من الردع للإكراه العسكري… تحوّلات استخدام القوة في النظام الدولي وتداعياتها على الشرق الأوسط

من الردع للإكراه العسكري… تحوّلات استخدام القوة في النظام الدولي وتداعياتها على الشرق الأوسط

سياسة نحن والتاريخ

الجمعة 6 مارس 202617 دقيقة للقراءة

تحوّلات عميقة يشهدها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين، في موقع القوة العسكرية ضمن منظومة العلاقات الدولية. فبعد نهاية الحرب الباردة، ساد تصوّر واسع في الأدبيات السياسية والإستراتيجية بأن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر اعتماداً على القواعد القانونية والمؤسسات المتعدّدة الأطراف، وبأن استخدام القوة العسكرية سيظل محكوماً بقيود قانونية وسياسية صارمة تستند إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. غير أن التطوّرات التي شهدها النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تشير إلى مسار مختلف وأكثر تعقيداً.

أعادت سلسلة الحروب والتدخّلات العسكرية، ممارسة القوة العسكرية إلى مركز التفاعلات الدولية بوصفها أداة رئيسية لإدارة الصراعات، وتحقيق الأهداف والمصالح السياسية والإستراتيجية. وتشمل هذه السوابق العسكرية الحرب الأمريكية في أفغانستان والغزو الأمريكي للعراق، والتدخّلات العسكرية في ليبيا وسوريا وفنزويلا، والحرب الروسية - الأوكرانية، إضافة إلى حرب الإبادة الإسرائيلية المتكرّرة في غزة، وصولاً إلى الحرب ضد إيران. وتشير هذه التطوّرات إلى أن النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من نموذج الردع الإستراتيجي الذي طبع العلاقات الدولية خلال الحرب الباردة إلى نموذج أكثر اعتماداً على الإكراه العسكري وفرض الوقائع الإستراتيجية بالقوة.

في هذا السياق، بدأ عدد متزايد من الباحثين يشير إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ"العدوى الإستراتيجية"، أي انتقال أنماط استخدام القوة من دولة إلى أخرى عندما ترى الدول أن تلك الأنماط تحقق أهدافاً سياسية من دون أن تواجه بردع دولي حاسم. وحذرت مجلة The Economist من أن تكرار هذه السوابق العسكرية قد يؤدي إلى تآكل المعايير الدولية التي كانت تحد من استخدام القوة، الأمر الذي قد يشجع دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته في النزاعات الدولية.

لم تعد القوة العسكرية تُستخدم فقط كوسيلة للدفاع عن النفس أو كأداة لردع الخصوم، بل أصبحت تُستخدم أيضاً لفرض وقائع سياسية وإستراتيجية جديدة على الأرض. وهذا التحوّل يعكس تغيراً تدريجياً في طبيعة النظام الدولي…

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن النظام الدولي يدخل مرحلة انتقالية قد تشهد إعادة تعريف عميقة لقواعد استخدام القوة في العلاقات الدولية. وتسعى الورقة إلى تحليل هذه التحوّلات من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: أولاً، الإطار النظري للتحوّل من الردع إلى الإكراه العسكري؛ ثانياً، تحليل السوابق العسكرية التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة؛ وثالثاً، دراسة الكيفية التي قد تؤدي بها هذه السوابق إلى انتشار أنماط جديدة من السلوك الإستراتيجي بين الدول.

استخدام القوة في العلاقات الدولية

شكّل مبدأ حظر استخدام القوة إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. فقد نص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على أن استخدام القوة في العلاقات الدولية يجب أن يظل محصوراً في حالتين رئيسيتين: الدفاع عن النفس في حال التعرض لاعتداء مسلح، أو استخدام القوة بتفويض من مجلس الأمن الدولي للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

وأسهم هذا المبدأ في ترسيخ تصور معياري للنظام الدولي يقوم على أن العلاقات بين الدول يجب أن تُدار أساساً عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية، وأن القوة العسكرية ينبغي أن تبقى خياراً استثنائياً. غير أن هذا التصور بدأ يتعرض تدريجياً لسلسلة من التحديات منذ نهاية الحرب الباردة.

وشهد النظام الدولي منذ تسعينيات القرن الماضي عدداً متزايداً من التدخلات العسكرية التي جرت خارج إطار التفويض الواضح من مجلس الأمن، كما حدث في تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو عام 1999. غير أن التحوّل الأكبر في هذا المسار جاء مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، التي أثارت جدلاً واسعاً حول حدود شرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية.

وفي السنوات اللاحقة، تكرّرت هذه السوابق العسكرية في عدد من النزاعات الدولية، من ليبيا وسوريا إلى الحرب الروسية–الأوكرانية. وأشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات في لندن إلى أن هذه التطوّرات تعكس تحوّلاً أعمق في بنية النظام الدولي، حيث يتزايد اعتماد الدول على القوة العسكرية لإعادة تشكيل التوازنات الإستراتيجية في الأقاليم المختلفة.

في هذا السياق، لم تعد القوة العسكرية تُستخدم فقط كوسيلة للدفاع عن النفس أو كأداة لردع الخصوم، بل أصبحت تُستخدم أيضاً لفرض وقائع سياسية وإستراتيجية جديدة على الأرض. وهذا التحوّل يعكس تغيراً تدريجياً في طبيعة النظام الدولي، حيث تتراجع القيود المعيارية التي كانت تحد من استخدام القوة، في مقابل صعود منطق القوة في إدارة العلاقات الدولية.

الإطار النظري… من الردع إلى الإكراه العسكري

شكّل مفهوم الردع حجر الزاوية في الإستراتيجية العسكرية خلال الحرب الباردة. ويقوم الردع على فكرة أن الدولة تستطيع منع خصمها من اتخاذ خطوة عدائية عبر التهديد بفرض تكلفة مرتفعة تجعل الإقدام على تلك الخطوة غير مجدٍ.

وصاغ توماس شيلينغ هذا المفهوم في كتابه الكلاسيكي Arms and Influence، حيث أكد أن الردع يعتمد على القدرة على التأثير في حسابات الخصم عبر إقناعه بأن تكلفة العمل العسكري ستفوق أي مكاسب محتملة منه. واضطلع هذا المفهوم بدور محوري في إدارة التوازن الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.

غير أن الأدبيات الإستراتيجية تميز بين الردع ومفهوم آخر يعرف بـ"الإكراه العسكري". ففي حين يهدف الردع إلى منع الخصم من القيام بفعل معين، يسعى الإكراه إلى إجبار الخصم على تغيير سلوكه أو القبول بواقع سياسي جديد.

وأشار ألكسندر جورج إلى أن الإكراه العسكري يعتمد على مزيج من الضغط العسكري والسياسي بهدف دفع الخصم إلى اتخاذ قرار معين دون اللجوء إلى حرب شاملة. ويُعد هذا المفهوم مفيداً لفهم العديد من العمليات العسكرية التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة.

ففي العديد من الحالات، لم يكن الهدف من استخدام القوة العسكرية هو تدمير الخصم بالكامل، بل دفعه إلى تغيير سلوكه أو القبول بترتيبات سياسية جديدة. وهذا ما يجعل مفهوم الإكراه العسكري أكثر ملاءمة لفهم التحوّلات المعاصرة في استخدام القوة.

كما أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن تراجع فاعلية الردع التقليدي يرتبط أيضاً بتغير طبيعة الحروب المعاصرة، حيث سمحت التطوّرات التكنولوجية في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والذكاء الاصطناعي بتنفيذ عمليات عسكرية محدودة تحقق أهدافاً سياسية من دون الانزلاق إلى حروب شاملة.

السوابق العسكرية بعد الحرب الباردة

شهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين سلسلة من السوابق العسكرية التي ساهمت في إعادة تعريف حدود استخدام القوة في العلاقات الدولية.

أفغانستان

شكّلت الحرب الأمريكية في أفغانستان عام 2001 نقطة تحوّل مهمة في السياسة الدولية. فجاءت الحرب في سياق الرد على هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الدولة الأفغانية بالقوة العسكرية.

وأظهرت هذه الحرب أن القوة العسكرية يمكن أن تُستخدم ليس فقط للرد على تهديدات أمنية مباشرة، بل أيضاً لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية في مناطق أخرى من العالم.

العراق

مثّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 سابقة أكثر إثارة للجدل. فجرى تبريرها بمجموعة من الاعتبارات الإستراتيجية والتلفيقات التي ظهر بطلانها، بما في ذلك منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وإعادة تشكيل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.

واعتبر العديد من الباحثين أن هذه الحرب أسهمت في إضعاف القيود التي فرضها النظام الدولي على استخدام القوة، كما أعادت فتح النقاش حول دور القوة العسكرية في إعادة تشكيل البيئات السياسية الإقليمية.

ليبيا

في عام 2011، استخدم حلف شمال الأطلسي القوة العسكرية في ليبيا تحت غطاء قرار مجلس الأمن لحماية المدنيين. غير أن العملية انتهت بإسقاط نظام معمر القذافي، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول حدود تفويض مجلس الأمن.

سوريا

قدمت الحرب السورية نموذجاً أكثر تعقيداً للتدخلات العسكرية متعددة الأطراف، حيث شاركت عدة قوى دولية وإقليمية في النزاع عبر عمليات عسكرية مباشرة أو دعم أطراف محلية.

ووصفت الحرب السورية من الباحثين في مراكز السياسات بأنها نموذج للحروب المعاصرة التي تتداخل فيها الصراعات المحلية والإقليمية والدولية.

العدوى الإستراتيجية

في ضوء هذه السوابق العسكرية المتكررة، بدأ بعض الباحثين يشيرون إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ"العدوى الإستراتيجية". ويقصد بهذا المفهوم أن استخدام القوة العسكرية من دولة ما قد يشجع دولاً أخرى على تبني النهج ذاته إذا رأت أن تلك العمليات تحقق أهدافاً سياسية من دون تكاليف باهظة.

في ضوء هذه السوابق العسكرية التي تكرّرت في سوريا وليبيا والعراق وأفغانستان، بدأ باحثون يشيرون إلى ظاهرة "العدوى الإستراتيجية"، ويُقصد بها أن استخدام القوة العسكرية من دولة ما قد يشجع دولاً أخرى على تبني النهج ذاته إذا رأت أن تلك العمليات تحقق أهدافاً سياسية من دون تكاليف باهظة

وكتب ستيفن والت أن تآكل القيود على استخدام القوة قد يؤدي إلى انتشار نمط من السلوك الإستراتيجي يقوم على الاعتقاد بأن القوة العسكرية يمكن أن تكون وسيلة فاعلة لتحقيق الأهداف السياسية. وفي هذا السياق، حذّرت مجلة "ذا إيكونوميست" من أن تكرار السوابق العسكرية قد يؤدي إلى إضعاف المعايير الدولية التي كانت تحد من استخدام القوة، مما قد يشجع دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته.

غير أن هذه النظرية لا تعني أن جميع الدول ستتبنى بالضرورة استخدام القوة العسكرية. فقرار اللجوء إلى القوة يظل مرتبطاً بمجموعة من العوامل السياسية والإستراتيجية، بما في ذلك موازين القوة الإقليمية وطبيعة النظام السياسي الداخلي والضغوط الدولية.

حدود "العدوى الإستراتيجية"

رغم أهمية مفهوم "العدوى الإستراتيجية" في تفسير بعض التحوّلات الجارية في السياسة الدولية، فإن هذه النظرية تواجه أيضاً عدداً من القيود.

أولاً، لا تزال المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، تضطلع بدور مهم في تنظيم استخدام القوة في العلاقات الدولية. بالنظر إلى أنه لم يولد بعد إطار بديل.

ثانياً، فإن استخدام القوة العسكرية يظل محفوفاً بتكاليف سياسية واقتصادية كبيرة، وهو ما يجعل العديد من الدول تتردد في اللجوء إليه.

وثالثاً، فإن البيئة الإستراتيجية لكل دولة تختلف عن غيرها، الأمر الذي يجعل من الصعب نقل نماذج استخدام القوة من سياق إلى آخر بشكل مباشر.

إجمالاً، تشير التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي إلى أن العالم يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف قواعد استخدام القوة في العلاقات الدولية. فالتراجع النسبي في القيود التي فرضها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، يشير إلى احتمال عودة القوة العسكرية لتؤدي دوراً أكثر مركزية في تحديد موازين النفوذ الدولي.

هذا التحوّل لا يعني بالضرورة عودة النظام الدولي إلى منطق القوة الصرف الذي ساد في القرن التاسع عشر، بل يشير إلى نشوء مرحلة انتقالية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والإستراتيجية في تحديد حدود استخدام القوة.

ثانياً، "العدوى الإستراتيجية" وتداعياتها على الشرق الأوسط والنظام الدولي

انتقال نموذج استخدام القوة إلى القوى الكبرى

تشير التحوّلات التي تناولها الجزء الأول من هذه الدراسة إلى أن استخدام القوة العسكرية عاد تدريجياً إلى مركز السياسة الدولية. غير أن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن فقط في تزايد عدد التدخلات العسكرية، بل في احتمال انتقال نمط السلوك هذا إلى قوى دولية أخرى ترى في تلك السوابق دليلاً على إمكانية تحقيق مكاسب سياسية عبر استخدام القوة.

وأشار عدد من الباحثين في مجال العلاقات الدولية إلى أن السوابق العسكرية الكبرى تميل إلى تشكيل ما يمكن تسميته قواعد سلوك غير مكتوبة داخل النظام الدولي. فحين تستخدم دولة كبرى القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية من دون أن تواجه بردع دولي حاسم، قد يشجع ذلك دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته.

في هذا السياق، يمكن رصد ثلاث قوى دولية رئيسية قد تتأثر بهذا التحوّل في قواعد استخدام القوة: روسيا، الصين، وتركيا. فكل من هذه الدول تمتلك طموحات جيوسياسية إقليمية أو دولية، وأظهرت في السنوات الأخيرة استعداداً متزايداً لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية.

روسيا

يُعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا أحد أبرز الأمثلة على عودة القوة العسكرية إلى مركز النظام الدولي. فمنذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، أظهرت روسيا استعداداً لاستخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في محيطها الإقليمي.

واعتبر بعض الباحثين أن الحرب الروسية–الأوكرانية تمثل محاولة روسية لإعادة تعريف النظام الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة¹². كما تعكس هذه الحرب إدراكاً روسياً بأن البيئة الدولية الحالية قد تسمح باستخدام القوة العسكرية لفرض وقائع جيوسياسية جديدة.

وأشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن الحرب في أوكرانيا تمثل أحد أبرز مظاهر التحوّل في النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأمريكية إلى مرحلة التنافس بين القوى الكبرى.

تركيا

شهدت السياسة الخارجية التركية خلال العقد الأخير تحوّلاً ملحوظاً في استخدام القوة العسكرية كأداة لتحقيق الأهداف الإقليمية. فنفذت تركيا سلسلة من العمليات العسكرية في سوريا والعراق، كما تدخلت عسكرياً في ليبيا ودعمت أذربيجان في حرب ناغورنو كاراباخ.

ويشير هذا التحوّل إلى أن أنقرة باتت ترى في القوة العسكرية وسيلة فاعلة لحماية مصالحها الإستراتيجية وتعزيز نفوذها الإقليمي. ووصف بعض الباحثين هذا التوجه بأنه جزء من إستراتيجية تركية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف دور تركيا كقوة إقليمية مؤثرة ومقررة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

الصين

على الرغم من أن الصين ظلت تاريخياً أكثر تحفظاً في استخدام القوة العسكرية خارج حدودها، فإن صعودها الاقتصادي والعسكري خلال العقود الأخيرة جعلها لاعباً رئيسياً في التوازنات الدولية.

وأشار عدد من الدراسات إلى أن بكين تراقب من كثب السوابق العسكرية التي تشهدها السياسة الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بكيفية تعامل القوى الكبرى مع النزاعات الإقليمية.

وفي هذا السياق، تبرز قضية تايوان بوصفها أحد أخطر الملفات الجيوسياسية في العالم المعاصر.

الحالة الصينية - التايوانية

تُعد قضية تايوان أحد أبرز الأمثلة على احتمال انتقال نموذج الإكراه العسكري إلى مناطق أخرى من العالم. فالصين تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من البر الصيني، وأكدت القيادة الصينية مراراً أن تحقيق وحدة الوطن الصيني يمثل هدفاً إستراتيجياً أساسياً للدولة الصينية.

غير أن بكين تدرك أيضاً أن أي محاولة لفرض الوحدة بالقوة العسكرية قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ولذلك تشير بعض التحليلات إلى أن الصين قد تعتمد إستراتيجية تدريجية تقوم على الإكراه العسكري المحدود بدلاً من الغزو المباشر.

وكتبت الباحثة أوريانا سكاي لار ماسترو أن الصين قد تسعى إلى استخدام مجموعة من الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية لزيادة الضغط على تايوان، بهدف دفعها إلى القبول بترتيبات سياسية جديدة دون الدخول في حرب شاملة.

وفي هذا السياق، يمكن أن تشمل هذه الأدوات:

• المناورات العسكرية الواسعة حول الجزيرة

• فرض حصار بحري محدود

• استخدام الحرب السيبرانية والاقتصادية

• زيادة الضغوط الدبلوماسية على الدول التي تعترف بتايوان

وحذرت مجلة The Economist من أن نجاح مثل هذه الإستراتيجيات قد يشجع دولاً أخرى على استخدام القوة العسكرية لفرض مطالبها الإقليمية.

تداعيات التحوّل على الشرق الأوسط

يُعد الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم تأثراً بالتحوّلات الجارية في طبيعة استخدام القوة في النظام الدولي. فالموقع الجيوسياسي للمنطقة وتداخل المصالح الدولية والإقليمية فيها يجعلها ساحة رئيسية لاختبار التحوّلات الكبرى في قواعد النظام الدولي.

إيران

يشكل التصعيد العسكري والحرب بين إسرائيل وإيران أحد أبرز مظاهر التحوّل في طبيعة الصراعات الإقليمية. فباتت العمليات العسكرية، مثل الضربات الجوية والهجمات السيبرانية، جزءاً أساسياً من إدارة هذا الصراع.

وأشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن هذا النمط من الصراع يعكس تحوّلاً نحو ما يمكن تسميته الحرب دون العتبة التقليدية للحرب الشاملة.

إسرائيل

تُعد إسرائيل من أكثر النماذج اعتماداً على القوة العسكرية كأداة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية والأمنية. وشكلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا جزءاً من إستراتيجية تهدف إلى منع خصومها من تطوير قدرات عسكرية تهدد أمنها.

غير أن هذا النمط من استخدام القوة قد يسهم أيضاً في ترسيخ منطق القوة في إدارة الصراعات الإقليمية.

دول الخليج

تواجه دول الخليج تحديات إستراتيجية متزايدة في ظل التحوّلات الجارية في النظام الدولي. فمن جهة، تعتمد هذه الدول بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية. ومن جهة أخرى، تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية عبر تعزيز التعاون مع قوى مثل الصين والهند وروسيا.

تشير الاتجاهات الحالية في السياسة الدولية إلى أن النظام الدولي قد يتجه نحو أحد ثلاثة مسارات رئيسية خلال العقد القادم: نظام متعدّد الأقطاب، أو انتشار الإكراه العسكري، أو إعادة بناء النظام الدولي القائم على القواعد

هنا يمكن الإشارة إلى أن دول الخليج قد تلعب دوراً مهماً في تشكيل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.

السيناريوهات المستقبلية للنظام الدولي حتى عام 2035

تشير الاتجاهات الحالية في السياسة الدولية إلى أن النظام الدولي قد يتجه نحو أحد ثلاثة مسارات رئيسية خلال العقد القادم:

السيناريو الأول… نظام متعدّد الأقطاب

في هذا السيناريو، يتشكل نظام دولي يقوم على توازنات القوة بين عدد من القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

السيناريو الثاني… انتشار الإكراه العسكري

في هذا السيناريو، يصبح استخدام القوة العسكرية المحدودة أداة شائعة لفرض وقائع إستراتيجية جديدة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة عدد النزاعات الإقليمية.

السيناريو الثالث… إعادة بناء النظام الدولي القائم على القواعد

في هذا السيناريو، تدفع مخاطر الصراعات العسكرية الكبرى الدول إلى تعزيز دور المؤسسات الدولية وإعادة إحياء النظام الدولي القائم على القواعد.

الدروس الإستراتيجية لصنّاع الق رار في الشرق الأوسط

في ضوء التحوّلات الجارية في النظام الدولي، تبرز مجموعة من الدروس الإستراتيجية لصناع القرار في الشرق الأوسط.

أولاً، من المرجح أن تشهد البيئة الإستراتيجية الدولية قدراً متزايداً من عدم الاستقرار خلال العقد المقبل.

ثانياً، تحتاج دول المنطقة إلى تطوير إستراتيجيات أمنية أكثر استقلالية، بدلاً من الاعتماد الكامل على التحالفات الخارجية.

ثالثاً، يظل بناء مؤسسات الدولة القوية أحد أهم عوامل الاستقرار في بيئة دولية متغيرة.

أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية وفق قواعد ديمقراطية حقيقية، يمثل أحد أهم شروط الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط.

وإجمالاً، تشير التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي إلى أن العالم يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف قواعد استخدام القوة في العلاقات الدولية. فالتراجع النسبي في القيود التي فرضها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، يشير إلى احتمال عودة القوة العسكرية لتؤدي دوراً أكثر مركزية في تحديد موازين النفوذ الدولي.

غير أن هذا التحوّل لا يعني بالضرورة عودة النظام الدولي إلى منطق القوة الصرف الذي ساد في القرون السابقة، بل يشير إلى نشوء مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والإستراتيجية.

وفي هذا السياق، يصبح فهم التحوّلات الجارية في طبيعة استخدام القوة شرطاً أساسياً لفهم مستقبل النظام الدولي وتوازناته الإقليمية خلال العقود القادمة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image