"كان وحده مستلقياً على ظهره، يداه تحت رقبته، والجبين في ظلال الصخرة، وباقي جسده تحت أشعة الشمس، لباسه الازرق كأنه يدخن في الحرارة"؛ بهذه الكلمات يصف الكاتب الفرنسي المولود بالجزائر، ألبير كامو، شخصية العربي في روايته " L’étranger" أو "الغريب"، وهو يجلس مسترخياً على شاطئ البحر في يومِ قيظٍ من أيام صيف الجزائر قبل أن يطلق عليه ميرسو خمس رصاصات ليرديه قتيلاً، في لحظة عبثية نتجت عن انزعاجه من أشعة الشمس التي تضرب عينيه.
لا يحمل هذا العربي اسماً ولا ملامح واضحة، ولا حتى لساناً ينطق بالكلمات. إنه شخصيه غامضة بلا وجه مجهولة الهوية، لا يتعدى دوره في السرد عن كونه حضوراً عدائياً عابراً يساهم في تحريك السياق الدرامي للرواية، قبل أن يختفي منها تماماً.

عندما نشر ألبير كامو روايته الأولى "الغريب" عام 1942، تحولت سريعاً إلى واحدة من أهم الأعمال الأدبية وأحد الأعمدة الكلاسيكية للأدب الوجودي في القرن العشرين، حيث جسدت شخصية ميرسو الاغتراب البشري وطرحت التساؤلات حول عبثية الوجود واللامبالاة.
لكن مع مرور العقود، بدأت الرواية تقرأ من زوايا مختلفة تلفت الانتباه إلى تفصيله صغيرة لكنها كاشفة، فبينما ركزت القراءات الأولى على البعد الفلسفي للرواية، تطرقت دراسات ما بعد الاستعمار لشخصية الضحية التي لا تحمل اسماً؛ إنها ببساطة "العربي"، قتله لم يكن جريمة بقدر ما كان تجربة وجودية لميرسو يتجلى فيها الفكر الاستعماري في أقصى صوره وهو تجريد "الآخر" من إنسانيته.

"The Arab" أو "العربي" هو الاسم ذاته الذي اختاره المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل القادم من عالم السينما الوثائقية، عنواناً لفيلمه الروائي الطويل الأول، ويحاول من خلاله إعادة الاعتبار للشخصية الأكثر غياباً في رواية كامو، مانحاً إياها صوتاً وعائلةً وحياةً كاملة، كاشفاً أبعاداً أخرى للاستعمار الفرنسي الذي رزخت الجزائر في أغلاله حتى نالت استقلالها بشق الأنفس في عام 1962.
الفيلم، المقتبس عن رواية الكاتب والصحافي الجزائري كمال داود والحائزة على جائزة "Meursault, contre-enquête" أو "ميرسو... تحقيق مضاد"، حظي بعرضه العالمي الأول ضمن مسابقة الشاشة الكبيرة في الدورة الـ55 من مهرجان روتردام السينمائي الدولي (29 كانون الثاني/ يناير- 8 شباط/ فبراير 2026)، والمفارقة أن قسم "أضواء" في المهرجان نفسه شهد عرض فيلم "الغريب" للمخرج الفرنسي فرنسوا أوزون الذي التزم بالرؤية الكلاسيكية لرواية ألبير كامو الشهيرة وعرض لأول مرة في الدورة الـ82 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي (27 آب/ أغسطس- 6 أيلول/ سبتمبر 2025).
في رواية "الغريب" لألبير كامو، الإنسان العربي ليس شخصية حقيقية بقدر ما هو ظلّ بلا اسم ولا صوت، وجوده يمرّ سريعاً فقط ليُقتل، وكأن حياته لم تكن مهمة بحد ذاتها
تفتح مشاهدة الفيلمين أمامنا مساحات لافتة للمقارنة بين قراءة جزائرية تحاول استعادة صوت الضحية الغائب، في مقابل قراءة فرنسية كلاسيكية تعود إلى النص بوصفه تأملاً وجودياً في عبثية العالم.
خلال الحكم الاستعماري الفرنسي للجزائر (1830–1962)، لم يكن مصطلح "العربي" مجرد تسمية، وإنما كان يحمل دلالة سياسية واضحة في الخطاب الاستعماري، حيث تم استخدامه في الإشارة إلى السكان الأصليين باعتبارهم كتلة واحدة صماء، مع تجاهل التنوع العرقي واللغوي داخل المجتمع الجزائري، وهكذا تحولت التسمية إلى أداة رمزية للاختزال وطمس الهوية.
منح كمال داود الضحية في روايته اسماً، وهو "موسى"، وجعل من أخيه هارون راوياً يتحدث باسم القتيل الذي قتل مرتين: الأولى بالرصاص، والثانية بالتجاهل. بينما يتلاعب مالك بن إسماعيل في فيلمه بالزمن مستعرضاً عدة مراحل من تاريخ الجزائر المثقل بإرث من العنف والدم والآلام، وتتبدل في كل مرحلة طريقة السرد والتصوير والألوان.
تدور الأحداث الرئيسية في تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال ذروة ما عرف بـ"العشرية السوداء"، حين كانت الجزائر تعيش واحدة من أكثر فتراتها اضطراباً، وسط حرب أهلية دامية وعنف الجماعات الإسلامية المسلحة، فنرى مشاهد الجثث وامرأة ثكلى تبكي حال البلاد واستباحة الدم.

نتتبع الصحافي الاستقصائي كمال (نبيل عسلي)، المقيم في مدينة وهران الساحلية، وهو يرصد بقلمه نهاراً جرائم المسلحين متحدياً التهديدات التي قد تودي بحياته، بينما يتجول ليلاً بين حانات المدينة الكئيبة. وفي إحدى الليالي يلتقي بهارون، الذي يجسد شخصيته الممثل والمخرج الجزائري الراحل أحمد بن عيسى في آخر أعماله.
يظهر هارون كرجل مسن لحوح يصر على اختراق عزلة كمال واقتحام حياته، ليحكي له قصة أخيه الأكبر موسى، مدعياً أنه "العربي" القتيل في رواية ألبير كامو، وأن الأخير سرق قصة عائلته الحقيقية.
في مشاهد كامل وهارون نرى شوارع وهران الحزينة الغارقة في الظلام والألوان القاتمة، ونادراً ما يظهر ضوء النهار. وتبرز العمارة الكولونيالية في الجزائر والمباني الفرنسية القديمة التي تحتضن اليوم حياة جزائرية شعبية، ومن بينها شقة كمال التي يمكن القول إنها تشبه إلى حد بعيد شقةَ ميرسو التي وصفها كامو في رواية "الغريب" وجسدها أوزون في فيلمه الأخير.
ما يفعله الكاتب كمال داود والمخرج مالك بن إسماعيل هو محاولة بسيطة لكنها قوية: إعادة الإنسان إلى هذا "العربي"، و منحه اسماً وقصةً وعائلة، بعد أن اختُصر في كلمة واحدة وتم تجاهله تماماً
يتعامل كمال في البداية مع ادعاءات هارون بوصفها محض خيال وتخاريف مسنّ يبحث عن الاهتمام. لكن مع تطور حواراتهما تدريجياً يجد نفسه منجذباً إلى القصة وما تطرحه من تساؤلات أعمق حول الذاكرة والهوية والتاريخ وإرث العنف والدم.
يسترجع هارون في حكايته حياة مؤلمة ومضطربة، قضى فيها طفولته تحت ظلال الاحتلال الفرنسي في أربعينيات القرن الماضي، حيث فقد أخاه الأكبر موسى دون سبب واضح قبل أن يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره. وينقلنا بن إسماعيل إلى عالم الذكريات وكآبة الحادث المأساوي الذي زلزل هذه الأسرة الصغيرة مجسداً ذلك عبر مشاهد بالأبيض والأسود.
ثم ننتقل إلى عالم أكثر حيوية بالألوان في مرحلة الشباب ومطلع الستينيات التي شهدت الاستقلال، وكان من المفترض أن تكون المرحلة الأزهى في حياة هارون، لولا سطوة الأم التي جسدتها ببراعة الفنانة الفلسطينية العالمية هيام عباس.
يقع هارون في فخ الانتقام الأعمى الذي فرضته عليه الأم المفجوعة بفقدان ابنها الأكبر، مصدر فخرها، فيقتل بريئاً بعد الاستقلال، ربما لم تكن له أي علاقة بالجريمة الأصلية سوى كونه "فرنسياً"، لم يسعفه حظه ليرحل في الوقت المناسب. وهنا تكمن مقارنة أخرى بين جريمة هارون وتبعات عقدة الذنب التي لم يخترها، في مقابل الجريمة التي ارتكبها ميرسو بلا مبالاة تجاه ضحيته المجهولة.

في "الغريب" تتحول محاكمة ميرسو إلى محاكمة أخلاقية أكثر منها قانونية، إذ يحاكم على بروده العاطفي الذي يخالف القواعد الاجتماعية الفرنسية، لأنه لم يظهر الحزن في جنازة والدته، بينما تبقى جريمة القتل نفسها مسألة ثانوية. على النقيض، يرتكب هارون جريمته تحت ضغط الأم، التي تجمعه بها علاقة خاصة جداً تأسست على الألم والحزن والفقد.
مع كل انتقال زمني يتغير تصميم المشاهد وحجم الشاشة: ففي الأربعينيات تدور الأحداث بالأبيض والأسود داخل إطار شبه مربع بنسبة عرض 4:3، قبل أن تنفتح الصورة على الشاشة العريضة، وينفتح معها عالم هارون على مصراعيه مع الاستقلال، وبالتحديد في لقطة رحيل المستعمرين الفرنسيين تاركين خلفهم منازلهم خلفهم والتي قررت أم هارون أن تحتل أحدها تعويضاً عما لاقته من ذل وقهر.
بقدر ما كانت لعبة الانتقال في الزمن مع حكاية هارون جذابة وسلسة، بقدر ما أوقعتنا الحبكة المتقلبة والانتقالات أحيانا في حالة من التشتت، ننسى معها المسار الأصلي للأحداث في التسعينيات، ونعجز عن تتبع تطورات شخصية كمال وعلاقته بهارون، بينما على العكس يسهل رصد التحولات في شخصية هارون خلال المراحل العمرية المختلفة والتقلبات النفسية التي يمر بها نتيجة لتداعيات مقتل أخيه.
في منظور بن إسماعيل الجريمة ليست مجرد فعل القتل بل هي محو للهوية، فالعربي لم يقتل مرتين، مرة بالرصاص وأخرى بالتجاهل فحسب، بل أصبح موته عبئاً على الذاكرة الجماعية الجزائرية التي تحاول اليوم استرداد حقها في السرد؛ رواية كامو حولت العربي من شخص إلى مجرد توصيف، وبالتالي فإن غيابه عن المحاكمة ليس أكثر من امتداد طبيعي لاختفائه من الرواية نفسه، وانكار لحقه في العدالة والوجود.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
