قبل أن تتخيّل معي، يا عزيزي القارئ، عليك أن تضع تشنّجك جانباً، لأن التشنّج لأي فكرة مهما كانت قريبة من الحقيقة سيجعل الخيال يدور في فلكها، وتالياً فسوف تنتفي عنه صفة الخيال أصلاً ويقع في حفرة البحث عن المبررات أو صوغ البراهين.
لذلك، دع مبرراتك وبراهينك على الرف وتخيّل معي أن أصحاب الثقافة التي تحطّ من قدر المرأة، وتنظر إليها كناقصة عقل ودين، وتستبعدها عن مراكز صنع القرار، وتمنّ عليها بأي امتيازات ولو كانت ضئيلة وموسمية، هم أنفسهم، أي أصحاب هذه الثقافة، من تحكّمت بمصيرهم القومي نساء، أو للدقة من "الخيال الإستراتيجي" - إن صحّت تسميته كذلك - لامرأتين سيظل يذكرهما التاريخ طويلاً.
بينما كانت بيل تقدّم تقاريرها إلى الجهات الرسمية البريطانية، من أجل المساعدة في تقسيم المنطقة إلى كيانات قابلة للحياة، كانت رايت تستشعر أسباب التفكّك القادم لهذه الكيانات وأشكاله المتوقعة
المرأة الأولى هي البريطانية غيرترود بيل، أما الثانية فهي الأمريكية روبن رايت. وبين الأولى والثانية مرّت مئة عام، أي قرن كامل. وهذا القرن هو عمر سايكس- بيكو أيضاً، وهو عمر شكوى العرب من التفرقة في ما بينهم، كما أنه عمر شتائمهم التي لم تنقطع منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وحتى انهيار أحلامهم في الوحدة.
لنبدأ القصة من نقطة ما، ولتكن شركة الهند الشرقية. هذه الشركة البريطانية التي كانت تسيطر على تجارة التوابل والحرير والشاي من الشرق إلى أوروبا، وهي ليست شركة بالمعنى التجاري فقط، بل كان لها جيش يحكم ويحارب ويستولي على الأراضي في الهند. وحين تكسد تجارة الشاي أو لا تحقّق الربح المطلوب، تقوم هذه الشركة بتجارة الأفيون، وهو ما تسبّب في اندلاع حربيّ الأفيون الأولى والثانية في أواسط القرن التاسع عشر بين الصين وبريطانيا، والتي انتصرت فيها بريطانيا وسيطرت على هونغ كونغ، وحازت امتيازات كبيرة في موانئ الصين.
بعد هذه السيطرة، إضافة إلى السيطرة على قناة السويس، نتيجة لشراء حصة مصر في القناة في 1875، ثم احتلال البلد عام 1882، تكرّس نفوذ الإمبراطورية البريطانية على خطوط التجارة البحرية بين الشرق وأوروبا، وبذلك تم القضاء على شبكة الخطوط البرية لطريق الحرير التي كانت تسلكها القوافل التجارية القديمة.
لننتقل في الزمن قليلاً إلى الوراء، وإلى مكان آخر هو غرب أوروبا، حيث نجد أن إسبانيا والبرتغال، ثم في ما بعد فرنسا وبريطانيا، هي القوى الاستعمارية العظمى. والسبب بسيط جداً، ويتعلّق بوجود هذه الدول على شواطئ المحيط الأطلسي، والذي مكّنها من غزو الأمريكتين وجزء كبير من إفريقيا، وتالياً تدفّق الذهب والفضة إلى خزائن هذه الدول، مما قاد إلى تقوية جيوشها ومجتمعاتها وتكريسها كقوى رأسمالية.
وبغض النظر عن الكيفية والأسباب التي قادت بريطانيا وفرنسا إلى وراثة إسبانيا والبرتغال، فهذا ليس موضوعنا، بقدر ما أريد الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به الصدفة في وجود دولة ما، في عصر ما، على المحيط، لنستطيع المقارنة مع دولة لا تتمتع بهذا الامتياز. لننتقل مثلاً إلى دولة "مُهملة" تقريباً ولا تمتلك من القوة والنفوذ ما يوازي اعتزازها القومي بنفسها أو ما يوازي حركة مجتمعها الفكرية والثقافية، ألا وهي ألمانيا. ألمانيا موجودة في وسط أوروبا أو على الأقل إلى الشرق من الدول المذكورة، وهي لا تطل إلا على بحر الشمال وبحر البلطيق. إنها دولة حديثة نوعاً ما، وناتجة من حروب بسمارك مع الدنمارك والنمسا وفرنسا، ومنضبطة بعد الوحدة عام 1871 وتدير سياسة متوازنة مع الجيران، لكنها محاطة بإمبراطوريات قوية، منها الإمبراطورية العثمانية التي تسيطر على شرق أوروبا والشرق الأوسط، وإن كانت في سرير المرض وبدأت تفقد الكثير من مناطق نفوذها.
لم تشارك ألمانيا باقتسام ثروات العالم الجديد مع إسبانيا والبرتغال، ولم تتمكن من الوصول إلى موارد العالم القديم مع بريطانيا وفرنسا، فما كان منها إلا محاولة الاختراق عبر جارتها الشرقية: الإمبراطورية العثمانية، وذلك من أجل اللحاق بما فاتها، وحجز كرسي لها إلى مائدة العالم. لهذا فقد عزل فيلهلم الثاني بسمارك وتبنى سياسة جديدة بعنوان Weltpolitik أي السياسة العالمية، بما يعني الخروج من الحيّز الأوروبي وتوسيع مسرح العمل السياسي ليشمل العالم بأسره.
بدأت ألمانيا، إذاً، بالتوجّه نحو الشرق، فمدّت السلطان عبد الحميد بالمستشارين وبالخبرات، وأحياناً بالتمويل لبعض مشاريعه، ومن هذه المشاريع سكة حديد الحجاز. ثم أعلنت عن مشروعها الخاص وهو سكة حديد برلين - بغداد. صحيح أن سكة حديد الحجاز يمكن الدفاع عنها كمشروع عثماني ديني غايته تسهيل الحج، رغم قناعة البريطانيين بأن من ينقل الحجاج يمكنه أن ينقل السلاح، لكن سكة حديد برلين - بغداد لا يمكن وضعها إلا تحت عنوان التوسع الألماني في مناطق نفوذ بريطانيا العظمى.
هنا بالضبط ظهرت المرأة الأولى التي نتحدث عنها، وهي المستكشفة والرحالة غيرترود بيل، أو لنقل إن وزير المستعمرات البريطاني اتصل بها، وقال لها ما معناه: اعمليلك جولة في المنطقة. لم تتأخّر هذه المرأة في امتطاء ناقتها والسفر من الهند إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث جابت المنطقة طولاً وعرضاً؛ من دمشق إلى بغداد، ومن عشائر الأردن إلى قبائل الجزيرة العربية.
ما الذي كانت تفعله؟ كانت تدوّن ملاحظاتها حول الولاءات في المنطقة، عدد الفرسان، قوة الزعماء المحليين، العداء بين هذا المكوّن وتلك القبيلة، التحالفات القائمة والمتوقعة، التوازنات الطائفية والعرقية، الطرق، الشرعيات الدينية ومن يملكها... إلخ. باختصار كانت تحوّل المعرفة إلى مادة خام يمكن استخدامها لاحقاً في صوغ القرارات.
وحين جلست الدول الاستعمارية لتقسيم المنطقة، وتحديد من يَحكُم ومن يُحكم، كانت ملاحظات غيرترود بيل الميدانية هي الدليل الذي يتم الاسترشاد به من أجل تحقيق تسويات سياسية وجغرافية بين المصالح الدولية والمعطيات المحلية... تسويات قابلة للحياة، وهو ما تم خلال المئة عام الأخيرة. أي إن تلك الحدود "المصطنعة" كما يسميها القوميون العرب، اكتسبت شرعيتها مع الزمن وصارت هي الإطار الذي يُعرّف كل شعب ذاته من خلالها.
صحيح أن الشرق الأوسط، مثله مثل وحدات جغرافية كثيرة في العالم، لم يكن ولا مرة ثابتاً على شكل معيّن يستطيع إرضاء مكوّناته كلها، وكان عبر التاريخ خاضعاً للتغيير بحسب ما تقرّره حوافر خيول المتحاربين. لكن الصحيح أيضاً أن ما فعلته غيرترود بيل لا يمكن تجاوز أهميته كمساهمة أساسية في تثبيت شكل يستطيع الاستمرار، ليس لأنه الأصح بل لأنه القادر على اكتساب قوة الدفع الذاتية، مستفيداً من عصر الدولة القومية. وكما يرينا الواقع، فإن هذه المساهمة كُتب لها النجاح على مدار مئة عام تالية.
بعد مئة عام من عمل بيل جاءت امرأة ثانية، وهي أمريكية هذه المرة، لتقلب السؤال وتطرحه بصيغة معاكسة: ماذا لو لم تعد هذه الحدود صالحة أكثر؟ هي الصحافية المخضرمة روبن رايت، المتخصّصة في شؤون الشرق الأوسط، والتي قضت معظم حياتها المهنية في تتبّع التغييرات التي تطرأ في المنطقة وعليها. لكن بينما كانت بيل تقدّم تقاريرها إلى الجهات الرسمية البريطانية، من أجل المساعدة في تقسيم المنطقة إلى كيانات قابلة للحياة، كانت رايت تستشعر أسباب التفكّك القادم لهذه الكيانات وأشكاله المتوقعة.
رايت لم تكن تضع تصوّرات برسم التنفيذ السياسي، كما كانت تفعل بيل، لكنها على الأقل تقدم "خيالاً إستراتيجياً" تتداوله النخب السياسية في بادئ الأمر، ثم تتجه لتنفيذه إن اقتنعت بسهولة الأمر
إضافة إلى عملها الصحافي وتغطيتها للمنطقة، أصدرت روبن رايت خمسة كتب مهمة، ثلاثة منها عن صعود الإسلام السياسي والثورة الخمينية في إيران، واثنان عن العالم العربي. أحد هذه الكتب سبق ثورات الربيع العربي بثلاث سنوات وكان قراءة ذكية ومبكّرة لها ولأحداثها، والثاني ترافق صدوره مع بدايات هذه الثورات وحلل التغيّرات الاجتماعية والثقافية التي ستطرأ على المنطقة كنتيجة لها.
لكن أخطر ما قامت به هو مقالها الشهير الذي نشرته عام 2013 في الملحق الأسبوعي لصحيفة "النيويورك تايمز" بعنوان: "تخيّل شرق أوسط يُعاد رسمه"، مع خرائط توضيحية تشبه إلى حد بعيد ما يتم تداوله الآن، أو ما يتم العمل عليه.
بالتأكيد فإن رايت لا تضع تصوّرات برسم التنفيذ السياسي كما كانت تفعل بيل، لكنها على الأقل تقدم "خيالاً إستراتيجياً" تتداوله النخب السياسية في بادئ الأمر، ثم تتجه لتنفيذه إن اقتنعت بسهولة الأمر.
وسهولة الأمر تتوقّف بالأساس على اللاعبين المحليين، المغيّبين دوماً عن صناعة القرار، لأنهم غائبون أصلاً عن المعرفة التي تساهم في صناعته. والأدهى أنك لا تعرف ما يشغلهم، باستثناء أنهم يلاحقون نتائج ما يحصل لهم بدلاً من أن يستبقوها. والمضحك في الأمر أن ملاحقة هذه النتائج لا تتم إلا بالتشنّج في إيجاد المبرّرات واكتشاف البراهين.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
