لوك بين الحبر الأعظم وولاية الفقيه

لوك بين الحبر الأعظم وولاية الفقيه

رأي نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الأربعاء 1 أبريل 20269 دقائق للقراءة

تنتشر في أوساط حزب الله مقولة لافتة تعتبر أن الحبر الأعظم (البابا) في العقيدة الكاثوليكية هو مشابه لولي الفقيه في النظام الإيراني، وفقاً للقواعد التي وضعها الإمام الخميني في كتابِهِ "الحكومة الإسلامية". ولا شك أن هذه المقارنة تهدف إلى تحقيق غاية سياسية من أجل منح نظرية ولاية الفقيه شرعية في النظام اللبناني القائم على التوازن الطائفي. فإذا كانت الطوائف الكاثوليكية على اختلافها تتبع الحبر الأعظم في روما، فإن ذلك يجعل من علاقة اللبنانيين الشيعة الذين يقولون بنظرية ولاية الفقيه مجرد رابطة مع مرجع ديني يوجد في دولة أجنبية.

لا يهدف هذا المقال إلى نقاش الأفكار التي تقوم عليها نظرية ولاية الفقيه ولا إلى تقديم شرح لموقع البابا في الهرمية الكنسيّة كون تلك التفاصيل، على الرغم من أهميتها، لا تدخل في تحليلنا الذي يتوخّى فقط دراسة التداعيات السياسية لكل من المفهومين على الدولة اللبنانية.

فالتشابه بين الحبر الأعظم وولي الفقيه يجد ما يبرّره عقائدياً إذ أن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أن سلطة البابا تستند إلى إرادة إلهية عبّر المسيح عنها عندما جعل من القديس بطرس رئيساً للكنيسة الأولى بحيث تنتقل تلك السلطة إلى خلفائه.

التشابه بين الحبر الأعظم وولي الفقيه يجد ما يبرّره عقائدياً لكن هل تستقيم المقارنة التي يجريها بعض من أنصار حزب الله بين الحبر الأعظم بالنسبة للطوائف الكاثوليكية في لبنان اليوم وولي الفقيه في النظام الإيراني؟ خلاصات مهمة والإجابة متروكة للقارئ الحصيف

وبما أن القديس بطرس كان أول أسقف لمدينة روما، فإن الحبر الأعظم بوصفه أسقفاً أيضاً لتلك المدينة، يحتل الموقع ذاته الذي كان يحتله القديس بطرس بالنسبة للكنيسة، ما يعني أنه يصبح رأس الكنيسة في تجليّاتها الأرضية، ويتمتّع بالعصمة عندما يقوم بتعريف العقائد الدينية بشكل رسمي.

كذلك، تعتبر نظرية ولاية الفقيه التي بلغت خواتيمها الفكرية في العصر الحديث أن الله، عبر النبي محمد، أوجد للأمة الإسلامية قائداً في شخص الإمام علي، وأن سلطته ستستمر في ذريته، ما يفرض على المسلمين طاعته لأن اختيار الإمام ليس مسألة بشرية، كما تقول به النظرية السُنّية في الخلافة، بل هي تعبير عن إرادة الله. مع غيبة الإمام المهدي، أي انسحابه من الحياة الظاهرة، كان لا بد -وفق نظرية ولاية الفقيه- من قيام عالم ديني بممارسة صلاحيات "الإمام المعصوم" بانتظار عودته وفق شروط لا حاجة لنا إلى تفصيلها هنا.

وعلى الرغم من السياق التاريخي الذي يختلف كلياً بين منصب البابا الذي تبلور في القرون الأولى من انتشار المسيحية منذ 2000 عام تقريباً وبين ولاية الفقيه التي ظهرت في القرن العشرين وارتباطها بدولة قومية محدّدة هي إيران. لكن ذلك لا ينفي اعتقاد أتباعهما بأن طاعة الحبر الأعظم أو الولي الفقيه ضرورية، ما ينقلنا مباشرة إلى المجال السياسي حيث يجد المواطن المؤمن نفسه بين واجبين: طاعة الدولة عبر قوانينها الوضعية وطاعة المرجع الديني عبر توجيهاته التشريعية.

فهل المسألة مجرد تعدّد المرجعيات الدينية وتبعيّة المؤمنين من طوائف لبنانية مختلفة إلى سلطات روحية في الخارج، أو أن الحقيقة ستكشف لنا جواباً أكثر إشكالية؟

العودة إلى المفكر الإنكليزي الشهير، جون لوك، تسمح اليوم لنا بتخطّي هذه المقارنة الشكلية بين الحبر الأعظم وولي الفقيه. فبين نهاية عام 1685 وبداية عام 1686، أجاب لوك على سؤال حول الحريات والتعدّد الطائفي في الدولة من خلال كتابة رسالة باللغة اللاتينية تتعلّق بالتسامح الديني، ومن ثم تُرجمت إلى لغات أخرى.

كتب لوك هذه الرسالة خلال فترة من الصراع الديني بين مختلف المذاهب المسيحية التي انتشرت في أوروبا بعد انتشار البروتستانتية بطوائفها المتعددة، وانقسام المجتمعات الأوروبية دينياً، ما أطلق حقبة طويلة من العنف والاضطهاد، وطرح جدّياً مسألة التسامح وكيفية تنظيم علاقة الدولة بالمجموعات الدينية المختلفة في كنفها.

أصبح منطلق لوك لمعالجة تلك الإشكالية من مبادئ الفكر الليبرالي الذي يقبل بالتعددية الدينية اليوم ويقول بحياد الدولة تجاه العقائد التي تتعلّق بالماورائيات إذ يعتبر أن واجب السلطة السياسية ينحصر في تأمين الأمن للأفراد ولا يحق لها التدخّل في معتقداتهم الدينية كون هذه الأخيرة ترتبط بخلاصهم الروحي وسعادتهم الأخروية، وهي أمور تعود إلى الأفراد المسؤولين حصراً عن مصير أرواحهم.

فالدولة من خلال أجهزة الحكم يمكن لها أن تمارس العنف والإكراه من أجل الحفاظ على الأمن وفق قوانين يتوافق البشر على وضعها، لكن المجموعات الدينية لا يمكن لها أن تستخدم إلا المحاججة والإقناع لأن ضمير الإنسان لا يمكن تغييره بالقوة لكن فقط عبر المناقشة الفكرية.

لكن التسامح ليس مطلقاً ولا يمكن أن يشمل جميع المذاهب التي كانت حينها تتنافس في المجتمعات الأوروبية. فلوك كان يكتب في فترة كانت الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أن الملكية الإنكليزية فقدت شرعيتها منذ انفصال الملك هنري الثامن الذي أعلن عام 1534 أن الملك في إنكلترا هو رأس الكنيسة وليس الحبر الأعظم.

لذلك، وجد لوك نفسه أمام معضلة كونه دافع بقوة عن التسامح الديني لأن الاختلاف في العقائد بين المذاهب لا يتعلّق بتنظيم الحياة الأرضية بل يخصّ فقط نظرة الإنسان الماورائية إلى الوجود ومعناه، لكن الكنيسة الكاثوليكية كانت تطعن في شرعية الملك نفسه، أي أن نزاعها بات سياسياً ولا يقتصر على جدل ديني.

أمام هذا الواقع، وفي زمن كانت خلاله الكنيسة الكاثوليكية تعتبر نفسها مخوَّلة الحكم للملوك والأمراء ومخاطبة الرعية مباشرة عبر القول لها إن طاعة السلطة السياسية لم تعد واجبة في حال كان الحاكم "مهرطقاً"، اعتبر لوك أن التسامح لا يمكن أن يشمل أي جماعة دينية تدّعي حقها بخلع السلطة الشرعية انطلاقاً من عقائدها الدينية. فتلك الجماعات تريد فقط أن تستفيد من التسامح كي تكسب القوة الكافية التي ستسمح لها عندما تتمكّن مع الوقت من الانقلاب على السلطة الشرعية بغيّة تحقيق أهدافها.

تابع لوك تحليله ووصل إلى النقطة الفاصلة فقال إن المجموعة الدينية التي تخضع بحكم عقائدها إلى سلطة أجنبية تكون في الحقيقة قد أعلنت ولاءها لأمير أجنبي، ما يعني أن الحاكم في حال تسامحه مع تلك المجموعة سيكون قد أتاح لسلطان أجنبي أن يستقر في بلاده ما قد يؤدّي إلى تجنيد قسم من رعيته كجنود ضد حكومته. ويضيف لوك أنه من العبث التسامح مع تلك المجموعة لأن خضوعها لمرجعية أجنبية تملك حق تهديد المؤمنين بـ"العذاب الأخروي" من شأنه منح تلك المرجعية سلطة سياسية مباشرة داخل الدولة.

وتحليل لوك هو في الحقيقة من تجلّيات بروز فكرة السيادة في الدولة الحديثة. فالسيادة تعني أن السلطة السياسية الوحيدة التي يحق لها ممارسة الإكراه في المجتمع تعود إلى الدولة حصراً، ما يعني أن سلطة الحبر الأعظم كانت لا تتوافق مع مفهوم السيادة إذ من التناقض القبول بوجود سلطة أجنبية مستقلة على أراضي الدولة كون هكذا واقع لا يمكن تخيّله إلا في ظل "الاحتلال" حيث تقف سلطة الدولة عند حدود المنطقة المحتلَّة.

ومن تداعيات موقف لوك هذا أنه موقف شكلي لا يتعلّق بمضمون العقائد التي تقول بها المذاهب الدينية. فلوك لا يهتم بنظرة هذا المذهب أو ذاك إلى الحياة والمبادئ الأخلاقية التي يتم الدفاع عنها ومن هو على صواب من التحية اللاهوتية أو من هو على خطأ، فكل هذا النقاش لا طائل منه لأن الإشكالية تتعلّق بالشكل، أي أن هذه المجموعة تتبع مرجعية أجنبية بغض النظر عن أقوال تلك المرجعية ومضمون تعاليمها.

وهكذا يمكن لنا الآن الوصول إلى خلاصات حول المقارنة التي يقيمها أتباع حزب الله بين البابا والولي الفقيه. فالحبر الأعظم اليوم فقد دوره السياسي الذي كان يدّعي لعبه في العصور الوسطى وهو وإن أراد ممارسة هكذا دور لم يعد يملك الإمكانيات التي تتيح له ذلك لا سيّما مع انتصار الدولة/ الأمة وإعلان سيادتها أي حقّها الحصري في فرض النظام القانوني الذي تريده داخل حدودها.

وهنا يصبح التساؤل بديهياً: هل ولي الفقيه الذي يهتم بمصالح نظام سياسي يحكم دولة مترامية الأطراف في إيران هو مشابه للبابا في دولة الفاتيكان؟ هل خضوع الكاثوليك اليوم في لبنان للحبر الأعظم هو خضوع لأمير أجنبي يمارس سلطاناً سياسياً يهدّد سيادة الدولة اللبنانية؟ هل الحبر الأعظم يقوم بتمويل ودعم شبكة من المجموعات العسكرية المنتشرة في مختلف بلدان الشرق الأوسط؟ هل يقوم بمدّ تلك المجموعات بالسلاح والصواريخ ويأمر بنقل هذا العتاد الحربي عبر الحدود بطريقة تخالف قوانين تلك الدول؟ هل يرسل الحبر الأعظم قادة عسكريين وأمنيين إلى تلك الدول؟ هل يجد الحبر الأعظم في سيطرته على المضائق البحرية وسيلة من أجل منح نظامه السياسي أوراق ضغط في ظل الصراع القائم في المنطقة؟ وهل إنتاج النفط عالمياً يتأثر بقرارات الحبر الأعظم؟

سيادة الدولة الحديثة لا يمكن الحدّ منها إلا عبر مؤسسات الدولة نفسها من خلال الأحكام الدستورية والقانونية النافذة. فلوك، أب الليبرالية الحديثة والحريات السياسية، اعتبر أنه "لا يمكن التسامح" مع كل مجموعة ترى في خضوعها الديني لأمير أجنبي قبولاً بسلطته السياسية أيضاً داخل الدولة

هذه الأسئلة تظهر أن الإشكالية لا تتعلّق بطبيعة سلطة البابا أو الولي الفقيه، وهل هي دينية فقط أو دينية وسياسية وكيفية التفريق بين الديني والسياسي؟، فهذه النقاط النظرية مهمّة وتوجد دراسات لا تُحصى من أجل تقديم جواب وافٍ عنها. الإشكالية هي في مكان مختلف كلياً ويتعلّق اليوم بسيادة الدولة، بكلمات أخرى: هل تتصرّف المرجعية الدينية الأجنبية كأمير أجنبي تؤدّي قراراته إلى المسّ بسيادة الدولة اللبنانية؟ الإشكالية شكليّة وهي لا تأبه بأحقية الصراع وعدالته ومن يدافع عن المظلوم، بل تتعلّق فقط بمن يملك السيادة في الدولة وإلى أي مدى هذه المرجعية الأجنبية تحترم سيادة تلك الدولة.

وعبّر لوك عن هذه النقطة بشكل بليغ إذ قال إن الرأي الخاص لأي إنسان بخصوص قانون ما أصدرته الدولة لا يكفي من أجل نزع الطابع الإلزامي عن هذا القانون أو الإعفاء من التقيّد بأحكامه. فسيادة الدولة الحديثة لا يمكن الحدّ منها إلا عبر مؤسسات الدولة نفسها من خلال الأحكام الدستورية والقانونية النافذة. فلوك، أب الليبرالية الحديثة والحريات السياسية، اعتبر أن كل مجموعة ترى في خضوعها الديني لأمير أجنبي قبولاً بسلطته السياسية أيضاً داخل الدولة، "لا يمكن التسامح معها" لأن ذلك يؤدّي إلى تهديد وحدة المجتمع بسبب المسّ بسيادة الدولة.

فهل، بناءً على ما تقدَّم، يمكن القول إن الحبر الأعظم بالنسبة للطوائف الكاثوليكية في لبنان اليوم هو شبيه بولي الفقيه بالنسبة لأفراد حزب الله الذين يقبلون عقائدياً بنظرية ولاية الفقيه؟ مع الوضع بعين الاعتبار أن العديد من شيعة لبنان لا يعترفون بمرجعية ولي الفقيه في إيران بل يقلدون مرجعيات مختلفة. سؤال أترك إجابته للقارئ الحصيف.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile