3 عوامل تحكم سياسات إسرائيل تجاه لبنان

3 عوامل تحكم سياسات إسرائيل تجاه لبنان

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 25 مارس 20265 دقائق للقراءة

هناك مَن يُفضّل أن يرى الحرب مجزّأةً في الجغرافيا أو في حدود النُقطة التي يقف فيها، وهو ما يحصل في لبنان بشكل خاص، حيث يدّعي البعض ومعهم الحكومة ورئيس الدولة أنّ بإمكان لبنان أن ينأى بنفسه عن هذه الحرب وشرورها لولا وجود حزب الله وموقفه.

مثل هذا الادّعاء قاصر عن الإحاطة بطبيعة الحرب الدائرة وغاياتها ومُشعِلَيْها؛ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تجاوزت هذه الحرب بكثير ما كان معروفاً في النظام الدولي، بما فيه الشرعية والقوانين التي صاغتها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية، لأنّ الحرب الجارية هي أقرب إلى الحروب الدينية كما يتبيّن من الخطابَين الأمريكي والإسرائيلي تحديداً؛ فإنّ فهمها لا يكون باللغة السياسية المتداولة عادةً بين الدول.

ولأنّ الطرفَين اللذين أشعلاها لا يحدّدان لها أهدافاً ولا مخارج، فإنّ الحديث عنها بلغة "الميكانيزم" و"الاتفاقيات" وسجالات لبنان الداخلية يُعدّ مضيعةً للوقت في أحسن حال، ومقتلةً للناس كما هو حاصل.

إسرائيل و"أمريكا ترامب" تستغلّان محنة لبنان الممتدّة لإخضاعه والاستيلاء عليه وعلى غازه المُكتشف والكامن قبالة شاطئه الطويل. وإذا فعلتا فلن يبقى للرئيس اللبناني لتر واحد منه لطهي وجبته

محنة لبنان وغازه

هل حقّاً لم يسمع المسؤولون اللبنانيون تصريحات نتيناهو التي يُؤكّد فيها إصراره على "إٍسرائيل كبرى"؟ ألم يطّلعوا كمسؤولي دولة على خطابات قيادات أمريكية تحفظ لإسرائيل هذا "الحقّ" وتُدافع عنه؟ ألا يُتابعون تصريحات الرئيس الأمريكي الذي يذكر كلّ يوم دولةً يُريد الاستيلاء عليها؟ أو هل يجهل المسؤولون في لبنان طبيعة هذه الحرب والقوى المعنيّة بها وغاياتها، وفي صلبها تغيير خريطة الثروات في العالم بما فيها الثروات قبالة الشاطئ اللبناني؟

صحيح أنّ لدى المسؤولين في لبنان حساباً مفتوحاً ومشروعاً مع حزب الله، وأنّ الثأر كبير. لكن مع هذا يُستحسن أن يفكّروا أبعد من هذه الحسابات؛ ليس لأنها غير مهمّة، بل لأنها لا تعني "الإمبراطورية" الأمريكية إلا بقدر ما تستطيع الأخيرة استغلالها لإحكام قبضتها على المشرق وصولاً إلى الشاطئ الشرقي للخليج. فإسرائيل وأمريكا ترامب تستغلّان محنة لبنان الممتدّة لإخضاعه والاستيلاء عليه وعلى غازه المُكتشف والكامن قبالة شاطئه الطويل. وإذا فعلت فلن يبقى للرئيس اللبناني لتر واحد منه لطهي وجبته.

لا أقول هذا لتبرئة ساحة حزب الله مما أحدثه من ضرر في جسد لبنان وسيادته وماضيه ومستقبله. ولا أعرّف نفسي منذ عقود إلا مناهضاً للحزب وعقيدته وما يُمثّل. والأمر ذاته ينسحب على موقفي من النظام الإيراني ومشروع الهيمنة الذي يعتمده. لكنني على اعتقاد بأنّ هذا الموقف لا طائل منه الآن، وغير ذي أهمّية في حالة التوحّش التي أدخلنا إليها الإسرائيلي والأمريكي.

لماذا يعتقدون أنّ وضعهم "غير"؟

لم يعد الإسرائيلي معنيّاً كما كان بالهدوء على حدوده الشماليّة، ولا في أي حدود، بدلالة ما يقوله الإسرائيليّون أنفسهم في هذه المناطق وما خبروه على جلودهم وأرواحهم. وهو ما اضطرّ القسم القادر منهم إلى مغادرة مستوطناتهم إلى أواسط البلاد في السنوات الأخيرة.

إسرائيل بقيادة اليمين المتطرّف غير معنيّة بأيّ تفاوض ولا مع أيّ طرف سوى مَن يُثبت صموده في وجهها، بل هي معنيّة بإخضاع المشرق وإقامة "إسرائيل الكبرى"، ومعنيّة بمساعدة حلفائها الأمريكيين على وضع اليد فعلياً على موارد هذه المنطقة من ثروات وممرّات وبحار ومناطق إستراتيجية. إسرائيل الراهنة تُريد كلّ شيء محكومةً بالاعتقاد الراسخ لدى نُخبها بأنها تستطيع ذلك بفضل تفوّقها الإستراتيجي على العرب، كلّ العرب، بما في ذلك العرب في الخليج. فهي، حسب وقائع الحرب، لم تستشرهم ولا تراعي مصالحهم ولا أمنهم ولا أي شيء يخصّهم. فلماذا يعتقد مسؤولو لبنان أنّ وضعهم "غير"؟

هي تبتزّهم ليدخلوا الحرب ضدّ إيران، كما تبتزّ لبنان ليدخل في حرب ضد حزب الله. هذا هو دور مسؤولي لبنان في المخططات الإسرائيلية والأمريكية. أمّا الضمانات المقدّمة من دول الخليج، فكان الحريّ أن تعمل في الخليج نفسه. ولا أنسى أن أشير إلى رفض إسرائيل، من وهم القوّة، المبادرة العربيّة مرةً تلو المرّة حتّى بعد أن تبنّتها منظّمة التعاون الإسلامي بما فيها إيران.

سياسات إسرائيل تجاه لبنان محكومة بـ3 عوامل مجتمعة، وفي مناخ كهذا، لم تعد معادلة "قوّة لبنان في ضعفه" تشتغل، ولا يُمكن المراهنة على أيّ ضمانات أو شبكة أمان لأنها غير موجودة بتاتاً

3 عوامل تحكم سياسات إسرائيل

سياسات إسرائيل تجاه لبنان الآن محكومة كغيرها من المسائل بثلاثة عوامل مجتمعة:

الأوّل، الاعتقاد الإسرائيلي بالتفوّق الإستراتيجي المُطلق على العرب في كلّ شيء، ولا سيّما في التكنولوجيا والقدرات العسكرية والسلاح النووي، وهو ما يُمكّن إسرائيل وفق رؤية النُخب فيها من تحقيق حلمها بـ"إسرائيل كبرى" و"عظيمة".

الثاني، مناخ دولي جديد في أساسه غياب أيّ شرعية دولية وحضور القوة والبطش والتطهير العرقي والإبادة كوسائل سياسية في العالم.

أما الثالث، فانخراط إسرائيل التام في الصراع الدولي على الموارد وخطوط الإمداد من موقع مريح كحليفة لأمريكا ترامب التي تعتمد نهج الجريمة المنظّمة من حيث البطش والتقتيل والابتزاز.

في مناخ كهذا، لم تعد معادلة "قوّة لبنان في ضعفه" تشتغل، ولا يُمكن المراهنة على أيّ ضمانات أو شبكة أمان لأنها غير موجودة بتاتاً.

صحيح أنّ هناك مَن يتلهّى في لبنان أو غيره بإمكانية ترحيل شيعة لبنان إلى العراق، أو بأن يأتي نظام الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع لضبط الساحة اللبنانية ـ هكذا كأننا لا رُحنا ولا جئنا - لكن سيناريو كهذا سيُعيد البلاد إلى عام 1976، حين دخل الجيش السوري إلى لبنان واستعمره.

... وبقية الفيلم معروفة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile