يبدأ الأمر دائماً بهزّة صغيرة في الجيب؛ إشعار واتساب أو فيديو "تيك توك" سريع. بضع ثوانٍ يُسمع فيها صوت رجل درزي، يلفظ كلمات نابية في حق النبي محمد. لم يكن التسجيل المتداول قبل نحو عام سوى "هراء سائل" وخفيف، لكنه في سوريا لا يمر كالهباء، بل يسقط كعود ثقاب مشتعل في كثبان من القش اليابس.
في نيسان/ أبريل 2025، لم يكن التسجيل المسيء الذي نُسب إلى شيخ درزي مجرد "كذبة إلكترونية"؛ لقد كان بمثابة "قنبلة عنقودية" انفجرت شظاياها في مدينة حمص، ثم امتدت لتُدمي صحنايا والأشرفية، وصولاً إلى خنق السويداء بتبعات خطاب الكراهية.
الكوميديا السوداء هنا لم تكن في فجاجة التزوير الذي اعترفت به وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية، بل في أن "الحقيقة" التي تكشّفت بعد يومين كانت "جسماً ثقيلاً" فَقَد قدرته على الحركة. لقد طارت الكذبة بجناحي "الغرائز"، بينما زحفت الحقيقة متأخرة خلف جنازات الضحايا الذين سقطوا بسبب التسجيل المسيء والفتنة التي أشعلها، ولم تستطع الحقيقة اللحاق بالكذبة وإيقاف تلك الفتنة.
في بلد مثل سوريا أنهك الصراع الطويل فيه الوعي الجمعي وأنتج ما يشبه "العطالة الذهنية"، تصبح الأكاذيب أكثر قدرة على الانتشار من الحقائق نفسها في ما يمكن تسميته بـ "قانون براندوليني في نسخته السورية الأكثر توحشاً"
ضريبة الحقيقة في بلاد الأوهام
نحن هنا لا نتحدث عن "تضليل إعلامي" عابر، بل عما يمكن وصفه بـ "قانون براندوليني في نسخته السورية الأكثر توحشاً". ينص هذا القانون على أن الطاقة اللازمة لدحض الهراء أكبر بأضعاف من الطاقة اللازمة لإنتاجه. وفي بلد مثل سوريا، أنهك الصراع الطويل فيه الوعي الجمعي وأنتج ما يشبه "العطالة الذهنية"، تصبح الأكاذيب أكثر قدرة على الانتشار من الحقائق نفسها.
لماذا يسهل علينا تصديق أن مقطع فيديو صغير، صُمم ببرنامج بسيط، يعبر عن حالة جماعة سوريا تُعد بمئات الآلاف؛ ويصعب علينا الإنصات وتصديق أن هذا الشريط مُفبرك؟ السر يكمن في ما يسميه علماء الأعصاب بـ "تأثير التأثير المستمر (The Continued Influence Effect - CIE)"؛ عقولنا، التي أرهقها الصراع، توقفت عن البحث عن "الحقيقة المطلقة" لمصلحة "الأمان النفسي". نحن نصدق الكذبة لأنها تُثبت صوابية كراهيتنا، ولأن التراجع عنها يعني انهيار "نظام التشغيل" الوجداني الذي بنيناه طوال سنوات الحرب.
اقتصاد الأكاذيب
ما جرى في تلك الحادثة ليس استثناءً سورياً، بل نموذجاً مكثفاً لظاهرة أوسع. ففي السنوات الأخيرة، وفي سوق الأوهام السورية، الكذبة هي بضاعة مدعومة، لا تحتاج إلى جمارك أو تدقيق أمني، بل "تباع على البطاقة الذكية للغرائز". أما الحقيقة، فهي بضاعة فاخرة تتطلب ترفاً ذهنياً لا يملكه من استُنزفت طاقته في تأمين لقمة عيشه، وقد تملَّكه الخوف على هويته أو طائفته أو قوميته. تحولت الأكاذيب في الفضاء السوري إلى ما يشبه "اقتصاداً معرفياً" كاملاً؛ تنتج فيه الأخبار المفبركة بسرعة، وتُستهلك بسرعة أكبر، بينما تبدو الحقيقة وكأنها سلعة غير مرغوبة وغير قابلة للاستهلاك.
وأنتجت سنوات الحرب الطويلة بيئة مثالية لازدهار هذا الاقتصاد. مجتمع منهك، وإعلام ممزق بين عشرات الروايات، وفضاء رقمي مفتوح بلا ضوابط. في مثل هذه البيئة، لا تحتاج الكذبة إلى أكثر من مقطع فيديو أو جملة قصيرة كي تتحوّل إلى "حقيقة اجتماعية" يتداولها الناس بثقة. أما تفكيكها فيتطلّب جهداً معرفياً مضاعفاً: تحققاً من المصدر، ومقارنة للروايات، وقدراً من الشك المنهجي لم يعد كثيرون مستعدين لبذله.
في سوريا، حيث استنزفت الحرب كل موارد السوريين، لم يتبقَ لدى المواطن "فائض ذهني" للتدقيق في الفيديوهات أو تمحيص الروايات، ولا مساحة للأمان والاطمئنان. الكذبة هنا أشبه بوجبة سريعة تسد جوعنا لليقين.
وهنا بالضبط يعمل قانون براندوليني بكفاءة مرعبة، حيث يعيش المجتمع حالة استنزاف نفسي طويلة، وتميل العقول إلى اختيار الطريق الأسهل، أي تصديق الرواية التي تشبه مخاوفها أو تؤكد كراهيتها.
"أيديولوجيا الاستسهال"
لكن هل يعني انتشار الميل إلى تصديق الأكاذيب، أو الهراء كما سماها براندوليني، أن الغباء منتشر بين الناس؟ قد يغرينا المشهد باستسهال إطلاق تهمة "الغباء الجماعي"، لكن الحقيقة أكثر خبثاً من ذلك. نحن لا نعيش أزمة ذكاء، بل نحن ضحايا "أيديولوجيا الاستسهال"، فالحقيقة خريطة وعرة ومعقدة تتطلب عمليات مكلفة ذهنياً. في المقابل، الهراء أو الكذب هو مادة "سائلة" وسهلة الهضم.
كذلك، تزيد أدوات العصر الحديث في عمق الأزمة. فهي تسيطر على العقلية الجماعية، من خلال التحكّم في ما يصلهم من معلومات وشائعات وقصص، وما يفرضه بعض سوق الإعلام من منهج انتهازي ربحي باستخدام وسائل الشدّ والإثارة، التي لا تلتقي عادة مع قسوة الحقيقة وصعوبتها.
في سوريا، حيث استنزفت الحرب كل موارد السوريين، لم يتبقَ لدى المواطن "فائض ذهني" للتدقيق في الفيديوهات أو تمحيص الروايات، ولا مساحة للأمان والاطمئنان. الكذبة هنا أشبه بوجبة سريعة تسد جوعنا لليقين، بينما الحقيقة تحتاج إلى مطبخ معرفي لم نعد نملك أدواته.
في الوقت عينه، الكذبة تمنح شعوراً بالأمان الكاذب، لأنها تضع الفرد ضمن المجموعة التي تتفق غالباً على تصديق الكذبة، وتقاوم الحقيقة؛ والجماعة كانت وما تزال المصدر الأساسي للشعور بالأمان عند الفرد. لذا، تصديق الوهم ليس نقصاً في الفهم، بل هو لجوء سياسي وعاطفي لغرفة ضيقة ومظلمة نتوهمها واسعة ومضيئة، هرباً من صقيع الحقيقة التي تتطلب منا مراجعة كل ما آمنّا به.
الذكاء يتطلب انتباهاً، والانتباه مورد محدود. عندما يغرق المجال العام بـ"الكذب السائل"، يغرق العقل في حالة من "الإرهاق المعرفي". هنا، لا يتوقف الناس عن التصديق لأنهم أغبياء، بل لأن عقولهم دخلت حالة من الإنهاك الشديد، فيبدأون بتصديق أول معلومة تتقاطع مع عواطفهم لإنهاء حالة الحيرة.
عجز النخب يفاقم الوضع سوءاً
تتضاعف الأزمة عندما لا تتمكن النخب من أداء دورها الطبيعي في مقاومة هذا الانحدار المعرفي. فبدلاً من الغوص في أعماق الحقيقة، وتحليلها، وتفكيك الروايات الزائفة، وتقديم صورة أكثر تعقيداً وصدقاً للجمهور، تنجرف بعض النخب إلى التيار عينه الذي يجرف المجتمع. أحياناً لأنها أصيبت بما أصاب الآخرين من إرهاق معرفي، وأحياناً لأن الحفاظ على مكانتها في فضاء عام مهووس بالانفعال والفوضى يتطلب مجاراة مشاعر الجمهور لا تحدّيها، فسوق الانفعال يشكل مصلحة واضحة للنخب للبقاء في دائرة الأضواء.
وفي حالات أخرى، تختار بعض النخب الطريق الأسهل، وهو الهروب من تعقيد الواقع عبر تبسيطه إلى حدّ الابتذال، أو عبر تحميل المجتمع نفسه مسؤولية كل ما جرى ويجري. فبدلاً من مساءلة السرديات السائدة، تتحول النخبة إلى قاضٍ أخلاقي يوبّخ الناس على "غبائهم" أو "تخلفهم". لكن هذا الاتهام لا يفسر الظاهرة بقدر ما يعمّقها، لأنه يتجاهل أن المجتمعات المنهكة لا تحتاج إلى مزيد من الاحتقار، بل إلى من يساعدها على استعادة قدرتها على التفكير. فالنخبة التي تعجز عن مقاومة الهراء، أو التي تكتفي بالسخرية من ضحاياه، لا تقف خارج الأزمة، بل تصبح جزءاً منها.
قد يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا تنتشر الأكاذيب في سوريا، بل لماذا تبدو الحقيقة أحياناً ثقيلة إلى هذا الحد. فالحقيقة ليست مجرد معلومة صحيحة؛ إنها عملية مؤلمة من مراجعة الذات، وتفكيك الروايات المريحة، والاعتراف بأن الواقع أكثر تعقيداً مما نحب أن نعتقد
وعندما يعجز المجال العام عن إنتاج تفسير عقلاني للأزمة، تملأ الفراغ أكثر الروايات تبسيطاً وقسوة، فتجد هذه الآلية أقصى تجلياتها في السرديات الطائفية والقومية التي اجتاحت الفضاء السوري خلال سنوات الحرب. فمع انهيار الثقة بالمؤسسات وتفكك المجال العام، لجأ كثير من السوريين إلى أكثر التفسيرات بساطة وقسوة: تفسير المأساة عبر هوية جماعية ثابتة.
هكذا ظهرت روايات جاهزة تفسر الكارثة السورية بكلمة واحدة: الطائفة أو القومية. فالنظام الساقط، وفق رواية واسعة الانتشار، لم يكن سوى "نظام علوي"، والعلويون هم من حكموا البلاد وهم المسؤولون عن المأساة. وفي المقابل، ظهرت رواية مضادة تقول إن ما يجري اليوم هو "حكم عربي سني"، وإن السنة العرب هم من يمسكون السلطة. وفي زاوية أخرى من المشهد، تُختصر القضية الكردية كلها في روايتين متناقضتين بالتبسيط المُخِل نفسه: فالعرب، وفق الأولى، هم أصل المأساة الكردية، بينما يرى آخرون أن الأكراد كانوا مجرد حلفاء لبشار الأسد أو مشروع انفصال دائم. وكل هذه السرديات "تُصنع" لخدمة أجندات تفتيتية، وليست مجرد وهم شعبي عفوي.
المفارقة أن هذه الروايات المتناقضة تشترك في بنية واحدة، وهي تحويل مجتمع معقد ومتعدد إلى معادلة بدئية تقوم على هوية واحدة تتحمل كل المسؤولية. فهي ليست تحليلات بقدر ما هي اختصارات ذهنية مريحة؛ فبدلاً من مواجهة تعقيد الدولة السورية وتاريخها السياسي والاجتماعي، وتعقيد الصراع الدولي فوق سوريا وشراسته، يصبح أسهل بكثير اختزال الأزمة في طائفة أو قومية.
أسطورة الطائفة ونقاء الجماعات
هنا تكتمل دائرة ما يمكن أن نعتبره "اقتصاد الأكاذيب". فالرواية الطائفية تعمل مثل الشائعة: بسيطة، وقابلة للتكرار، ومشبعة بالعاطفة. ولا تحتاج إلى أدلة بقدر ما تحتاج إلى جمهور يشعر بالتهديد. وعندما تتلاقى هذه السرديات مع نظرية المؤامرة الكونية – التي تفسر كل حدث بأنه جزء من خطة سرية تديرها قوى غامضة – يتحول الواقع السوري إلى مسرح مكتظ بالوهم، حيث يصبح من الممكن تفسير كل شيء تقريباً، دون الحاجة إلى فهم أي شيء فعلاً.
لكن هذه السرديات لا تعمل وحدها؛ فهي تتغذى على وهم آخر أكثر عمقاً، وهو أسطورة النقاء الأخلاقي للجماعات. ففي المجتمعات التي عاشت صراعات عنيفة وطويلة، تميل كل جماعة إلى إعادة كتابة تاريخها الخاص بطريقة تجعلها ضحية خالصة، وتجعل الآخرين مصدر الشرّ كله. هكذا يصبح من السهل على كل طرف أن يرى نفسه بريئاً بالكامل، وأن يفسر المأساة عبر خطيئة جماعية ارتكبها الآخرون.
في هذه الرؤية التبسيطية، لا يعود هناك مجتمع معقد من ملايين الأفراد، بل مجرد كتل صلبة حيث طائفة تحكم، وأخرى تُظلم؛ قومية تضطهد، وأخرى تُضطهد. تختفي الفروق داخل كل جماعة، وتُمحى التناقضات، وتتحول الهوية إلى تفسير جاهز لكل شيء. لكن هذه الروايات، رغم قوتها العاطفية، لا تفعل شيئاً سوى إعادة إنتاج الدائرة نفسها من سوء الفهم والعداء. فحين يُختزل تاريخ بلد كامل في هوية واحدة، يصبح النقاش حول الحقيقة مستحيلاً تقريباً، لأن الاعتراف بأي تعقيد يعني تهديداً مباشراً للرواية التي تمنح الجماعة شعورها بالأمان.
وهكذا تكتمل دائرة الهراء السياسي حيث نظرية مؤامرة تفسّر العالم، وسردية طائفية تحدّد المسؤول، وأسطورة نقاء أخلاقي تمنح الجماعة "راحة الضمير". في هذه البيئة لا تحتاج الأكاذيب إلى كثير من الجهد كي تعيش؛ فهي تجد دائماً مناخاً عاطفياً يغذيها، وجمهوراً مستعداً لتصديقها لأنها تمنحه تفسيراً بسيطاً لعالم شديد التعقيد، ونخبة تستثمرها في سوق إعلام كبير وصغير شديد التعقيد، تسيّره الصراعات بكل انحيازاتها، وبكل نهمها للربح والسيطرة.
وفي الأثناء، قد يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا تنتشر الأكاذيب في سوريا، بل لماذا تبدو الحقيقة أحياناً ثقيلة إلى هذا الحد. فالحقيقة ليست مجرد معلومة صحيحة؛ إنها عملية مؤلمة من مراجعة الذات، وتفكيك الروايات المريحة، والاعتراف بأن الواقع أكثر تعقيداً مما نحب أن نعتقد. وفي بلد أنهكته سنوات الحرب، يصبح هذا الجهد المعرفي رفاهية نادرة.
في سوريا، عقولنا، التي أرهقها الصراع، توقّفت عن البحث عن "الحقيقة المطلقة" لمصلحة "الأمان النفسي". نحن نصدق الكذبة لأنها تُثبت صوابية كراهيتنا، ولأن التراجع عنها يعني انهيار "نظام التشغيل" الوجداني الذي بنيناه طوال سنوات الحرب
لهذا السبب لا ينتصر الهراء لأنه أكثر قوة من الحقيقة، بل لأنه أخف منها وزناً. فالكذبة فكرة سريعة، سهلة الحمل، قادرة على الطيران فوق الحدود والهويات والانفعالات. أما الحقيقة فهي بناء ثقيل يحتاج إلى صبر وهدوء وفضاء عام يسمح بالتفكير.
ربما لن تختفي الأكاذيب من المجال السوري قريباً. لكن إدراك هذه الآلية هو الخطوة الأولى لكسرها. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب العنف أو الفقر أو الاستبداد، بل أيضاً عندما تفقد قدرتها على التمييز بين ما يريحها نفسياً وما يفسر واقعها فعلاً.
وحتى يحدث ذلك، ستظل الحقيقة في سوريا تسير ببطء كجسم ثقيل، بينما يواصل الهراء الطيران بجناحين خفيفين فوق سماء بلد لم يتعلم بعد كيف يحمي عقله الجماعي من نفسه.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
