*أُنجز هذا التقرير بدعم من أريج.
مع أول خيط للفجر، يدفع إبراهيم باب الغرفة الضيقة التي يتقاسمها مع أربعة آخرين؛ جدرانها مشبعة بالرطوبة كأنها تتنفس "العفن" من زواياها الأربع. في أحد أحياء صفاقس، يخطو نحو الميناء، حاملاً على كتفيه حقيبته القديمة، ويتدلى من يده حذاء صيد مهترئ، كأنه رفيق تعب دائم. يصفعه هواء البحر البارد فيشدّ "ياقة" معطفه، مراقباً قوارب الصيد المتراصة على الأرصفة. يرتطم الموج بحافة الرصيف، في إيقاع ثقيل يُضاعف برودة المشهد، ويوقظ في صدره صباحاً آخر من الانتظار.
حين يرفع إبراهيم -الملقب بـ"البوزيدي" نسبة إلى مسقط رأسه- شبكته من الماء؛ يزداد ثقل كتفه المصاب جراء ما علق بشبكته من نفايات بلاستيكية، تزاحم رزقه من الأسماك. يضاعف معاناته التعرض لأبخرة الملوثات الصناعية، التي تسلّلت نحو رئتيه فخلّفت لديه صعوبات في التنفس.
والبوزيدي شاب في منتصف الثلاثينيات، قضى أعوام شبابه بدراسة الحقوق في صفاقس. كان يحلم بملفات قضايا وقاعات محاكم، لا بشباك مثقوبة وملح يلسع الجروح. لكنّ الديون كانت أسرع من أحلامه، فأغلقت أمامه أبواب الجامعة. لم يعد إلى محافظته منكسراً يبكي حظه، بل ظل في صفاقس يطارد رزقه على حافة البحر، بين نحو 35 ألف صياد ينتظرون نداء الفجر كما لو كان فرصة أخيرة.
في تونس، "لم تعد النفايات البلاستيكية مجرد مكون من مكونات القمامة اليومية، بل صارت عبئاً قائماً بذاته؛ إذ تشكل قرابة نصف إجمالي النفايات في تونس"... فكيف تواجه السلطات هذه الأزمة؟
غير أن الفجر لم يعد وعداً صافياً، بل صار مشهداً مُلبداً بتلال البلاستيك والنفايات الصناعية التي تزحف على ساحل المدينة. وكلما ألقى إبراهيم شبكته في الماء، تعود إليه بأحلام فارغة، ووعد مُأجل برزق قد ضاع وسط النفايات.
مشكلة متفاقمة
لم تعد الأرقام تحتمل التأويل؛ فعلى مدار ثلاثة أعوام ما بين 2021 و2024، تسلّل إلى البحر من الساحل التونسي نحو 17 ألف طن من نفايات البلاستيك، التي تشكل ما بين 54 و70% من إجمالي النفايات على الشواطئ التونسية، وفق دراسة صادرة عن "معهد البيئة المائية" بألمانيا عام 2024.

لكنّ الكارثة لم تبدأ عام 2024، فقبل ثماني سنوات فقط، كان البحر يستقبل سنوياً نحو ثمانية آلاف و500 طن من النفايات البلاستيكية في البحر المتوسط عام 2016، وفق تقرير نشره "الصندوق العالمي للطبيعة" عام 2019. وبين الرقمين يتضح حجم الكارثة: تضاعفت كمية النفايات تقريباً، وما زال البحر يبتلع كل ما يُلقى فيه.
واستجابة إلى أزمة تراكم النفايات البلاستيكية في تونس، صدر عام 2020 أمر حكومي يقضي بحظر أكياس بلاستيكية، من ضمنها، الأكياس ذات الاستعمال الواحد، بالإضافة إلى تنفيذ مشروعات ذات صلة بشراكات دولية؛ مثل إستراتيجية "ساحل خالٍ من البلاستيك" بتمويل من البنك الدولي، عبر صندوق PROBLUE.
انطلق تنفيذ المرحلة الأولى من الإستراتيجية على طول السواحل التونسية عام 2020، ومن المقرر أن ينتهي تطبيق الإستراتيجية كاملة عام 2035.
ورغم البدء بتنفيذ الإستراتيجية، يشير تقرير صادر عن الصندوق العالمي للطبيعة في شمال إفريقيا، في إطار برنامج "تبني شاطئ"، إلى أن "التلوث البلاستيكي قد وصل إلى مستويات مثيرة للقلق على ساحل تونس خلال الفترة بين عامي 2023 و2024". هكذا، يمضي البلاستيك نحو البحر بخطوات أسرع، تسبق محاولات الحد من انتشاره.

يرى مهدي عبدلي، الخبير البيئي والمستشار السابق في وزارة البيئة التونسية، أن النفايات البلاستيكية لم تعد مجرد مكون من مكونات القمامة اليومية، بل صارت عبئاً قائماً بذاته؛ إذ تشكل قرابة نصف إجمالي النفايات في تونس. ويقول إن السكان يستهلكون أكثر من أربعة مليارات كيس بلاستيكي سنوياً. هذا الاستهلاك الكبير لا يضغط على البيئة فحسب، بل يُرهق أيضاً منظومة إدارة النفايات التي لا تتمكن من التصرف إلا في نحو 4% فقط من إجمالي النفايات البلاستيكية.
إستراتيجية على الورق
ترتكز إستراتيجية "ساحل خالٍ من البلاستيك" -كما وردت في وثيقة البنك الدولي بعنوان "إستراتيجية السواحل الخالية من البلاستيك وخطة العمل التنفيذية - تونس"- على الحد من التلوث البلاستيكي في المناطق الساحلية. ولتحقيق ذلك، تقترح الإستراتيجية حزمة إجراءات تبدأ بتحسين جمع النفايات، مروراً بفرزها، وصولاً إلى تعزيز إعادة تدويرها.
أما على مستوى التنفيذ، فتُظهر الجداول الزمنية الواردة في وثيقة البنك الدولي أن المرحلة الأولى من المشروع (2021 و2022)، خُصّصت لتشخيص واقع النفايات البلاستيكية على الساحل.

غير أن وثائق المشروع الصادرة عام 2024، تكشف وجهاً آخر للحكاية. فبينما كانت الخطط تتحدث عن الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً، تُظهر الوثائق تأخراً في تنفيذ الإجراءات المعلنة، مع غياب معطيات واضحة حول خطوات كان يُفترض أن يبدأ العمل بها في العام نفسه.
ويوصي البنك الدولي، للتقدم في تنفيذ الإستراتيجية، بإرساء نظام متابعة وتقييم فعال يواكب مراحل التنفيذ المختلفة، واعتماد مؤشرات قياس التقدم؛ حتى يمكن التحقق من مدى الالتزام بخريطة الطريق، وقياس الأثر الفعلي للإستراتيجية.
وتتعمق الإشكالية أكثر حين يتبين أن الإستراتيجية تعتمد كلياً على منحة البنك الدولي، من دون إرساء آليات تمويل وطنية مستدامة تضمن استمراريتها، فضلاً عن غياب معطيات شفافة بشأن حجم الميزانيات المخصصة، أو آليات تتبعها، ما يطرح أسئلة مُلحة: كيف يُقاس التقدم؟ ومَن يُراقب الإنفاق؟ وهل يُمكن لخطة بلا أدوات مسائلة واضحة أن تصمد حتى عام 2035؟
"بؤرة" بيئية بلا حلول
في صفاقس، لم يكن البحر قبل سنوات "مُتخماً" بالبلاستيك والنفايات كما اليوم. حين بدأ إبراهيم (البوزيدي) رحلته مع الصيد عام 2015، كانت الشباك تعود مثقلة بالسمك لا بالنفايات. لكنّ المشهد تغيّر تدريجياً؛ تراكم البلاستيك والمخلفات الصناعية في المياه، وصارت كل رحلة صيد مواجهة يومية مع شباك مثقوبة ومعدات متضررة.
يصف إبراهيم الوضع قائلاً: "التلوث يقلّل بطبيعة الحال من مداخيل الصيد، ويقتطع من دخل البحارة عموماً، وألقى بنا في أزمة مالية خانقة"، ثم يضيف كمن يستعيد صورة البحر قبل زحف البلاستيك: "لو كان البحر غير ملوث بالبلاستيك والقوارير الملقاة في المياه، لكان الإنتاج وفيراً والصيد أفضل".
ورغم ما يُقال عن خطط ومشروعات، يؤكد إبراهيم أنه لم يسمع فعلياً عن أي مشروع يتعلق بالنفايات البلاستيكية. يختصر إبراهيم الوضع القائم: "التلوث يتفاقم في صفاقس، حتى وإن كان مسؤولو بعض الجمعيات يزورون الميناء، لا توجد مبادرات واقعية للقضاء على هذا التلوث، كل ما يسمعه البحارة مجرد وعود، لا تحرك ساكناً على أرض الواقع".
رغم أن المشروع انطلق في ثمانينيات القرن العشرين؛ بهدف إعادة تأهيل الساحل الصناعي الملوث وتحويله إلى منطقة حضرية متكاملة، لكنّه لم يكتمل حتى الآن.
ويطالب "البوزيدي" بتدخل من الدولة، قائلاً: "نتعب كثيراً في ظروف البرد والمطر، وفي النهاية نعود بكمية قليلة من الصيد لا تكفي حتى لمواجهة المصاريف الأساسية؛ مثل ثمن الوقود والمحروقات، وأجور البحارة؛ لذلك من الضروري على الأقل أن تجد الدولة حلاً لنا حتى نتمكن من العمل في ظروف مريحة، من دون تمزق الشباك أو تلف المعدات".
وفق البنك الدولي، صُنّفت صفاقس "نقطة ساخنة ذات أولوية"، استناداً إلى تحليل 14 مؤشراً بيئياً واجتماعياً واقتصادياً؛ لما تشهده من تراكم الملوثات الساحلية، وحصلت على تقييم بيئي "متدهور" في ما يخص النفايات البلاستيكية.
ويُظهر تحليل صور الأقمار الصناعية Sentinel-2 لشواطئ صفاقس أن عام 2021، الذي تزامن مع تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، شهد ارتفاعاً في حجم التلوث البلاستيكي بنسبة 15%، ليصل إلى 11.36 كيلومتر مربع. وفي المقابل، سجل عام 2025 انخفاضاً طفيفاً في مستويات التلوث مقارنة بعام 2020، إذ بلغت المساحة المتأثرة 7.82 كيلومتر مربع مقابل 9.88 كيلومتر مربع.
يشرح مهدي عبدلي، الخبير البيئي والمستشار السابق في وزارة البيئة التونسية، أسباب تصنيف صفاقس "خليجاً هشاً بيئياً"، فيقول إنه خليج شبه مغلق؛ ما يخلق ضعفاً في التيارات البحرية ويجعل الملوثات تتراكم بسرعة، كما تتأثر مروج الأعشاب البحرية، وحركة المد والجزر بالضغط الصناعي الكبير.
ويضيف الخبير البيئي أن البحر تحول إلى خزان تلوث، ما أدى إلى نفوق الكائنات البحرية واختلال النظام الإيكولوجي.
فيما يرى الخبير الاقتصادي، سفيان وريمي، أن صفاقس تُعدّ ثاني قطب اقتصادي في تونس بعد العاصمة؛ حيث يتمركز بها عدد من الأنشطة الصناعية والتجارية، مضيفاً أن ميناء صفاقس هو الميناء التونسي الأول من حيث تسويق المنتجات السمكية؛ إذا توفر الولاية نحو 45% من القدرات الإنتاجية والتجارية للقطاع على المستوى الوطني.
ولأهمية صفاقس البحرية، أُطلقت -إلى جانب إستراتيجية "ساحل خالٍ من البلاستيك"- مجموعة من المبادرات المحلية والمشروعات التي ترمي إلى الحد من آثار التلوث البلاستيكي المتزايد؛ ففي عام 2022، أُطلقت حملات توعوية وطنية لتطبيق مرسوم "حظر الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد"، شملت مدناً كبرى، من بينها صفاقس، مثل حملة "وقيت نتحمل المسؤولية".
كما يُعدّ مشروع Taparura، الممول -إلى جانب شركاء آخرين- من بنك الاستثمار الأوروبي، مثالاً آخر على التأخيرات المتكررة في التنفيذ منذ عام 2010.
ورغم أن المشروع انطلق في ثمانينيات القرن العشرين؛ بهدف إعادة تأهيل الساحل الصناعي الملوث وتحويله إلى منطقة حضرية متكاملة، لكنّه لم يكتمل حتى الآن.
مَن يتحمل المسؤولية؟
يشير المدير الجهوي لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي بصفاقس، مرسي الفقيه، إلى أن الشريط الساحلي في محافظة صفاقس يواجه تهديدات متزايدة، أبرزها التلوث بأنواعه؛ بما في ذلك النفايات البلاستيكية والمياه الصناعية الملوثة.
هناك فجوة تتسع بين الأهداف المعلنة لإستراتيجية "ساحل خالٍ من البلاستيك" والواقع على الأرض. فبينما تركّز الوثائق على الحملات التوعوية والتواصل، تتراكم النفايات البلاستيكية على السواحل التونسية
ويضيف أن وكالة حماية الشريط الساحلي تعمل على الحد من هذه المخاطر، من خلال تنسيق مستمر مع ديوان الموانئ البحرية؛ لضمان الحد من التأثيرات البيئية من دون المساس بالنشاط الاقتصادي، كما ألزمت المؤسسات الصناعية بإجراء دراسات بيئية، واتباع توصياتها.
سألنا البنك الدولي عن دعم الإستراتيجية التي تقودها الحكومة التونسية، فرد بأنه قد توقف عن دعمها، مضيفاً: "بينما دعم البنك الدولي إعداد الإستراتيجية، فإن تنفيذها يقع على عاتق الحكومة، وتحديداً وزارة البيئة".
فيما لم ترد وزارة البيئة التونسية على أسئلتنا عن أسباب تأخر تنفيذ الإستراتيجية، واستمرار تراكم النفايات البلاستيكية في المواقع المستهدفة.
ثمة فجوة تتسع بين الأهداف المعلنة لإستراتيجية "ساحل خالٍ من البلاستيك" والواقع على الأرض. فبينما تركّز الوثائق على الحملات التوعوية والتواصل، تتراكم النفايات البلاستيكية على السواحل التونسية، ويبقى إبراهيم وغيره من البحارة خارج معادلة الحل.
يجلس إبراهيم على رصيف بمحاذاة الشاطئ، ممسكاً إبرة خشنة، وخيطاً سميكاً بأصابع متشققة من ملح البحر، قد تنزف دماً عند أي ضغط عليها، يرقّع الشباك الممزقة بفعل النفايات البلاستيكية والقطع الخشبية، أو المعدنية الصدئة المتأتية إما من بقايا المصانع، وإما من سفن الهجرة.
وعندما تقل الأسماك بفعل هذا الكم الهائل من التلوث، يستغنى مالكو المراكب عن مجموعة من الصيادين، من بينهم إبراهيم، فيبحث عن مركب آخر يأخذ أحلامه إلى عرض البحر، قبل أن يدفع به إلى الهامش من جديد، ويؤجل حلمه في الزواج والاستقرار المادي والاجتماعي إلى أفق مجهول.
*أسهم في التقرير: عبد الله سكر.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
