الكنيست الإسرائيلي يقرّ عقوبة

الكنيست الإسرائيلي يقرّ عقوبة "إعدام الأسرى"... من هم المهدّدون بها؟

سياسة نحن والتطرف نحن والحرية

الثلاثاء 31 مارس 20267 دقائق للقراءة


تاريخياً، وربما يجدر القول "نظرياً" لتثبيت المفارقة الساخرة، تُعتبر إسرائيل دولة "ملغية لعقوبة الإعدام" منذ عام 1954، ولم تشهد سوى إعدام شخص واحد بحكم القضاء، هو "أدولف آيخمان" عام 1962، المسؤول الألماني الكبير في الرايخ الثالث إبان الحرب العالمية الثانية، ورئيس جهاز "الغستابو" (الشرطة السرية النازية)، بعد اتهامه بإبادة اليهود في معسكرات الاعتقال.

لذا، يمثل إقرار الكنيست الإسرائيلي يوم أمس الإثنين، 30 آذار/ مارس 2026، للتشريع الذي يسمح بإعدام الأسرى، والمسمى إسرائيلياً "قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين"، تنازلاً عن القيم التي تدعيها إسرائيل، وبه لم يعد الشعار المرفوع منذ الثمانينيات بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" يلقى طرباً في آذان العالم، بل صار أقرب إلى السخرية منه إلى الشعار.

من الذين يشملهم القانون؟

التشريع مر بأغلبية 62 مقابل 48 صوتاً، وهو يفرض أو حتى "يشجع" القضاة على إنزال عقوبة الإعدام شنقاً للمدانين بـ "القتل المرتكب بدافع قومي" أو بقصد "نفي وجود دولة إسرائيل". وبالطبع لم يمر دون أن يثير عاصفة من الجدل على المستويين المحلي والدولي؛ لما يمثله من تثبيت لتهمة "دولة الفصل العنصري" التي حاولت تل أبيب نفيها مراراً، وتكريس للانتقائية العرقية وتآكل للرقابة القضائية، مما يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع المنظومة الأخلاقية للديمقراطيات الليبرالية والاتحاد الأوروبي، والتي طالما ادعت أنها تنتمي إليها، ويجعل من جلسة المحكمة العليا في أيار/ مايو المقبل منعطفاً حاسماً لتحديد مصير هذا القانون ودستوريته بناء على "القانون الأساسي الإسرائيلي".

رغم التزام القانون بمبدأ "عدم الرجعية"، إلا أن أثره الفوري يهدد القضايا القائمة؛ ما يضع نحو 300 أسير فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة والقدس في خطر محدق، كون ملفاتهم لا تزال قيد النظر أمام المحاكم العسكرية، وستخضع قسراً لتعديلات القانون

لكن قبل أي شيء، يجدر التنبيه من الناحية الفقهية القانونية، إلى أن القانون يتقيد بمبدأ "عدم رجعية القوانين الجنائية" (Non-Retroactivity)، والذي يقضي بأن القانون لا يسري إلا على الوقائع التي تلي تاريخ نفاذه؛ وبناءً عليه، لن يُطبق الإعدام على المعتقلين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية أو ارتكبوا أفعالهم قبل إقرار القانون.

ومع ذلك، لا يزال الخوف قائماً حيال "الأثر الفوري والمباشر" للتشريع على القضايا التي لم يتم الحكم فيها بعد، حيث ستخضع كافة المسارات القضائية الجديدة والمستقبلية لهذا التعديل في سلم العقوبات.

يشمل ذلك خطراً محدقاً بنحو 250 إلى 300 أسير فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة والقدس، ممن لا تزال ملفاتهم قيد النظر أمام المحاكم العسكرية؛ إذ يمنح القانون هذه المحاكم -بموجب صلاحياتها الاستثنائية- سلطة إنزال عقوبة الإعدام في القضايا التي تُكيّف بحسب القضاة العسكريين الإسرائيليين كأفعال "إرهابية" أو "ذات طابع قومي"، مما يضع هذه الفئة في مواجهة مباشرة مع عقوبة "لا رجعة فيها"، وأحكام قد تصدر قبل أيار/ مايو القادم، تفتقر إلى ضمانات الاستئناف الجوهرية التي تقتضيها العدالة الجنائية الدولية.

اعتراضات إسرائيلية

وبينما يصور المؤيدون، بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وبدعم من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، القانون كعامل ردع ضروري ورد أخلاقي على أحداث السابع من أكتوبر 2023، تصف منظمات حقوق الإنسان والهيئات الدولية التشريع بأنه "نظام قانوني مزدوج" تمييزي يستهدف الفلسطينيين حصراً بينما يعفي المواطنين اليهود.

وقد سارعت مجموعات حقوقية كبرى، من بينها جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل (ACRI) ومنظمة "عدالة"، لتقديم التماسات إلى المحكمة العليا في غضون دقائق من إقرار القانون، محتجة بانتهاكه للحق في الحياة والمساواة، حيث حددت المحكمة موعداً لجلسة استماع أولية في 24 أيار/ مايو 2026، دون صدور أمر احترازي بتجميد التنفيذ حتى الآن؛ إذ إن بإمكان القضاة الحكم وفقاً له بالإعدام حتى قبل أن تقول المحكمة العليا كلمتها.

تبنت واشنطن موقفاً مؤيداً، وهذا الدعم غير مستغرب ليس لأنها الحليف الاستراتيجي الأبرز لتل أبيب فقط، بل لأنها العضو الوحيد ضمن حلف "الناتو" الذي لا يزال يطبق عقوبة الإعدام.

ويكرس القانون مسارين متميزين لتطبيق الإعدام؛ الأول في المحاكم المدنية داخل إسرائيل والقدس الشرقية، حيث يستهدف القتل العمد بهدف "نفي وجود الدولة" مع "استحداث سرية تامة لهويات المنفذين وحصانة لهم" بحسب النص. أما المسار الثاني فيخص المحاكم العسكرية في الضفة الغربية المحتلة، وفيه تصبح عقوبة الإعدام هي "الحكم الافتراضي" الذي لا يجوز الحيدة عنه إلا في ظروف استثنائية تُسجل رسمياً. كما خفض التشريع سقف الإدانة في المحاكم العسكرية لتصبح بأغلبية بسيطة من هيئة القضاة بدلاً من الإجماع، مع إلغاء ضمانات أساسية بمنع قائد المنطقة من تخفيف الأحكام، وفرض التنفيذ خلال 90 يوماً من الحكم النهائي، وحرمان المتهم من حق استئناف العقوبة.

يزعم المؤيدون للتشريع أن السجن المؤبد فشل في ردع المهاجمين الذين يتوقعون الحرية في صفقات تبادل الأسرى، معتبرين الإعدام "القصاص الأخلاقي الوحيد" والضرورة الأمنية القصوى، مستندين إلى استطلاعات تدعي تأييد 68% من الجمهور الإسرائيلي لهذه الخطوة.

في المقابل، يرى النقاد في القانون "وصمة عار أخلاقية" وأداة للفصل العنصري، مؤكدين أن بند "نفي الدولة" الوارد في التشريع يعمل كفلتر أيديولوجي يعفي الإسرائيليين اليهود فعلياً من القانون. كما يحذر الخبراء من عدم القابلية للتراجع عن الخطأ القضائي، مستذكرين قضية "مائير توبيانسكي" الذي أُعدم عام 1948 بتهمة التجسس لتظهر براءته لاحقاً، ومعتبرين أن نافذة الـ 90 يوماً للتنفيذ تمنع أي فرصة لتصحيح الإدانات الخاطئة.

مخالف للقانون الدولي… هل تكترث تل أبيب؟

وعلى الصعيد الدولي، يُحتج بأن التشريع يخالف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ولوائح لاهاي، حيث يُعتبر التشريع المباشر لسكان محتلين بمثابة "ضم فعلي". كما قوبل القانون بمقاومة مؤسسية داخلية، إذ أعلنت نقابة الأطباء الإسرائيلية امتناع أعضائها عن المشاركة في أي من مراحل التنفيذ، بينما حذرت الأجهزة الأمنية تاريخياً من أن هذا القانون قد يرفع مستوى الخطر على الرهائن والأفراد الإسرائيليين.

يمثل 24 أيار/ مايو القادم، الموعد الحاسم لبت المحكمة العليا في دستورية قانون الإعدام. تكمن خطورة هذا التاريخ في غياب قرار تجميد التنفيذ، ما يفتح الباب لإصدار أحكام "قتل" قبل الجلسة

في موازاة موجة الانتقادات، اتخذت الولايات المتحدة موقفاً مهادناً، حيث صرح ناطق باسم الخارجية الأمريكية بأن واشنطن "تحترم حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها"، معربة عن ثقتها في تنفيذ الإجراءات ضمن "محاكمة عادلة". وبطبيعة الحال يأتي هذا الموقف من الحليف الاستراتيجي الأبرز لإسرائيل والعضو الوحيد في "الناتو" الذي لا يزال يطبق عقوبة الإعدام.

في المقابل، شنت المنظمات الحقوقية هجوماً حاداً؛ إذ طالبت منظمة العفو الدولية بإلغاء التعديلات فوراً، واصفة إياها بـ "استعراض علني للقسوة والتمييز" الذي يرسخ نظام "الأبارتهايد". وأكدت "إريكا غيفارا روساس" من المنظمة أن القانون يسهل الحرمان التعسفي من الحياة ويجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم.

ومن جهتها، شددت منظمة "هيومن رايتس ووتش" على معارضتها للإعدام في جميع الظروف، حيث أشار نائب مديرة قسم الشرق الأوسط "آدم كوغل"، إلى أن هدف القانون هو "قتل المعتقلين الفلسطينيين بشكل أسرع وبرقابة أقل"، معتبراً إياه ممارسة وحشية تفتقر لأدنى ضمانات العدالة.

وأوروبياً، نددت ألمانيا والمفوضية الأوروبية بالطابع التمييزي للقانون الذي يستهدف الفلسطينيين حصراً، فيما وصفه رئيس وزراء إسبانيا بـ "خطوة إضافية نحو الفصل العنصري". وفي بيان مشترك، أعربت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عن قلق بالغ، مؤكدة أن الإعدام عقاب غير إنساني ومهين لا يحقق أي ردع، داعية إسرائيل للتخلي عن هذه الخطط.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile