في اليوم الثامن عشر من الحرب، كنا قد ذهبنا إلى منزل صديقٍ لنا، كانت نوافذه وأُطرها قد تحطّمت وتكسّرت جرّاء هجوم الليلة السابقة، وذلك للمساعدة في إصلاح الأضرار، وكان من المقرر بعد ذلك أن نحتفل بليلة الأربعاء الأخير من العام الإيراني (چَهارشَنبه سوري) في فناء منزله، أي نشعل ناراً ونقفز منها.
بعد الانتهاء من أعمال الإصلاح، بدأ الضيوف يصلون تدريجياً وجلسنا نتبادل الأحاديث. بطبيعة الحال، دارت النقاشات حول وضع البلد في الحرب ومصيرنا. قال أحد الضيوف: "أعتقد أن لدينا مصالح مشتركة مع إسرائيل وأمريكا، وهي رحيل الجمهورية الإسلامية". ردّ صاحب المنزل، الذي لم يكن قد مضى 24 ساعة على صدمته وذعره من أصوات الانفجارات واهتزاز المنزل وتكسّر نوافذه في الليلة السابقة، قائلاً: "كيف يمكن أن تكون لدينا مصالح مشتركة مع مثل هذه الدول المتغطرسة والمعادية التي تسعى إلى تدمير بلدنا والاستيلاء على مواردنا؟".
قال شخص آخر من الحاضرين: "وهل كانت موارد البلاد تُنفق حتى الآن على الناس؟ أُُنفقت كلَّها على السلاح والصواريخ وجيوبهم وجيوب أبنائهم. يجب أن ترحل الجمهورية الإسلامية، بأي طريقة ممكنة". وقال آخر: "كما ترى، لقد مرّ ثمانية عشر يوماً ولم يتأثروا حتى. بل يبدو أنهم يرغبون في أن تطول الحرب. لو كان من الممكن أن يُصلح شيء بالحرب، لما سُمّيت حرباً، بل إنقاذاً وسلاماً. متى شهد التاريخ عمراناً بعد حرب؟".
موجة اليأس من إصلاح سلوك الحكومة في إيران خلقت طريقاً مسدوداً دفع شريحة في المجتمع إلى الاعتقاد بأن إسقاط النظام بأي وسيلة هو الحل
قال من بدأ النقاش: "كل شيء له ثمن، وللخلاص من الجمهورية الإسلامية يجب أن ندفع هذا الثمن". فقال صاحب المنزل: "لو رأيتم الثمن الذي دفعناه البارحة! أمي لم تغمض لها عين منذ تلك الليلة. ومع ذلك، نحن لم نخسر أرواحاً. فماذا عن أولئك الذين كان ثمنهم حياتهم وصحتهم؟ أتمنى حتى لك، رغم رأيك هذا، ألا تعيش الرعب الذي عشناه".
ما جرى تلك الليلة في تلك "القعدة"، كان نموذجاً لحالة المجتمع الإيراني في هذه الأيام، وربما في الأشهر الأخيرة. مجتمع منقسم إلى نصفين، يتشبث بأي خيار بدافع اليأس، فقط من أجل الحياة والحرية وعيش حياة طبيعية بعيداً عن التوترات الاقتصادية والاجتماعية التي بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة. وبسبب أسلوب الحكم على مدى 47 عاماً من قبل الجمهورية الإسلامية، ونهجها الإقصائي وقمعها الواسع للأحزاب والنشطاء السياسيين، لم يتبقَّ الكثير من الخيارات، وكان بروز خيار عودة حكم البهلوي وحلم إيران المزدهرة قبل خمسين عاماً، بدعم من الألعاب الإعلامية خلال العقد الماضي، نتيجةً لذلك لدى الناس وحتى بعض المثقفين.
بعد انتهاء حرب الاثني عشر في حزيران/ يونيو 2025، توقّع كثيرون أن تُقدّر الحكومة تضامن الشعب معها في الحفاظ على الوطن، وأن تهيّئ ظروفاً لراحة الناس، لكن الارتفاع المستمر في أسعار العملة والسلع الأساسية، وتراجع قيمة العملة الإيرانية، وسوء الأحوال الجوية والتلوث، وانقطاع الكهرباء والمياه، وكثيراً من الحرمان والقيود الأخرى، زادت الضغط على حياة الناس الذين جرّبوا كل سبل التفاهم مع السلطة خلال خمسة عقود. وقد أدى ذلك إلى احتجاجات الباعة والتجار في كانون الثاني/ يناير 2026، ثم اندلاع احتجاجات شعبية، لم يكن الرد عليها سوى القمع والرصاص والقتل كما في كل مرة.
كارثة كانون الثاني/ يناير 2026 وما حدث من قمع وقتل خلال يومين فقط، وبقاء عشرات الآلاف من الجثث في أيدي الناس، جعلت فكرة أن الحرب والتدخل الخارجي هما الطريق الوحيد للنجاة أكثر حضوراً. وفي المناظرات التي جرت خلال الشهر والنصف بين تلك الأحداث وبداية الحرب، على منصات مختلفة، كان واضحاً أن موجة اليأس من إصلاح سلوك الحكومة قد خلقت طريقاً مسدوداً، دفع شريحة واسعة من المجتمع إلى الاعتقاد بأن إسقاط النظام بأي وسيلة هو الحل الوحيد لإنقاذ وحدة إيران ومواردها الطبيعية وحياة الناس.
ورأى كثيرون أيضاً أن إنقاذ البيئة ومنع تدمير البلاد لا يحتمل التأجيل، وأنه يجب الانتقال سريعاً إلى مرحلة جديدة. ومع قمع النظام لأي مطالب إصلاحية، بدا أن الخيار الوحيد المتبقي هو طلب المساعدة من الخارج، لأن الناس قد دفعوا بالفعل أعلى ثمن، وهو حياتهم، دون أن يتغير شيء.
أظهر هذا الواقع أن حتى المثقف قد يقبل بالحلول الأقل سوءاً، بما في ذلك عودة نظام أُطيح به قبل 47 عاماً بسبب القمع، لأن الجميع سئموا من العداء للغرب، وغياب الحريات، والضغوط الاقتصادية، ويريدون نظاماً يتعامل مع العالم ويوفر حياة طبيعية.
لم تعد نقاشات المثقفين تختلف كثيراً عن نقاشات الشارع والعائلة. ففي أي منها لم يظهر حل، وكان ذلك دليلاً على سقوط الأمل. مجتمع متناقض، لم يعد يملك ما يقوله. قال البعض لمعارضي رضا بَهلوي إن الحديث عن انتقام دموي يتجاهل ما حدث بالفعل من قتل آلاف في الشوارع. ورأى آخرون أنه إذا كان لا بد من المعاناة، فلتكن على يد جهة أخرى، لأن الحياة تحت هذا النظام أصبحت لا تُحتمل.
امتلأت التجمعات بالخلافات والقطيعة. ومع اشتداد النقاش، اندلعت الحرب، وأصبح المصير أكثر غموضاً. وبعد خمسة أسابيع، ومع تصاعد التهديدات بضرب البنية التحتية، زادت الاتهامات المتبادلة بين مؤيدي الحرب ومعارضيها. قال أحد المعارضين: "أنتم كمن يندم صباحاً على ما فعله ليلاً". وقال آخر: "أنتم لم تكونوا حزينين بما يكفي، لذلك أردتم الحرب".
لكن ما يُغفل في كل ذلك هو انعدام الفاعلية. فنحن، بالنسبة للقوى الكبرى، لا نختلف كثيراً عن الأشياء. لا صوتنا الرافض يصل، ولا المؤيد. نحن نسمع بعضنا فقط، ونبتعد أكثر.
ما يجرى في النقاشات الحميمة في إيران يعكس حالة أوسع من القلق والانقسام، حيث يتداخل السياسي مع اليومي، وتتحول الأسئلة الكبرى إلى خلافات داخل البيوت والتجمعات
وسائل الإعلام الداخلية تتهم المعارضين بإشعال الحرب، وتعرض حتى صوراً لضحايا مع رموز سياسية لتبرير ذلك. وفي نقاش آخر، قال صديق إن الأحداث كانت مخططاً لها لتبرير الهجوم، فردّ آخر بأن هذا المنطق يبرر أي جريمة. وقال ثالث: "حتى لو كان إنجاز الحرب الوحيد هو قتل خامنئي، فهذا يكفي لتهدئة قلوب آلاف العائلات".
وقال آخر: "كل ما فعلته الجمهورية الإسلامية لإضعاف إسرائيل، انتهى بتقويتها". واتهم أحدهم الآخرين بالخيانة، وغادر المكان، لتنتهي الجلسة بالخصام.
يقول إحسان (40 عاماً)، وهو مواطن من طهران يعارض النظام والحرب والتدخل الخارجي، لرصيف22: "أفضل أن أعيش تحت حكم الجمهورية الإسلامية على أن تقرر أمريكا أو إسرائيل مصيري". ويضيف أن ما حدث في دول أخرى يثبت ذلك، "حتى حلفاء أمريكا لم يسلموا من تخليها عنهم".
أما عليرضا (33 عاماً)، الذي غادر طهران قبل الحرب، فيقول إن التوتر في المدن الأخرى أقل، والناس أكثر استعداداً للاستماع لبعضهم، لكن الجميع يتفقون في النهاية على ضرورة الاستمرار في الحياة، على أمل حدوث انفراج، حتى لو لم يشهدوه.
ويضيف أن سبب انخفاض التوتر هو إدراك سكان هذه المناطق أنهم بلا تأثير حقيقي، وأن الضغوط النفسية عليهم أقل. ويرى أن ما يحدث هو نتيجة سياسات امتدت لعقود، وأن الموارد استُنزفت في التسلح، مما أدى إلى هذا الوضع.
وكيانا (25 عاماً)، العاملة في مقهى في طهران، والتي توقف عملها هذه الأيام، تقول لرصيف22: "مهما اختلفنا، لا أحد لنا سوى بعضنا. يجب أن نتعلم التعايش وقبول الاختلاف، لأننا سنستمر في العيش معاً". وتضيف أن ما كان يبدو ثابتاً قد انهار في لحظات، وأن ما يبقى هو هذه الروابط الإنسانية الصغيرة التي ساعدت الناس على الصمود، ويجب الحفاظ عليها.
أصبحت تهمة "خيانة الوطن" هذه الأيام شائعة في إيران، لكن أسئلة أخرى تراود الكثير من الإيرانيين: أي وطن؟ هل هو منفصل عن النظام أم جزء منه؟ كيف يمكن لمن لا يملك شيئاً أن يشعر بالانتماء؟ وكيف يمكنه دعم نظام لم يحمه حتى في أوقات الخطر؟
نتيجة لذلك، لم يبقَ أمام الناس سوى متابعة وسائل إعلام تدفع نحو الحرب. ويبقى السؤال: إلى جانب ماذا يجب أن يقف هذا المتهم بالخيانة؟ وهل يوجد أصلاً موقف صحيح؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
