المقاومة وجدواها في حوار يوناني منذ 2500 عام

المقاومة وجدواها في حوار يوناني منذ 2500 عام

سياسة نحن والحرية

الثلاثاء 24 مارس 20269 دقائق للقراءة

ينقل لنا المؤرخ الإغريقي الشهير ثوسيديدس (Thucydide) في مؤلّفه الذائع الصيت، "الحرب البيلوبونيزية"، حواراً جرى سنة 416 قبل الميلاد بين البعثة العسكرية التي أرسلتها أثينا إلى جزيرة ميلوس وممثلي سكان هذه الجزيرة. ويعتبر هذا الحوار، الذي ينقله لنا المؤرخ بشيء من التصرّف، مثالاً للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية ولمقاربة سياسية لتوازن القوى لا تقيم وزناً للاعتبارات الأخلاقية.

جرى هذا الحوار في خضم الحرب المستعرة بين أثينا وإسبرطة، ورغبة كل جهة منهما في بسط نفوذها على كامل المدن اليونانية. وكانت جزيرة ميلوس المنعزلة التي تقع في بحر إيجة تنتهج سياسة محايدة في الصراع. لكن أثينا وجدت أن مصلحتها تُحتّم إخضاع هذه الجزيرة من أجل تعزيز سيطرتها البحرية في ظل حربها مع إسبرطة.

يساعد الحوار بين وفد جيش أثينا وحكّام ميلوس نموذجاً مناسب لفهم المنطق الخطابي خلف الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل و"حزب الله"، وتالياً الجدل بين السياسة القائمة على القوة والإكراه، وتلك التي تنطلق من قيم العدالة والقانون…

يشكّل الحوار الذي جرى بين موفدي جيش أثينا وحكام ميلوس نموذجاً صالحاً لتكوين فهم أعمق للمنطق الخطابي الذي يقف وراء الحرب الدائرة بين "حزب الله" اللبناني وإسرائيل راهناً، وتالياً للجدل بين السياسة القائمة على القوة والإكراه، وتلك التي تنطلق من قيم العدالة والقانون.

فأثينا كانت حينها أعظم قوة بحرية مع أسطول بسطت من خلاله سيطرتها على الغالبية الساحقة من جزر بحر إيجة، وقد اتخذت قراراً بإخضاع ميلوس إلى هيمنتها بالقوة إن لزم الأمر، وذلك عبر تجريد بعثة عسكرية ضمّت أكثر من 3000 جندي مقاتل و38 سفينة حربية، بينما ميلوس كانت مدينة صغيرة لا يزيد مجموع سكانها على 3000 مواطن وقدراتها العسكرية هي من الضعف بحيث لا تشكل ندّاً على الإطلاق لأسطول أثينا الجبار.

بعد احتلال الأثينيين لشاطئ الجزيرة، قرّر القائد العسكري إرسال وفد لسكان مدينة ميلوس من أجل إقناعهم بضرورة الاستسلام وحتمية الهزيمة إذ إن الخيار الوحيد المتاح هو إما الخضوع ودفع الجزية لأثينا، لكن مع الاحتفاظ بمؤسساتهم وأرضهم، أو الإبادة الشاملة ومحق وجودهم.

وجرى النقاش بين وفد أثينا والنخبة الحاكمة الثرية في الجزيرة التي قرّرت منع الوفد من التكلّم أمام المجلس الشعبي الذي قد يضم أعضاء يمكن إقناعهم بسهولة أكبر من أجل تجنّب الحرب. فحكّام ميلوس هم من القلة الغنية التي تجد مصلحتها في الحفاظ على استقلال المدينة، مما يعني أن الأثينيين كانوا يعلمون مسبقاً أنهم يفاوضون جهة لن تبدي أي مرونة في التعامل معهم. فمن يفاوض باسم الشعب لا يدافع دائماً عن مصالح وطنه، لكنه أحياناً قد يسعى إلى الحفاظ على مصالحه الخاصة تحت ستار من المبادئ الأخلاقية والاعتبارات المثالية.

بدأ الحوار بإعلان الأثينيين أنهم لن يحاولوا تبرير رغبتهم في السيطرة على الجزيرة من خلال ادعاءات خادعة كحقهم في الحكم لأنهم انتصروا على الفرس في الماضي، أو أنهم يدافعون عن أنفسهم بسبب اعتداء ما ارتكبته الجزيرة، لكنهم بكل بساطة سيحتكمون إلى الواقع لأن الجميع يعلم أن العدالة في هذا العالم توجد بين الذين يتساوون في القوة فقط، فالقوي سيفعل كل شيء يستطيعه بينما الضعيف يتحمّل كل مشقة يتوجّب عليه تحمّلها.

هنا جاء جواب نخبة ميلوس كي يجد ملاذاً له في الأخلاق والعدالة عبر الإشارة إلى أن الجزيرة لا تشكّل خطراً على أحد، وأن مصلحة أثينا تقضي باحترام كل ما يندرج تحت خانة العدالة والقانون لأنها قد تجد نفسها يوماً في موقع ضعف وهي ستحتاج حينها إلى مثل تلك المبادئ للدفاع عن موقفها.

لكن وفد أثينا رفض كل تلك الحجج واعتبر أن التوقّعات المستقبلية لا تعنيه، وهو لا يأبه إلا بالواقع والظروف الراهنة التي تتحكّم بالوضع. فما أمكن تحقيقه آنذاك في ظل الخلل الكبير في توازن القوى بين أثينا وميلوس هو كل ما يعني الأثينيين، لأن القوي يأخذ كل شيء من الضعيف الذي يعطي بدوره كل ما يمكن أن يعطيه.

لكن حكام ميلوس طرحوا سؤالاً بديهياً، فقالوا: ما هي المصلحة في أن نخضع لكم ونفقد استقلالنا فتصبحون أنتم الأسياد ونحن الأتباع؟ مجدداً جاء جواب الوفد الأثيني واقعياً بالكامل: "مصلحتكم أن تخضعوا قبل أن يحل بكم ما هو أسوأ بكثير، ونحن نستفيد أيضاً من عدم تدميركم". وفي محاولة جديدة لإقناع الأثينيين بالتخلّي عن الحرب، أعلن حكّام ميلوس أنه من الأفضل أن تظل جزيرتهم على الحياد بدلاً من أن تصبح عدوة لهم.

لكن وفد أثينا قال إن هذه العداوة هي أقل كلفة عليهم من صداقتهم لكون هذه الأخيرة ستظهر أثينا بمظهر الضعيف، بينما العداوة من شأنها أن تعزّز قوة أثينا في نظر الجميع.

أمام هذا الواقع الذي لا مفرّ منه، عمد حكّام ميلوس مرة أخرى إلى التذرّع بالمثاليات إذ اعتبروا أن الآلهة ستنصرهم لكون قضيتهم محقة أو أن إسبرطة ستأتي لنجدتهم. لكن جواب الأثينيين كان صارماً، فاعتبروا أن الأمل في هذه الحالة هو خطير جداً ويؤدّي إلى التهلكة، لكون الأمل لا معنى له إلا في حال وجود إمكانيات مادية وظروف موضوعية تسمح لصاحبه بالتعويل عليه.

فضعف ميلوس حتّم على أثينا السيطرة عليها من أجل ضمّها إلى إمبراطوريتها، وأي نقاش عن المواثيق والعهود غير مجدٍ نفعاً لا بل إن العدالة نفسها تصبح عندها موضوعاً ثانوياً ومسألة غير مجدية ولا طائل من التذرّع بها.

وذهب حكام ميلوس إلى استخدام حجة مختلفة فاعتبروا أن الشرف يفرض عليهم رفض الخضوع، لكن وفد أثينا قال لهم إن المسألة لا تتعلّق بالشرف وتجنّب عار الهزيمة لكن بالبقاء واستمرارية سكان المدينة.

شعار "هيهات منا الذلة"، بغض النظر عن استخدامه السياسي للتعبئة الجماهيرية، يفقد جدواه إذا صدر في ظل اختلال كبير في موازين القوى، ويتحوّل إلى مجرد خطاب أخلاقي يدغدغ مشاعر المستمع لكنه في المقابل قد يصبح وسيلة للانتحار وازدراء معاناة الإنسان

فالشرف يكون الجائزة والعار العقوبة عندما يكون الصراع بين طرفين يتمتّعان بقوة مشابهة، في حين أن أثينا تتفوّق بأشواط على ميلوس في القوة والخبرة العسكرية والمقدّرات البشرية والأسطول البحري. فالمقاومة تجلب شرفاً عندما تكون النتيجة غير متوقعة، لكن توقّع النتيجة والمعرفة المسبقة أن الهزيمة محتومة تعني أن الإصرار على المقاومة سيقود إلى عار مزدوج: كارثة الهزيمة وعار التهوّر في حرب محسومة النتائج سلفاً.

عقب إصرار حكام ميلوس على رفض الاستسلام، ضرب جيش أثينا حصاراً محكماً على المدينة استمر لأشهر عديدة، ومن ثم باءت كل محاولات ميلوس بكسر هذا الحصار بالفشل مما أرغمها على الرضوخ لاستسلام غير مشروط. فما كان من الأثينيين إلا أن قتلوا كل الرجال في سن القتال وسبوا النساء والأطفال وأتوا بمستوطنين كي يحتلوا الأرض.

يعكس هذا الحوار، الذي نقله ثوسيديدس، حقيقة العلاقات الدولية القائمة على القوة التي لا تقيم وزناً للقانون أو للاعتبارات الأخلاقية. ولا شك في أن هذه المقاربة الواقعية باتت مهيمنة أكثر فأكثر اليوم، وهذا ما بات جلياً بعد الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وتصرفها بشكل لا يعرف أي حدود أو وازع إذ باتت تفرض مشيئها بالقوة وتأخذ كل شيء تريده من دون تردّد.

لكن العبرة من الحوار لا تكمن في الإدانة الأخلاقية لتصرفات أثينا، وهي إدانة سهلة لكونها تعتبر أن الحق لا قوة له بنفسه لكن الحق يعود دائماً إلى الطرف الأقوى، بل مغزى الحوار هو التحذير من الشعارات الجوفاء حول الشرف أو الوطن التي تؤدي إلى رفض القإرار بالواقع وتكون نتيجتها الخراب والمأساة.

فسكان ميلوس كانوا أمام خيار من اثنين: إما الاستسلام أو الفناء، أي إما التضحية باستقلالهم أو التضحية بوجودهم. والخيار الذي كان يدافع عنه ثوسيديدس في الحقيقة عبر منطق الأثينيين هو الخيار الإنساني الذي يريد الحد قدر الإمكان من معاناة الطرفين، معاناة جيش أثينا بخوض حصار طويل يتضمّن تضحيات بشرية أكيدة، ومعاناة سكان ميلوس بإبادتهم وتهجيرهم واستعبادهم.

هذه النزعة الواقعية هي النزعة الإنسانية الحقيقية، بينما تلك التي تشير إلى الآلهة ومساعدة دولة أجنبية أو تلك التي تتحصّن بالشرف والأخلاق والعدالة تصبح أقرب إلى الانتحار لا سيما عندما يكون محرّكها الحقيقي أيديولوجيا. وعبّر وفد أثينا بشكل ثاقب عن هذه المعضلة في نهاية الحوار فقالوا لحكام ميلوس إن قرارهم ينطلق من وهم اعتبار أن المستقبل وما قد يحمله من تطوّرات هو أكثر واقعية من الأمور التي توجد أمام أعينهم آنذاك.

فالخطاب الأخلاقي (والخطاب القانوني أحياناً) هو أكثر نبلاً بلا أدنى شك، ومن الأسهل الدفاع عنه بحماسة لكونه يخاطب النزعة الأخلاقية لدى الشعوب، وهو خطاب ضروري عندما يتم الحكم على أفعال البشر أو الدول. لكن المسألة تصبح مختلفة كلياً عند وجود اختلال كبير في موازين القوى إذ يصبح الحل الإنساني لا بل الأخلاقي هو القبول بالواقع وانتظار ربما تبدّل الظروف من أجل الوصول إلى واقع أفضل.

من ثوسيديدس إلى اليوم، يمكن القول إن الشأن السياسي يصارع كي يتحرّر من التحريض الأخلاقي الذي يريد في الحقيقة تحويل الأخلاق إلى سلاح سياسي من أجل السيطرة على الشعوب

وقد يقول البعض إنها نزعة انهزامية لكن ثوسيديدس شرح لنا أن الخيار الفعلي لم يكن بين المقاومة والاستسلام، لكن بين النجاة والمحافظة على الذات أو الفناء. بل ولا تعني الواقعية إطلاقاً إهمال الاعتبارات القانونية أو الاخلاقية إذ في حال كانت هذه الاعتبارات محترمة لكان بالإمكان التذرّع بها.

فحقيقة هذه الاعتبارات المثالية يجعل منها واقعاً يمكن الركون إليه وفرضه على الجميع. فالنزعة الواقعية التي تفسّر عدم أخذ تلك المبادئ في الاعتبار من أجل المحافظة على الذات هي نفسها التي تدفع من أجل التمسّك بها عندما يكون تطبيقها متاحاً.

وشعار "هيهات منا الذلة"، بغض النظر عن استخدامه السياسي للتعبئة الجماهيرية، يفقد جدواه إذا صدر في ظل اختلال كبير في موازين القوى، كما أنه يتحوّل إلى مجرد خطاب أخلاقي يدغدغ مشاعر المستمع وينمّ عن إحساس حقيقي بالظلم وضرورة نصرة العدالة - بمعانيها الملتبسة والمتعدّدة - لكنه في المقابل قد يصبح وسيلة للانتحار وازدراء معاناة الإنسان كما شرحه لنا ثوسيديدس منذ القرن الخامس قبل الميلاد.

فأولوية السياسة على الأخلاق لا تعني أن العمل السياسي هو عمل غير أخلاقي لكنها تعني، وفقاً لميكافيلي، أن القرار السياسي يجب أن لا يظن أن الاعتبارات الأخلاقية هي وحدها كفيلة بردع الخصم لكون مآل ذلك هو الخسارة الحتمية. فمن ثوسيديدس إلى اليوم، يمكن القول إن الشأن السياسي يصارع كي يتحرّر من التحريض الأخلاقي الذي يريد في الحقيقة تحويل الأخلاق إلى سلاح سياسي من أجل السيطرة على الشعوب.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile