تحاول قاعات السينما في بعض البلدان العربية أن تحظى بجماهيرية لها، وخاصة في ظل أفول الجمهور عن الذهاب إلى السينما بسبب توفر الأفلام على المنصات الرسمية وغير الرسمية من جهة، وارتفاع سعر تذاكر العروض من جهة أخرى، بحيث لم يعد بمقدور العائلات ارتياد السينما بشكل دوري كما كان يحصل سابقاً.
رغم ذلك يبقى لأفلام العيد نكهتها وأهميتها بالنسبة للبعض، كطقس وجزء من الاحتفال بالعيد، وبناء عليه تسعى شركات الإنتاج لتقديم أعمال جذابة للجمهور ذات نهكه عائلية ويفضل أن تكون كوميدية.
من هنا يبدو فيلم "برشامة" وهو أحد أفلام عيد الفطر، فيلماً مناسباً للعرض، سواءً في مصر، البلد المنتج له، أو في دور العرض العربية. وبالمناسبة هو الفيلم العربي الوحيد الذي عرض في دمشق كأحد أفلام العيد.

تدور أحداث الفيلم، كما سنفهم من عنوانه، حول "البرشامة"، وهو مصطلح جرى إطلاقه على الورقة الصغيرة التي يستخدمها الطلاب في الامتحان كوسيلة للنقل والغش منها. يمثل بطولة الفيلم، إلى جانب هشام ماجد، كلّ من ريهام عبدالغفور، باسم سمرة، حاتم صلاح، مصطفى غريب، بالإضافة إلى عارفة عبد الرسول، فاتن سعيد، كمال أبو رية، ميشيل ميلاد، وفدوى عابد.
وقد جاء سيناريو الفيلم من تأليف كلّ من خالد وشيرين دياب، إلى جانب أحمد الزغبي، وأنتجته شركتا "سكاي ليميت" للمنتج أحمد الدسوقي، و"فيلم سكوير" للمنتج أحمد بدوى، بينما تولى خالد دياب إخراجه بنفسه.
تدور أحداث الفيلم حول "البرشامة"، وهو مصطلح جرى إطلاقه على الورقة الصغيرة التي يستخدمها الطلاب في الامتحان كوسيلة للنقل والغش منها
يذكر أن خالد دياب وشقيقته شيرين، وبعد عدة تجارب ناجحة في التأليف، سواءً في الدراما التلفزيونية أو السينمائية، باتا اسمَين معروفَين في عالم الكتابة بالدرجة الأولى؛ فلن ننسى فيلم شيرين دياب الأكثر إشكالية، والذي عرض في مهرجان الجونة السينمائي الدولي بعنوان "أميرة"، والذي أثار حينها زوبعة من النقد ما بين مؤيد ومعارض بسبب حساسية الموضوع.
وقد سبق لخالد أن قام بإخراج بعض من الأعمال التي كان ألّفها نفسه، وهو اليوم يعود ليتصدى لإخراج فيلم كوميدي. فهل استطاع أن يحقق رؤيته ككاتب حين تحول بدوره إلى مخرج، أم أن السيناريو والموضوع الرشيق وأداء الممثلين المتميز كان السبب الرئيسي في نجاح الفيلم؟

كابد خالد دياب كثيراً حتى استطاع أن يجد نجماً مصرياً يوافق على الفيلم، وهذا الأمر قد أقرّ به دياب نفسه، إذ كتب على صفحته في الفيسبوك قائلاً: "أستاذ هشام ماجد اشكرك انك اديتني الفرصة اني اشتغل معاك بداية من اشغال شقة الى برشامة العملين دول اتعرضو رسميا علي نص الوسط الفني و لم يرغب نجم او نجمه ان يشترك فيهم ثم جاء هشام ماجد فتغيرت المعادلة تمام".
وهو ليس التعاون الأول ما بين خالد دياب وهشام ماجد، فقد سبق لهما العمل سوياً من خلال مسلسل "أعمال شاقة"، الذي شارك بكتابته أيضاً خالد دياب مع شقيقته شيرين، وقام بإخراجه.

فلماذا لم يقبل بالفيلم كلّ من عرض عليه، على الرغم من أن الورق جيد ومكتوب بدقة واحترافية، ومليء بالمواقف الكوميدية؟ هل لأن خالد دياب هو المخرج، أو لأن الفيلم يتطرق إلى موضوع ستظهر من خلاله الشخصيات بطريقة كوميدية مبالغ فيها أشبه بـ"الفارس"، وبعيدة إلى حد ما عن الواقع؟
في خضم حديث لي مع أحد النقاد حول مثل هذه النوعية من الأفلام. وكيف ستكون ردة فعل الجمهور منها في مصر تحديداً، أكد لي بما يشبه اليقين أن الفيلم سيسوق نفسه وسينجح، وهو ليس بحاجة لمخرج عبقري، فالجمهور محتاج إلى هكذا فسحة من الضحك. من هذا المنطق أرى أن الفيلم حقق غايته، وحصل على إيرادات عالية وسط تنافس شديد مع باقي أفلام العيد المنافسة، حيث تصدر إيرادات أفلام عيد الفطر وحصد 84.8 مليون جنيه.
أما في دمشق فلم يحقق هذا الفيلم النجاحَ نفسه؛ ليس لأن الفيلم لا يروق لذائقة الجمهور السوري، بل لأن الجمهور نفسه لا يروقه حضور السينما، ولا يهتم بأفلام العيد التي لم تكن يوماً جزءاً من ثقافته، فما بالنا وقد أصبح دخولها يشكل عبئاً مالياً كبيراً عليه.
وبالعودة إلى الفيلم الذي تجري أحداثه خلال قرابة الساعتين، وهو زمن الامتحان الفعلي، ويصور في مكان (لوكيشن) واحد داخلياً، بينما يتخذ عدة أماكن للتصوير الخارجي، فإنه يطرح موضوعاً حقيقياً وصادقاً ربما مرّ به العديد من الطلاب في الدول العربية وليس فقط في مصر، ولكنه اقتصر في إسقاطه على فئة معينة من الممتحنين أو ما يطلق عليه في مصر "منازل" وفي سوريا "ثانوية حرة".
لماذا لم يقبل بالفيلم كلّ من عرض عليه، على الرغم من أن الورق جيد ومكتوب بدقة واحترافية، ومليء بالمواقف الكوميدية؟ هل لأن خالد دياب هو المخرج، أو لأن الفيلم يتطرق إلى موضوع ستظهر من خلاله الشخصيات بطريقة كوميدية مبالغ فيه؟
قدم الفيلم قضيته بطريقة كاريكاتيرية مبالغ فيها إلى حد ما، ليكون فيلماً يعتمد بالدرجة الأولى على الضحك عبر كوميديا الموقف، ولكي لا يكون فيلماً يدفع مشاهديه لاتخاذ نفس الأساليب في الغش بحيث يصبح محرضاً على فعلها، بل كان حقيقة فاضحاً لها؛ فجميع المتقدمين لامتحان اللغة العربية في لجنة الثانوية العامة هم من كبار السن، وليس لديهم أي معلومات عن الامتحان، وكل هدفهم النجاح لتحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، وليس إتمام دراساتهم العليا كما يحصل مع طلاب الثانوية العامة من صغار السن.
كما أن الفيلم بطبيعته لا يعتمد على فكرة البطل الواحد، بل كان اعتماده على البطولة الجماعية، وهو أمر يحسب لصنّاع العمل؛ حيث اختير الأبطال والشخصيات بطريقة مناسبة جداً للدور، بدءاً من كمال أبو رية، الذي كنا لسنوات نشاهده في أدوار رزينة ولأول مرة نراه بشخصية جديدة ومختلفة استطاع تأديتها، مروراً بريهام عبد الغفور، التي باتت "جوكر" في التمثيل، قادرة على تأدية مختلف الأدوار.
أما مصطفى غريب والذي يلعب دور ابن العمدة "العبيط"، فأثبت أنه على صعيد الأداء وحتى اللفظ "كوميديان" قادم بقوة ليحتل مكاناً له في هذا المجال. ويأتي العمدة باسم سمرة ليؤكد مرة أخرى أنه ممثل من طراز رفيع قادر على حمل أي شخصية مهما كانت أبعادها ودوافعها.
من جهته يلمع نجم الفنان حاتم صلاح كممثل كوميدي أيضاً. أما الفنانة عارفة أبو رسول فتقوم بدور جريء لا يمكن المغامرة فيه، لكنها فعلتها ونجحت. ويظهر ميشيل ميلاد بعفويته رغم صغر الدور المكتوب له. وهشام ماجد، والذي اعتبره البعض بطل الفيلم، بات معروفاً أنه ورقة رابحة لأي فيلم، وأن اسمه "بياع في شباك التذاكر"، تشهد على ذلك أفلامه السابقة التي حققت أرباحاً.

لكن فيلم "برشامة"، وبالرغم من كل ما نوهنا له من عناصر النجاح على صعيد النص الجيد، والممثلين الممتازين، والحصول على إيرادات عالية، كان بحاجة، من وجهة نظري الخاصة، لمخرج مختلف يمتلك أدواتاً أكثر حرفية في مثل هذه الأعمال الكوميدية التي تعتمد على الموقف؛ فزوايا التصوير وحركة الكاميرا كانت أضعف من أداء الممثلين، وكانت السبب في فقدنا كمشاهدين لصدق الأداء، واعتباره مبالغاً فيه.
هذا الأمر قد لا يلاحظه الجمهور العادي القادم للسينما بهدف المتعة لحسن الحظ، مع ذلك تبقى صناعة أفلام سينمائية في زمننا الحالي مغامرة كبيرة من أصحابها وخاصة المنتجين منهم.
الجدير ذكره أن خالد دياب كان قد تخرج من كلية الفنون الجميلة قسم العمارة، ثم اتجه إلى دراسة الغرافيك، وبعد ذلك عمل فترة بالتدريس في الجامعة الأمريكية، لتبدأ علاقته بالسينما من خلال تأليف فيلم "ألف مبروك" عام 2009، بالاشتراك مع شقيقه الكاتب والمخرج محمد دياب، ليشارك بعدها في العديد من الأعمال من أبرزها "الجزيرة 2"، "بلبل حيران"، واشتباك.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
