلى "العصر الحجري"، حذروا من أن هذه الضربات تمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، لا سيما وأن هذه التهديدات لم تقف عند حدود الخطاب السياسي، بل تُرجمت إلى واقع عملياتي يعكس رؤية وزير الدفاع "بيت هيغسيث".
حذر 100 خبير في القانون الدولي في رسالة مشتركة من أن تهديدات الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه تمثل جرائم حرب. كإصدار أوامر "بعدم إبقاء أحد حياً" وقصف المنشآت المدنية والتوعد بقصف الجسور والقطارات
هيغسيث، الذي وصف قواعد الاشتباك التي وضعتها القوانين الدولية الحاكمة للحروب بأنها "غبية"! طالب أيضاً بتغليب "الفتك الأقصى" على ما أسماه بـ "القانونية الفاترة"، كما أكد في منتصف آذار/ مارس الماضي أن القوات الأمريكية لن تمنح "أي رحمة أو شفقة" (No Quarter) للأعداء، وهو ما يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للمادة 8 من نظام روما الأساسي، والتي تحظر بوضوح إصدار أوامر بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة.
ليس هذا فحسب، فهذه السياسات الرسمية الأمريكية، التي تجلت في قصف المدارس والمستشفيات والجسور، والتصريحات سواء التي يصدرها ترامب أو هيغسيث، تتناقض بشكل صارخ مع دليل الحرب الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية نفسها، مما دفع مجموعة من كبار الأكاديميين والمستشارين القانونيين السابقين عبر رسالة نشرها منتدى "جاست سيكيوريني"، وهو منتدى قانوني وسياسي يُعد من أهم المصادر العالمية لتحليل القضايا المتعلقة بالقانون الدولي، وحقوق الإنسان. حذروا من أن الاستراتيجية الحالية للحرب تضرب جوهر اتفاقيات جنيف في العمق، وتشرعن التدمير الممنهج للبنى التحتية التي لا غنى عنها لبقاء السكان، خصوصاً أن ترامب جاهر برغبته في استهداف مراكز الطاقة والكهرباء "لمجرد التسلية"، وهو ما يعكس استهتاراً مطلقاً بمبدأ الضرورة العسكرية والتناسب الذي يمنع مهاجمة المنشآت المدنية التي لا تساهم بشكل مباشر وفاعل في العمليات الحربية.
ولعل رصد الأخبار اليومية منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، يكشف عن نمط استهداف ممنهج للمنشآت المدنية في إيران، تتصدره مجزرة مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب، والتي وقعت في اليوم الأول وخلفت كارثة إنسانية مروعة، ووفقاً للبيانات الصادرة عن منظمة العفو الدولية، فقد استُخدمت في الهجوم تقنية "النقر الثلاثي" المتمثلة في توجيه ثلاث ضربات صاروخية متتالية ومنفصلة لنفس الموقع، حيث استهدفت الضربة الأولى هيكل المدرسة، بينما استهدفت الضربات اللاحقة فرق الإنقاذ والناجين، مما أدى إلى مقتل 175 شخصاً على الأقل، معظمهم من الفتيات الصغيرات اللواتي تراوح أعمارهن بين 7 و12 عاماً.
القصف شمل أيضاً مرافق الرعاية الصحية، ففي حرب الـ 12 يوماً، وخلال شهر حزيران/ يونيو 2025 طالت الهجمات الأمريكية مستشفى الفارابي وجمعية الهلال الأحمر الإيراني، حيث قُتل المسعفون أثناء أداء واجبهم، ليتصاعد هذا الاستهداف في نزاع 2026 ليشمل قصف منشآت حيوية مثل جسر (B1) في كرج الذي يمثل شريان نقل مدني أساسي، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية الموجهة لشبكة القطارات الإيرانية يوم أمس، والتي حذرت السكان من الاقتراب من السكك الحديدية، مما يوضح نية مبيتة لشل الحركة المدنية وإحداث آثار تتجاوز الأهداف العسكرية لتصيب النسيج الاجتماعي والاقتصادي في مقتل.
وإيران ترتكب جرائمها ضد الخليج
وعلى الجانب الآخر، لم تكن العمليات الإيرانية الانتقامية الموجهة ضد دول الخليج بمنأى عن الانتهاكات القانونية الجسيمة، حيث وثقت تقارير "هيومان رايتس ووتش" استهدافاً متعمداً لمنشآت الطاقة، المطارات، المراكز المالية، محطات تحلية المياه، وشبكات تقنية المعلومات في الدول المجاورة.
وثقت "هيومان رايتس" استهداف إيران لمنشآت الطاقة والمطارات والمياه في الخليج كجرائم حرب، فقواعد القانون الدولي "الآمرة" تفرض حماية المدنيين والمرافق الاقتصادية بشكل مطلق.
هنا، لا بد أن نميز قانونياً بين الضربات التي استهدفت القواعد العسكرية، وبين الاستهداف المتعمد للبنية التحتية الاقتصادية التي تخدم ملايين المدنيين، حيث حاولت طهران تبرير هذه الأفعال بأنها "رد بالمثل" على العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، إلا أن هذا التبرير باطل قانوناً بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني "الآمرة".
فالالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين واجبة تجاه الجميع، ولا يجوز التحلل منها بحجة انتهاكات الطرف الآخر، فالقانون الدولي لا يعترف بمبدأ "المعاملة بالمثل" إذا كان الثمن هو استهداف السكان المدنيين أو تدمير المنشآت التي لا غنى عنها لبقائهم، كما حدث في قطاع غزة مع تدمير إسرائيل لكل متطلبات الحياة الضرورية.
كذلك، يعتبر استهداف شركات النفط والبنوك والسفن التجارية اعتداءً صارخاً على "منشآت مدنية" بموجب صفتها الأصلية، ما لم يثبت بالدليل القاطع تحولها إلى منشآت عسكرية تسهم بشكل فاعل في العمليات الحربية، وهو ما فشلت إيران في إثباته قانوناً، مما يجعل هذه الهجمات تندرج ضمن فئة الهجمات العشوائية أو المتعمدة ضد السكان، وهو توجه خطير يساهم في تحويل المنطقة إلى ساحة حرب شاملة بلا ضوابط، حيث يُستخدم المدنيون كرهائن في صراع الإرادات السياسية.
"الوفيات الارتدادية" لقصف المنشآت المدنية
سنجد خللاً بنيوياً في تطبيق قواعد "التمييز"، "التناسب"، و"الضرورة العسكرية"، حيث أدى الاعتماد المفرط للقوات الأمريكية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل نظام (Maven Smart System)، في تحديد الأهداف إلى ما يمكن وصفه بـ "الإبادة التقنية الممنهجة"، فبدلاً من أن يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة دقة الاستهداف، تحول إلى أداة لتبرير تدمير المنشآت المدنية بدعوى الخطأ التقني أو الاعتماد على معلومات استخباراتية قديمة دون مراجعة بشرية كافية، إلا أن التصريحات الرسمية الأمريكية نفسها والتي استبقت التدمير تكشف تناقض الأمر.
وسواء كانت الولايات المتحدة، أو إسرائيل، أو إيران، فإن تبرير استهداف كل ما هو مدني بصبغه بالصبغة العسكرية بات نمطاً ثابتاً في حروب اليوم، ولا تستثنى منها الحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، أو الحرب الإسرائيلية على لبنان.
تدمير محطات الطاقة لا يتوقف أثره عند انقطاع الكهرباء، بل يمتد ليشمل توقف غرف العمليات في المستشفيات، وتعطل ضخ وتحلية المياه، مما يؤدي إلى "وفيات ارتدادية" تفوق بكثير عدد القتلى المباشرين للضربة
تقدم دراسة صادرة عن كلية الحقوق بجامعة كورنيل تحليلاً نقدياً لمفهوم "المنشآت مزدوجة الاستخدام"، محذرة من التوسع غير القانوني في تعريف "الهدف العسكري" ليشمل محطات الكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات المدنية بحجة أنها قد تخدم المجهود الحربي بشكل عارض.
وبحسب الدراسة فهذا التوسع التفسيري يفرغ مبدأ الحماية المدنية من محتواه، ويحول حياة ملايين البشر إلى "أضرار جانبية" مقبولة في حسابات الربح والخسارة العسكرية، وهو توجه يهدد بتقويض صرح القانون الدولي الإنساني بأكمله، فإذا تم قبول تدمير محطة تحلية مياه أو مستشفى لمجرد وجود شك في استخدامها العسكري، فإننا نعود فعلياً إلى شرعية الغاب.
وعلى سبيل المثال، تدمير محطات الطاقة في الخليج من إيران، أو في إيران من الولايات المتحدة، أو في لبنان من إسرائيل، لا يتوقف أثره عند انقطاع الكهرباء، بل يمتد ليشمل توقف غرف العمليات في المستشفيات، وفساد الأدوية، وتعطل ضخ المياه، مما يؤدي إلى "وفيات ارتدادية" تفوق بكثير عدد القتلى المباشرين للضربة، وهو ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تقييم "التناسب" في أي هجوم عسكري.
ما يدمر اليوم ليس المنشآت المدنية فقط، بل مواثيق حقوق الإنسان أيضاً، وعلى حساب كرامة البشر ورفاه المستقبل، باتت هذه الحرب بمثابة توقيع على شهادة وفاة النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، مع تهديد صريح لمستقبل الأمن والسلم الدوليين، واختبار حقيقي ومستعجل لقدرة القانون على فرض سلطته فوق إرادة القادة العسكريين والسياسيين في زمن الحرب.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
