ماذا كسبت الصين وروسيا من الحرب على إيران؟

ماذا كسبت الصين وروسيا من الحرب على إيران؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 27 مارس 202615 دقيقة للقراءة

يبدو أنّ الرياح لم تجرِ وفقاً لما تشتهي سفن ترامب وأساطيله الحربية التي حشدها في المنطقة قبل إعلانه ونتنياهو الحرب على إيران.

لم تنجح القوة العسكرية في توجيه ضربة سريعة وقاضية للنظام الإيراني، بل على العكس من ذلك، تمكّنت إيران من تحويل المواجهة العسكرية إلى أشبه ما يكون بحرب استنزاف ورفع تكلفتها الاقتصادية من خلال استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، مما أدّى إلى ارتفاع الأسعار عالمياً.

رافق ذلك تعرّض سلاسل توريد الغذاء على مستوى العالم لاضطرابات واسعة، مما جعل آثار هذه الحرب تتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط لتطال العالم بأكمله.

من جانب آخر، "مصائب قوم عند قوم فوائد". إذ انعكست تلك المواجهة العسكرية بارتدادات إيجابية على روسيا والصين، خاصةً من الناحية العسكرية وخفض التوترات إقليمياً لدى تلك الدول؛ روسيا في أوكرانيا، والصين في شرق آسيا وتايوان. وقد تركّز المجهود العسكري الأمريكي نحو الشرق الأوسط، ونقلت واشنطن معدّات عسكريةً كبيرةً من جنوب شرق آسيا إلى دول الخليج.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ شحنات السلاح الأمريكية إلى أوكرانيا قد وُجّهت إلى منطقة الشرق الأوسط، وصاحب ذلك تخفيف في العقوبات الأمريكية على قطاعات الطاقة في روسيا.

تفتقد التأييد الشعبي الأمريكي والعالمي

"هذه الحرب مكلفة، ولا تحظى بتأييد شعبي أمريكي كامل، وتؤثر بالفعل على أسواق الطاقة العالمية. ونتيجةً لذلك، يشعر صنّاع القرار في العالم بالقلق إزاء تداعياتها الاقتصادية الأوسع نطاقاً، ولا سيما على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي. لقد بدأت فعلياً حرب استنزاف، فقد استهدف النظام الإيراني البنية التحتية الاقتصادية في جميع أنحاء الخليج العربي، ويسعى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، حيث تعرّضت منشآت حيوية للتهديد، وانخفضت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الإستراتيجي. في الواقع، هذه حرب استنزاف تُشنّ عبر الخليج نفسه"، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلوريدا أتلانتيك الأمريكية، وربرت رابيل، في حديثه إلى رصيف22.

إيران مصمّمة على استخدام الخليج العربي كنقطة ضغط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، وتستغلّ عواقب تعطيل اقتصادات الخليج وإمدادات الطاقة كوسيلة ضغط على واشنطن

ويضيف: "إيران مصمّمة على استخدام الخليج العربي كنقطة ضغط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، وتستغلّ عواقب تعطيل اقتصادات الخليج وإمدادات الطاقة كوسيلة ضغط على واشنطن. استجابةً لتضييق أسواق الطاقة، تُشير التقارير إلى أنّ الولايات المتحدة تُفكّر في تخفيف بعض القيود المفروضة على قطاع النفط والغاز الروسي. في ظلّ هذه الظروف، يُمكن لروسيا أن تستفيد من زيادة الطلب العالمي على صادراتها من الطاقة، ولا سيّما إذا طال أمد الصراع. كما ستشعر الصين بالتأثير، فبصفتها مستورداً رئيسياً للنفط من إيران وغيرها من الدول العربية المنتجة، قد تلجأ بكين بشكل متزايد إلى إمدادات الطاقة الروسية لتعويض أي اضطرابات مُحتملة".

ويتابع رابيل: "يكمن القلق الرئيسي اليوم في أنه حتى لو أوقف الرئيس ترامب الحرب في غضون أسابيع قليلة -وهو سيناريو لا يزال وارداً- فقد تُواصل إيران استهداف الخليج العربي. يُمكن لطهران أن تُبقي البنية التحتية الاقتصادية للخليج رهينةً لتعزيز موقفها في المفاوضات المُستقبلية مع الولايات المتحدة، خاصةً إذا بقي النظام في السلطة".

صدمة في الطاقة وتضخّم عالمي

"تحوّل الأمر من صدمة جيوسياسية إلى صدمة طاقة وتضخّم، في ظل الإعلان عن الإفراج عن المخزونات الإستراتيجية للنفط لدى عدد من الدول والارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمي، وهذا يشكّل ضغطاً على الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار المحروقات، والاضطراب في سلاسل التوريد والإمداد وارتفاع تكاليف التأمين بشكل كبير وتراجع شهية المخاطرة في الاستثمار نحو قطاعات أكثر أماناً من الناحية الاقتصادية"، يقول الخبير الاقتصادي علي متولي، في حديثه إلى رصيف22.

ويضيف: "استمرار الحرب يؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وهذا يؤثر سلباً على الاقتصاد الأمريكي، مما يعزز الاقتصاد الروسي في ظلّ محاولة موسكو تغطية النقص في النفط في الأسواق العالمية مع ارتفاع أسعاره والغاز على المستوى العالمي".

نقطة تحوّل في النظام الدولي

"يشهد النظام الدولي مرحلة تحوّلات عميقةً نتيجةً للحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، لذا تحاول بعض الأطراف الدولية ومن بينها روسيا، أن تلعب دوراً سياسياً معقداً يجمع بين الحفاظ على توازنها الإستراتيجي في المنطقة وبين استثمار الفرص التي تتيحها الأزمة لتعزيز موقعها في النظام الدولي"، يقول مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديمتري بريجع، في حديثه إلى رصيف22.

الحديث عن مساعٍ روسية للتوسط في هذه الأزمة لا يأتي من فراغ بل يندرج ضمن تقليد طويل للدبلوماسية الروسية التي تسعى إلى تثبيت نفسها في الشرق الأوسط، إذ لها علاقات مع الكثير من الدول بينها إيران وإسرائيل، ولها قواعد عسكرية في سوريا وعلاقات جيدة مع دول الخليج

ويتابع: "لذلك فإنّ الحديث عن مساعٍ روسية للتوسط في هذه الأزمة لا يأتي من فراغ بل يندرج ضمن تقليد طويل للدبلوماسية الروسية التي تسعى إلى تثبيت نفسها في الشرق الأوسط، حيث لها علاقات مع الكثير من الدول من بينها إيران وإسرائيل، ولها قواعد عسكرية في سوريا وعلاقات جيدة مع دول الخليج".

ويضيف بريجع: "من المحتمل أن تطرح موسكو اتفاقاً يشمل مستقبل الأمن الإقليمي في منطقة الخليج مع إعطاء دور للفاعلين الإقليميين مثل السعودية والإمارات، وحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، فالأزمات في المنطقة لا يمكن حلّها من خلال اقتصارها على البرامج النووية والبالستية، بل من خلال منظومة أمن جماعي إقليمي".

يتابع: "لكن استجابة واشنطن لذلك تعتمد على الحسابات الإستراتيجية داخل الولايات المتحدة، وتقليدياً تنظر الأخيرة بحذر إلى أي دور روسي في الأزمات الدولية، خاصةً في المناطق التي تعدّها ضمن نطاق نفوذها، ومع ذلك فإنّ هناك قناعةً داخل المؤسسة الأمريكية بأنّ الوساطة الروسية قد تكون أداةً مفيدةً من دون أن تقدّم واشنطن تنازلات مباشرةً في الملفات الأخرى".

فرصة روسية

وفقا لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، فإنّ روسيا ترى أنّ هناك فرصةً للاستفادة من هذه الحرب على إيران، لأنّ حرباً أمريكيةً طويلةً في الشرق الأوسط قد تصبّ في مصلحتها من خلال تقليل قدرة واشنطن على دعم أوكرانيا، ويمكن إعادة توجيه أنظمة الأسلحة، خاصةً الدفاعات الجوية، إلى الشرق الأوسط بدلاً من كييف.

بالإضافة إلى ذلك، رفعت الهجمات على إيران وردّ الأخيرة عليها، بما في ذلك الهجمات على مصافي النفط في دول الخليج العربي، أسعار النفط بشكل كبير في وقت تعاني فيه ميزانية روسيا الحربية من ضغوط شديدة.

وفي ظلّ ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية، فإنّ موسكو تسعى إلى استغلال هذا الارتفاع بإعادة توجيه إمدادات الغاز الروسي بعيداً عن أوروبا، ولن تتأثر إمدادات النفط الروسية إلى الصين والهند بحصار مضيق هرمز.

نحن أمام أزمة عالمية وحرب استنزاف للقدرات والمقومات الاقتصادية، ومن يملك القدرة الصناعية والاقتصادية على الصمود سينتصر في النهاية.

"نحن أمام أزمة عالمية وحرب استنزاف للقدرات والمقومات الاقتصادية. فاليوم من يملك القدرة الصناعية والاقتصادية على الصمود هو من سينتصر في النهاية، ولكن هذه الحرب ستكون الحرب الأخيرة في العالم العربي، وسيعاد تشكيل النظام الاقتصادي والسياسي والبيئي والجيوسياسي بعدها"، يقول المتخصص في العلاقات الدولية الدكتور خالد زين الدين، في حديثه إلى رصيف22.

ويضيف: "الروسي مستفيد من هذه الحرب، فهناك زيادة في الطلب على النفط والغاز الروسيين، وحديث عن إمكانية رفع العقوبات عن الاقتصاد الروسي، خاصةً بعد أن تحدثت الولايات المتحدة عن رفع جزئي لها وهذه مقدمة ربما لرفع كلي، وربما تضطر الدول الأوروبية في ظل النقص الحادّ في النفط والغاز إلى التعامل مع النفط الروسي، وبذلك تفرض موسكو نفسها كقوة اقتصادية وقوة نفطية مؤثرة في العالم".

ويتابع: "ما سبق يؤكد أنّ الروسي كان وسيبقى المرجع الأساسي لمصادر الطاقة في العالم، فهذه الحرب تستنزف العالم اقتصادياً وتنعكس سلباً على الدول المنتجة للنفط والمصدّرة له وتراجع إنتاجيتها، مما يضطرها إلى توقيف التصنيع والاستخراج وهذا سيكون لصالح روسيا".

يختلف مع هذا الرأي الدكتور رامي القيلوبي، الأستاذ الزائر في كلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، في حديثه إلى رصيف22، إذ يقول: "على الصعيد الاقتصادي هذا وضع جيّد لروسيا، ولكن يجب علينا ألا نبالغ فيه لأنّ أوروبا استطاعت في السنوات الاخيرة أن تقلل من اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية وهذه إستراتيجية طويلة الأجل، وليس من المرجّح أن تتجه الدول الأوروبية إلى شراء كميات كبيرة من النفط والغاز الروسيين".

ويضيف: "في الوقت ذاته، ليس من المرجح أن يحقّق الاقتصاد الروسي نمواً كبيراً لأنّ هناك بعض التحديات الهيكلية التي يعاني منها، وأبرزها النقص في العمالة بسبب وجود أعداد كبيرة من الذكور على الجبهة في أوكرانيا، وكذلك التشوّه الهيكلي في الاقتصاد الناتج عن تطوير الصناعات الحربية على حساب الشقّ المدني من الاقتصاد".

ويتابع: "أمّا بخصوص الاستنزاف الأمريكي في الحرب، فربما لن يحصل لأنّ أمريكا معتادة على افتعال أزمات عدة والقتال على أكثر من جبهة في آن واحد".

انشغال عن أوكرانيا

ويضيف القيلوبي: "الاستفادة الروسية تتمثّل في إشغال العالم عن أوكرانيا بما يخدم المصالح الروسية سواء عسكرياً أو من جهة التفاوض مع أوروبا، بعد أن أصبحت ورقة الطاقة ورقةً قويةً بيد موسكو. ولكن في المجمل فإنّ الانشغال الأمريكي والأوروبي عن أوكرانيا يتيح لروسيا تحقيق مزيد من التقدّم في الحرب في أوكرانيا سواء على الأرض أو في مفاوضات سياسية مستقبلية".

وفقاً للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإنّ الحرب على إيران تشكّل لحظة تحوّل في مسار الحرب على أوكرانيا بسبب الانشغال الأوروبي والأمريكي فيها، مما قد يدفع واشنطن وحلفاءها الأوروبيين إلى إعادة ترتيب أولويّاتهم الإستراتيجية، وقد يؤدّي إلى تراجع في التركيز السياسي والعسكري على الأزمة الأوكرانية، وهو ما يخدم روسيا. بالإضافة إلى ذلك قد يؤدّي إلى اتساع دائرة الانقسام في داخل المعسكر الغربي حول أولويّات الأمن العالمي مما ينعكس سلباً على دعم أوكرانيا.

تتبنّى الصين خطاباً سياسياً واضحاً قائماً على رفض الحرب والدعوة إلى احترام سيادة إيران، انطلاقاً من مصالحها الاقتصادية، واستقرار إيران ومضيق هرمز مسألة حيوية لأمن الطاقة الصيني

من جانب آخر، انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قرار واشنطن رفع العقوبات عن قطاع الطاقة الروسي قائلاً: "إنّ تخفيف العقوبات على روسيا لأي سبب كان هو خطأ في رأيي، ويجب علينا زيادة الضغوط على روسيا وإبقاء الدعم لأوكرانيا، ولن نسمح لأنفسنا بأن ننشغل عن ذلك بالحرب في إيران، ولن نسمح لموسكو بأن تمتحن الناتو في الجبهة الشرقية".

قلق صيني

بحسب مركز تقدّم للسياسات في لندن، فإنّ تلك الحرب تكشف أنّ بكين تنظر إلى إيران بوصفها شريكاً اقتصادياً مهماً ولديها قلق من أن تؤدي الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية إلى تغيير النظام فيها أو إلى إضعافه بما يفقدها شريكاً إستراتيجياً. فالصين تتبنّى خطاباً سياسياً واضحاً قائماً على رفض الحرب والدعوة إلى احترام سيادة إيران، انطلاقاً من مصالحها الاقتصادية، وترى أنّ استقرار إيران ومضيق هرمز مسألة حيوية لأمن الطاقة الصيني، وفي الوقت ذاته لا ترغب في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو التضحية بعلاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل والأسواق الغربية.

يقول المحلل الاقتصادي الصيني نادر رونغ، في حديثه إلى رصيف22: "تأثير الحرب الأمريكية على إيران له تداعيات سلبية على الاقتصاد الصيني، خاصةً في مجال إمدادات الطاقة، وهناك ارتفاع في أسعار الطاقة حول العالم، وكذلك تكاليف الشحن من منطقة الشرق الأوسط. الصين تحافظ على تبادلات تجارية كبيرة الحجم مع دول الشرق الأوسط، وعدم الاستقرار في هذه المنطقة يؤثّر سلباً على نمو التجارة الصينية حيث اضطرت بكين إلى اتخاذ وسائل عدة لاحتواء هذه التغيرات وبدأت باستخدام الاحتياطات الإستراتيجية للنفط الموجودة لديها".

ويضيف: "عززت الصين استخدامها للطاقة المتجددة وكذلك تأمين الممرات البرّية مع باكستان لضمان إمدادات الطاقة، وعزّزت إمداداتها من دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا وكذلك من روسيا، لتعويض الخسائر من الإمدادات من الشرق الأوسط، وتؤكد أنّ الحرب لا فائدة لها وهي ليست مستفيدةً من استنزاف أمريكا في تلك الحرب، وهدفها الرئيسي هو الحفاظ على العلاقات مع شركائها التجاريين وخلق بيئة خارجية مستقرّة في نمو الاقتصاد الصيني وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل الصين، وكذلك تركّز على جهود الوساطة من أجل استعادة السلام والاستقرار في المنطقة، كما طالب وزير الخارجية الصيني بضرورة إعادة النظام والاستقرار والأمن والسلام للشرق الأوسط".

من جانب آخر، يمثّل تورّط الولايات المتحدة الأمريكية في صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، فرصةً إستراتيجيةً للصين قد تؤدي إلى تراجع الدور الأمريكي على الصعيد العالمي، مما يمنحها فرصةً ذهبيةً لتقديم ذاتها كقوة توازن اقتصادي ودبلوماسي في النظام الدولي.

وفي الوقت ذاته، فإنّ استمرار الحرب لفترة طويلة يشكّل تحدّياً كبيراً للصين، خاصةً في مجال إمدادات الطاقة والمشاريع الاقتصادية المهمة مثل مشروع "الحزام والطريق". فطرق التجارة البحرية خاصةً في منطقة الشرق الأوسط تشكّل الشريان الأساسي للتجارة الصينية مع العالم وأي تهديدات لتلك الطرق يؤثّر سلباً على أداء الاقتصاد الصيني وحجم التجارة الدولية.

تباين في أهداف الحرب

تتباين أهداف الحرب على إيران بين واشنطن وتل أبيب. فواشنطن تهدف إلى تعطيل مشروع "الحزام والطريق" الصيني الذي أُطلق عام 2013، وتغيير سلوك النظام الإيراني وضمان عدم انحيازه إلى جانب الدول المناهضة لها (الصين وروسيا)، لكنها لا تريد تقسيم إيران إلى دويلات، وغير متحمسة لتغيير جذري للنظام، ولديها توجّه لقبول قيادة جديدة معتدلة من داخل النظام تبدي استعداداً للتعاون معها، بالإضافة إلى إنهاء برامج التسليح النووي والباليستي وإنهاء العلاقة مع الوكلاء.

أبرزت الحرب الحالية حدود سياسات العقوبات الاقتصادية كأداة للضغط السياسي، ففي السنوات الماضية استطاعت روسيا توجيه إنتاج الطاقة إلى أسواق جديدة في آسيا، وهذا بحدّ ذاته يعكس تحوّلاً بنيوياً، إذ لم يعد النظام الاقتصادي الدولي محكوماً بالكامل بالمراكز الاقتصادية الغربية

أما تل أبيب، فترغب في تغيير بنية النظام لكي يتخلّى بالكامل عن سياسة صناعة الأذرع، وإحداث انقسامات داخلية تؤدّي إلى تفتيت الدولة وإنشاء كيانات مستقلة للأكراد والبلوش والعرب، بالإضافة إلى إنهاء برامج التسليح النووي والبالستي ووقف إنتاج الطائرات المُسيَّرة.

وفقاً لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإنّ أهم المخاطر التي قد تواجه إسرائيل تتمثّل في توجّه الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعلان إنهاء الحرب بشكل سريع استناداً إلى اعتبارات سياسية واقتصادية داخلية وخارجية لما للحرب من ارتدادات على أسواق الطاقة في العالم، لذلك ترى إسرائيل أنّ من الأهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من التنسيق الإستراتيجي مع واشنطن، خاصةً في ما يتعلق بتحديد الأهداف النهائية للحرب، وتحديد تعريف مشترك لمفهوم "النصر" ونقطة التوقف المحتملة للعمليات العسكرية، بما يضمن وضوح الرؤية لدى الطرفين.

أمّا معهد القدس للإستراتيجيا والأمن الإسرائيلي، فيقول إنّ التصريحات الإسرائيلية والأمريكية في بداية الحرب ركّزت على خلق الظروف التي تمكّن الشعب الإيراني من إسقاط النظام.

ولكن هذه التصريحات بدأت تتغير تدريجياً مع تطوّر العمليات العسكرية، وتحوّلت نحو تقليص القدرات الإيرانية في مجال الصواريخ الباليستية، ومنع طهران من تطوير سلاح نووي.

هذا التحوّل يشير إلى تبرير استمرار العمليات العسكرية في إطار حماية الأمن الإقليمي ومنع تصاعد المخاطر المرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي في إيران.

يقول بريجع: "الحرب الحالية أبرزت حدود سياسات العقوبات الاقتصادية كأداة للضغط السياسي. ففي السنوات الماضية، استطاعت روسيا توجيه إنتاج الطاقة إلى أسواق جديدة في آسيا، خاصةً الهند والصين عبر خط سيبيريا، وهذا بحدّ ذاته يعكس تحوّلاً بنيوياً، فلم يعد النظام الاقتصادي الدولي محكوماً بالكامل بالمراكز الاقتصادية الغربية. لذلك فإنّ القول بأنّ روسيا هي المستفيد الأكبر من الحرب ليس دقيقاً بالضرورة، ولكنه صحيح جزئياً بإعادة توزيع أسواق الطاقة".

ويضيف: "أما على صعيد العلاقة بين موسكو وطهران، فهي علاقة معقّدة تجمع ما بين الشراكة الإستراتيجية والتباينات التكتيكية خلال السنوات الأخيرة، وتعزز التعاون بين البلدين في مجالات متعددة منها الأمن الإقليمي والطاقة والتعاون العسكري والتكنولوجي، كما أنّ الطرفين يشتركان في رؤيتهم النقدية إلى النظام الدولي.

ويختم بريجع: "العلاقة بين روسيا وإيران ليست قائمةً على التحالف العسكري بل هي نوع من الشراكة القائمة على تقاطع المصالح، فروسيا تسعى دائماً إلى علاقة متوازنة مع عدد من دول الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل ودول الخليج وتركيا، وهذا يعني أنّها تحاول تجنّب الانجرار إلى محور إقليمي مغلَق قد يفيد أو ربما يقيّد قدراتها على لعب دور الوسيط في الأزمات الإقليمية والدولية".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile