حربٌ بلا ضوابط... العرب أمام تحدّي التحرّك لوقفها ولبنان رهن نتائجها

حربٌ بلا ضوابط... العرب أمام تحدّي التحرّك لوقفها ولبنان رهن نتائجها

رأي نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 16 مارس 20266 دقائق للقراءة

ما يجري في المنطقة لم يعد مجرد حرب كبرى تعكس صراعاً عسكرياً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ولا مجرد جبهة مفتوحة تتجاوز حدود الجغرافيا التي قد يتخيّلها البعض.

المسألة أعمق بكثير من إعادة رسم توازنات إقليمية أو تعديل خرائط نفوذ. ما يجري اليوم يقترب أكثر فأكثر من لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل النظام الدولي نفسه، لأنّ نتائج هذه الحرب لن تقف عند حدود الشرق الأوسط، بل ستفرض قواعد جديدةً للعلاقات بين الدول، وربما تعيد تعريف معنى الحروب في القرن الحادي والعشرين.

مواجهة بلا حدود

الأزمة الكبرى تبدأ من حقيقة أنّ أحداً لم يعد يمسك فعلياً بزمام الأمور. فالمواجهة لم تعد مضبوطةً بحدود واضحة، لا جغرافياً ولا عسكرياً. والأخطر هو ما يُلمَّح إليه أحياناً من احتمال استخدام السلاح النووي. نحن أمام حرب تشبه، في منطقها ومسارها، الحروب الكبرى في التاريخ الحديث، ولا سيّما الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث تمضي المعارك في الميدان حتى النهاية مهما بلغت الكلفة. وهذا يحمل في طياته احتمالات دمار وكوارث إنسانية غير مسبوقة منذ أكثر من سبعين عاماً.

هل في مواقع القرار في واشنطن من يدرك خطورة المسار الذي وصلت إليه الأمور؟ وهل يمكن أن يخرج ترامب على طريقته ليعلن أنه حقّق الانتصار ويفتح باب وقف الحرب وقنوات تفاوض، قبل أن يتحوّل الجميع إلى أسرى منطق القتال المفتوح؟

هذا هو المشهد الفعلي اليوم. هل أراد من بدأ هذه الحرب أن يصل بها إلى هذا الحدّ؟ الأرجح أنّ الجواب هو لا، خصوصاً بالنسبة للطرف الأمريكي، وفق ما يدور همساً في أروقة بعض المؤسسات الرسمية في واشنطن. لكن الأمور وصلت إلى هنا.

الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اليوم تمسّ الاقتصاد العالمي للطاقة بأكمله، أي النظام الاقتصادي الدولي برمّته. فهل تريد واشنطن فعلاً الذهاب إلى هذا الحد؟ وهل الهدف الحقيقي هو ضرب الاقتصاد الصيني بوصفه أوّل المتضررين من أي اضطراب واسع في إمدادات النفط؟

قد يكون ذلك صحيحاً إلى حدّ كبير. لكن ما هو الثمن؟ وهل الولايات المتحدة نفسها قادرة على تحمّل تبعات هذا الخيار، هي التي لا تزال تعتمد، بصورة أو بأخرى، على استقرار أسواق الطاقة العالمية؟ وكيف يمكن الخروج من كل ذلك؟

خيار وحيد؟

عند هذه النقطة، يصبح السؤال: هل هناك فعلاً في مواقع القرار في واشنطن من يدرك خطورة المسار الذي وصلت إليه الأمور؟ وهل يمكن مثلاً أن يخرج دونالد ترامب على طريقته ليعلن أنه حقّق الانتصار ويفتح في الوقت نفسه باب وقف الحرب وإطلاق قنوات تفاوض، قبل أن يتحوّل الجميع إلى أسرى منطق القتال المفتوح؟

لا جواب واضحاً حتى الآن. لكن مجرد تداول هذا الخيار في النقاش السياسي الأمريكي يشير إلى أنّ الرهان عليه لم يسقط بعد، وأنّ هناك من يعتقد بإمكان تحوّله إلى قرار.

أما بالنسبة لإسرائيل، فمن الخطأ اختزال حساباتها في النفط أو في المصالح الاقتصادية فقط. هذه الاعتبارات، على أهميتها، ليست جوهر المسألة بالنسبة لها. فمنذ قيامها، لم تكن حروب إسرائيل حروب موارد فحسب، بل كانت في جوهرها حروباً مرتبطة بفكرة وجودها وأمنها الإستراتيجي. ولأنها كذلك، فإن المضي في الحرب هو خيارها الوحيد ربما، خاصةً مع الأخذ بعين الاعتبار سياسات هذه الحكومة التوسعية وأفكار إسرائيل التاريخية التي يتحدثون عنها، حتى داخل المعارضة نفسها.

الساحة الكبرى

في موازاة ذلك، فإن الدول العربية في موقع بالغ الخطورة والحساسية. دول الخليج لم تطلب هذه المواجهة، لا بل هي فعلاً سعت في مراحل عديدة إلى تجنّبها، لكنها تجد نفسها اليوم الساحة الكبرى التي تدور عليها هذه المعركة من شواطئ الخليج العربي حتى شاطئ البحر المتوسط.

إذا كان التفاوض يقود في النهاية إلى تسوية تُنهي العداء مع إسرائيل، فهل يقبل بذلك حزب الله الذي بنى عقيدته السياسية والعسكرية وسرديته الكاملة على فكرة المقاومة المفتوحة؟ ثمّ هل تقبل إيران أن يُحسم الملف اللبناني بمعزل عن تسوية أشمل تتعلق بها هي أيضاً؟

ولأجل ذلك، فإنّ دور دول الخليج يقتضي أن يخرج من الحالة الدفاعية إلى منطقة أخذ المبادرة -لا باتجاه توسيع الحرب بل نحو وقفها- لأنّ غير ذلك يعني عملياً ترك مصيرها رهناً بنتائج ميدان الصراع. وهذا بدوره قد يقود إلى تكريس الانهيار طويل الأمد في دول المشرق العربي، ويهدّد في الوقت نفسه ما حققته دول الخليج من إنجازات واستقرار خلال العقود الماضية.

صحيح أنّ إيران باعتداءاتها المتواصلة على دول الخليج، تعطّل إمكانية التحرّك العربي، لكن الخطورة الراهنة تقتضي من دول الخليج، برغم الجراح، أن تتخطى كل الاعتبارات والضغط لوقف الحرب، وتالياً وقف التدمير الممنهج لاستقرارها، والعمل على الوصول إلى حلّ مستدام كفيل بنزع فتائل أيّ تفجير مستقبلي، ويضمن الأمن العربي السياسي والاقتصادي على السواء.

المعضلة اللبنانية

لبنان وسط هذا كله يقف في قلب المأزق. المسألة اللبنانية ليست مسألة الاختيار بين الحرب أو التفاوض فحسب. السؤال الأكبر هو: ماذا يعني التفاوض أصلاً؟ وماذا بعده؟ ومن يطبّق ما قد يتم التوصل إليه؟ وهل فعلاً تريد إسرائيل التفاوض؟

في التجارب السابقة للتفاوض العربي-الإسرائيلي، لم يكن الأمر مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات حدودية، بل كان في جوهره انتقالاً من حالة الحرب المفتوحة إلى حالة مختلفة تقوم على إنهاء العداء بوصفه خياراً سياسياً دائماً. وهنا تحديداً تظهر المعضلة اللبنانية الحقيقية.

وإذا كان التفاوض يقود في النهاية إلى نوع من التسوية التي تُنهي العداء مع إسرائيل، فهل يقبل بذلك حزب الله الذي بنى عقيدته السياسية والعسكرية وسرديته الكاملة على فكرة المقاومة المفتوحة؟ ثمّ هل تقبل إيران، التي تخوض صراعها الأوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة، أن يُحسم الملف اللبناني بمعزل عن تسوية أشمل تتعلق بها هي أيضاً؟ وطبعاً، هل يقبل بذلك كُثر في المجتمع اللبناني من الذين يرون أنّ إسرائيل لن تكون إلا عدوّةً ولم تعطِ يوماً أيّ إشارة إلى غير ذلك؟

تسوية أو مواجهة مفتوحة؟

هذا يعيد النقاش إلى إيران نفسها. طهران لا ترى المعركة مجرد صراع على موقع إقليمي، بل تنظر إليها بوصفها معركة وجود. لذا، هي مستعدّة للذهاب حتى النهاية: إما تسوية تضمن لها إنهاء التهديد الإستراتيجي الذي تواجهه على المدى البعيد، أو مواجهة مفتوحة تحدّد نتائج الحرب مآلاتها. وفي الحالتين يشكّل حزب الله جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة.

إزاء ذلك، فإنّ التحدّي الذي يواجهه لبنان يتخطى قدرة القوى المحلية على المعالجة، مهما حاولت. ومع ذلك يبقى الخيار الوحيد المتاح، الذهاب نحو مسار التفاوض، علّه يؤسس لجعل لبنان جزءاً من الحل الأوسع إذا ما حصل، لا مجرد ساحة تُفرض عليها شروطه.

غير أنّ أيّ حديث عن تحويل هذا التفاوض إلى نتائج سيبقى مؤجلاً إلى أن تتوقف الحرب الدائرة مع إيران. وسوى ذلك مجرد أمنيات لا تمتّ إلى الواقع بصلة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Popup Image