مع اقتراب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط من إكمال شهرها الأوّل، لا يزال الجيش الإسرائيلي يحشد المزيد من قواته قرب الحدود مع لبنان، وينفّذ عمليات توغّل برّي داخل الأراضي اللبنانية.
منذ بدء الحرب الإسرائيلية الراهنة على لبنان، في 2 آذار/ مارس 2026، كرّر عدد من المسؤولين الإسرائيليين تهديدات بشأن السيطرة على أجزاء من جنوب لبنان لإنشاء "منطقة عازلة"، وإبعاد مقاتلي حزب الله إلى شمال نهر الليطاني.
لكن التوغّل البرّي الإسرائيلي والتحرّكات الإسرائيلية في الجنود عادةً ما يلفّها الغموض، وربما يحرص الجيش الإسرائيلي على ذلك، ضمن سياسة الحرب النفسية التي يشنّها لإثارة رعب الأهالي وإبعادهم عن البلدات الجنوبية.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية غائبةً تماماً عن المشهد دون أن تُعلم اللبنانيين بما يجري على الصعيد الميداني، في ظلّ ما يعلنه حزب الله يومياً عن تصدّيه للتوغلات الإسرائيلية، دون أن يشارك بدوره اللبنانيين عموماً والنازحين منهم على وجه الخصوص، ما يجري في بلداتهم وأراضيهم، وما إذا وقعت تحت سيطرة إسرائيل.
3 محاور للتوغّل و6 نقاط إستراتيجية لإحكام سيطرتها جنوب الليطاني... كيف تسعى إسرائيل إلى تحقيق حلم "المنطقة العازلة" في جنوب لبنان؟ وإلى أين وصل توغّلها البري؟
لذا تكثر التساؤلات عن مستوى تقدّم القوات الإسرائيلية في الجنوب، وهل حقاً سيطرت على "عمق ثماني كيلومترات" كما زعمت تسريبات إعلامية، آخرها زعم أنّ وزير الدفاع اللبناني، ميشال منسى، أبلغ الحكومة بذلك؟ أو أن هذه المعلومات تبقى حكراً على أهل السلطة دون مشاركتها مع المواطنين، في ظلّ غياب تامّ لأيّ بيان رسمي أو تحديثات من الوزارات المعنية للّبنانيين عموماً وأهالي البلدات الحدودية التي تحصل فيها اشتباكات وتوغّلات على وجه الخصوص؟
كيف كان الوضع قبل الحرب الراهنة؟
قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان، أي خلال الفترة الفاصلة بين الحربين، ظلّ الجيش الإسرائيلي يسيطر على خمس نقاط إستراتيجية على طول الحدود مع لبنان، هي: تلة اللبونة في القطاع الغربي وتطلّ على الناقورة (تبعد 300 متر عن الحدود)، وجبل بلاط في القطاع الأوسط (تبعد كيلومتراً واحداً عن الحدود)، وتلة العويضة في القطاع الشرقي (تبعد أيضاً كيلومتراً واحداً عن الحدود)، وتلة الحمامص في القطاع الشرقي (كيلومتر واحد عن الحدود)، وتلة العزيزية في القطاع الشرقي أيضاً (تبعد أيضاً كيلومتراً واحداً عن الحدود)، بالإضافة إلى مزارع شبعا التي كانت قد احتلتها عام 1967 ولم تنسحب منها عام 2000. أي أنها كانت تسيطر عملياً على شريط يتراوح عمقه بين كيلومتر واحد إلى 2 كيلومتراً كحدّ أقصى.
واستحدثت إسرائيل عدداً من المواقع العسكرية داخل الأراضي اللبنانية وحصّنتها معلنةً أنها لن تنسحب منها أكثر من مرة. فضلاً عن ذلك، لم يتوقّف القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان وغيره من المناطق، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. فظلّت إسرائيل تسيطر على قرى الحافة الأمامية عسكرياً، وإن لم تتواجد فيها قواتها طوال الوقت، واكتفت بعمليات توغّل بين الحين والآخر لتفجير منازل أو اختطاف مواطنين أو إنشاء سواتر ترابية. كما استهدفت الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الدولية أكثر من مرة، ولم تفارق مسيّراتها سماء الجنوب.
أكثر من ذلك، منعت إسرائيل المواطنين من العودة إلى بعض القرى، ومن إعادة إعمار بيوتهم التي هُدمت في الحرب، واستمرّت اعتداءاتها على المنازل والقرى والسيارات كأنّ الحرب لم تتوقّف.
محاور التوغّل الإسرائيلي
منذ الأيام الأولى للحرب الجارية، لا تدّخر إسرائيل فرصةً للتوغّل إلى أكبر عمق ممكن داخل الأراضي اللبنانية. وطوال الأسابيع الثلاثة الأولى، تواردت الأخبار بشأن وقوع اشتباكات من المسافة صفر بين الجيش الإسرائيلي وعناصر حزب الله في القرى الأمامية، مثل الخيام والطيبة والعديسة وعيترون والقوزح ويارون ومارون الراس وعيتا الشعب وغيرها. وهو ما أشارت إليه بيانات الإعلام الحربي التابع للحزب أيضاً.
في الأيام الأخيرة سرّعت إسرائيل من وتيرة توغّلها داخل الأراضي اللبنانية، وانتقلت أخبار الاشتباكات والمواجهات من المسافة صفر في القرى الحدودية، إلى قرى أبعد في الداخل اللبناني مثل دير سريان والقنطرة ودبل، ما يؤشّر على توغّل الجيش الإسرائيلي لمسافة أعمق داخل لبنان. لكن ليس واضحاً إن كان ذلك يترافق مع سيطرة كاملة على القرى الأمامية حيث لا تزال قواته ودباباته تتعرض للاستهداف.
المحور الأول… القطاع الشرقي
في الخيام، التي تبعد عن الخط الأزرق 5 إلى 6 كيلومترات، لا أخبار دقيقة عن سيطرة الجيش الإسرائيلي على البلدة كاملةً برغم وجود قواته فيها، إذ لا يزال يعلن عن تنفيذ غارات تستهدف منازل داخلها، ولا يزال حزب الله يعلن عن استهداف تجمعات للقوات والآليات العسكرية الإسرائيلية داخل أحياء البلدة حيث تنفّذ تفجيرات للمنازل وعمليات تحصين خاصةً في الحيَّين الجنوبي والشرقي للبلدة وفي وسطها مع استمرار قصف الحيّين الشمالي والغربي بالغارات والمدفعية.
وفي بلدة الطيبة حيث كانت الاشتباكات والمواجهات تدور من المسافة صفر داخل أحياء البلدة، تشير آخر الأخبار إلى سيطرة القوات الإسرائيلية عليها وتوغلها في البلدات المحيطة بها والتي تقع خلفها، مثل دير سريان والقنطرة وصولاً إلى وادي الحجير دون أن تتمكن من دخول الأخير حتى اليوم.
آخر أخبار الاشتباكات على هذا المحور تأتي من دير سريان والقنطرة، حيث أفاد الإعلام الحربي لحزب الله بأنّ مقاتليه أوقعوا القوات الإسرائيلية المتوغلة في البلدة في "كمين محكم" بالصواريخ الموجهة، والتحموا معها وجهاً لوجه قرب مسجد البلدة. وتكرّر الأمر في بلدة دير سريان حيث اندلعت الاشتباكات من المسافة صفر في محيط المدرسة الرسمية وبركة البلدة.
وتبعد القنطرة عن الحدود اللبنانية مسافةً تتراوح بين 4 و5 كيلومترات عن الخط الأزرق، وهي المسافة التي تفصل الأخير عن بلدة دير سريان التي تقع إلى الشرق من القنطرة.
المحور الثاني… القطاع الأوسط
أما في القوزح، فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من دخول البلدة، حسب بيانات الإعلام الحربي التابع للحزب، وتوغّلت إلى القرى التي تقع خلفها مباشرةً مثل دبل حيث يتم استهداف الدبابات والتجمعات في محيطها بالصواريخ الموجهة والمسيرات الانقضاضية والصليات الصاروخية، وتستهدف الموقع المستحدث في جبل بلاط المشرف على هذه التموضعات. كما توغلت إلى أطراف بلدة بيت ليف.
إلى ذلك، يتمركز الجيش الإسرائيلي في بعض النقاط في حولا وميس الجبل وعيترون ومارون الراس ويارون، ولا تزال نقاطه تلك تُستهدَف بالصواريخ ومضادات الدروع، كما يعلن حزب الله بين حين وآخر، بينما تغيب الفيديوهات التي كان ينشرها حول ما يقوم به من استهدافات وعمليات عسكرية.
إسرائيل تسعى ميدانياً إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق 5 كيلومترات من الخيام شرقاً إلى الناقورة غرباً، ربما كمرحلة أولى في ظلّ إفصاحها عن نيتها إنشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني أي بعمق 30 كيلومتراً. وهذه المنطقة العازلة تتيح لها -كما تزعم- منع أي تهديد مباشر للمستوطنات الشمالية
وتبعد القوزح عن الخط الأزرق مسافةً تقدّر ما بين 1 إلى 2 كيلومتراً بينما تبعد دبل ما بين 2 و3 كيلومترات وبيت ليف 5 إلى 6 كيلومترات.
المحور الثالث… القطاع الغربي
وفي الناقورة، التي تبعد عن الحدود 3 كيلومترات تقريباً، توغّلت القوات الإسرائيلية إلى داخل البلدة بعد دخولها بلدة علما الشعب، وإلى البياضة وشمع، ولا تزال عرضةً للاستهداف بشكل مستمر.
ماذا نستنتج مما سبق عسكرياً وإستراتيجياً؟ يمكن استنتاج أنّ إسرائيل تسعى ميدانياً إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق 5 كيلومترات من الخيام شرقاً إلى الناقورة غرباً، ربما كمرحلة أولى في ظلّ إفصاحها عن نيتها إنشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني أي بعمق 30 كيلومتراً. وهذه المنطقة العازلة تتيح لها كما تزعم منع أي تهديد مباشر للمستوطنات الشمالية إذ تُعدّ القرى التي تشملها منصات تهديد مباشر، وتالياً السيطرة عليها تمنع إطلاق النار المباشر، بالإضافة إلى أنها إن سيطرت عليها فتشكّل نقاط انطلاق لإنشاء لاحتلال أراض أوسع بغض النظر عن حجة منع تهديد المستوطنات، وتنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى" الذي تتحدّث عنه المعارضة والحكومة في آن.
لم تعلن إسرائيل سيطرتها الكاملة على هذه البلدات والمواقع حتى اللحظة، إذ لا يكفي أن تتواجد فيها لإحكام سيطرتها عليها، فهي تحتاج إلى تأمين القرى والبلدات المحيطة بها والتي دونها تصبح قواتها فيها عرضةً للاستهداف
اليوم، لماذا تُعدّ 6 بلدات من التي تحاول احتلالها حالياً نقاطاً عسكريةً بالغة الأهمية؟
الخيام: هي عاصمة القطاع الشرقي وتقع على تلة مرتفعة (800 متر تقريباً)، تشرف على سهل مرجعيون الإستراتيجي، ما يحقّق للجيش الإسرائيلي إن سيطر عليها عسكرياً فرض سيطرة بالنار على مساحات شاسعة، ويعطيه نقطة مراقبة طبيعية تسمح برصد كافة التحركات العسكرية في السهل وصولاً إلى إصبع الجليل، بالإضافة إلى أنها تتحكم بمفترق طرق حيوي يربط جنوب لبنان بمنطقة البقاع وعمق الداخل اللبناني، مما يجعل السيطرة عليها مفتاحاً لعزل خطوط الإمداد.
الطيبة: تمثّل نقطة ارتكاز لوجستية ومائية مهمة، إذ تقع في موقع متوسط قريب من نهر وتُعدّ نقطة تقاطع محوريةً باتجاه منطقة جنوب الليطاني، وتشكّل تلالها (700-750 متراً)، مثل مرتفع الفقعاني، نقاطاً دفاعيةً حاكمة. إلى ذلك، تضمّ البلدة "مشروع الطيبة" الذي يُعدّ عصب المياه الرئيسي لمعظم قرى الجنوب، مما يعطيها بعداً حيوياً يتجاوز الجانب العسكري.
مارون الراس: أو حارسة الحدود كما تُعرف نظراً إلى ارتفاعها الشاهق وموقعها الملاصق للحدود، فهي تقع على أعلى قمة جبلية على طول الحدود اللبنانية، بارتفاع يصل إلى حوالي 1،000 متر عن سطح البحر، ما يمنح من يسيطر عليها قدرة "السيطرة بالنار" على بلدات بنت جبيل، يارون، وعيترون، بالإضافة إلى كشف مستوطنة "أفيفيم" الإسرائيلية بشكل كامل، وتُعدّ ممرّاً إجبارياً لأي عملية توغل بري في القطاع الأوسط. سقوطها يعني كشف الخطوط الدفاعية الخلفية للقرى المجاورة.
الناقورة والبياضة: الناقورة بلدة ساحلية حدودية تقع في أقصى جنوب غرب لبنان، أي في القطاع الغربي، تتميز بتلال اللبونة التي تشرف على الساحل الفلسطيني ومدينة حيفا، وتمثل نقطة الفصل البرّية والبحرية، وبجانبها تقع البياضة التي تُعدّ المفتاح للسيطرة على الساحل الجنوبي إذ تقع على مرتفع يشرف مباشرةً على الطريق الساحلي الواصل بين الناقورة وصور، والسيطرة عليها تعني عزل الناقورة برّياً عن مدينة صور، وقطع خطوط الإمداد الساحلية، وتشكّل نقطةً حاكمةً تسمح بالضغط على الممرات والطرق والسيطرة بالنار على المحور الساحلي الغربي بالكامل.
القنطرة: وتمثّل عمق الخطوط الدفاعية وتكمن أهميتها في قربها من وادي الحجير الإستراتيجي، وهو ممر وعر وتاريخي للمواجهات البرّية، ويُعدّ الوصول إليها محاولةً للالتفاف والوصول إلى البلدات المطلة على نهر الليطاني، مما يهدف إلى عزل مناطق جنوب شرق لبنان عن بقية البلاد.
إلى الآن، لم تعلن إسرائيل سيطرتها الكاملة على تلك البلدات والمواقع، إذ لا يكفي أن تتواجد فيها لإحكام سيطرتها عليها، فهي تحتاج إلى تأمين القرى والبلدات المحيطة بها والتي دونها تصبح قواتها فيها عرضةً للاستهداف. لكنها تسعى إلى ذلك من خلال عمليات الهدم والتفجير للمنازل التي تنفّذها يومياً ومن خلال استهدافها بغارات جوية بجانب القصف المدفعي.
يُذكر أنّ إسرائيل في حرب تموز/ يوليو 2006، حقّقت تقدّماً ميدانياً بعمق أكبر، لكنها لم تتمكن من البقاء نتيجةً للكلفة العسكرية والبشرية المرتفعة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
