حكاية

حكاية "عيشة" الموريتانية مع الزواج السرّي

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 31 مارس 20269 دقائق للقراءة

"بعد هذه التضحية لأجل كفّ أسرتي عن تذنيبي لسبب تأخّر زواجي ولأجل نفسي، أدركت أنني كنت أزيد من معاناتي وهمّي الشخصيين وأهين نفسي، فبعد أن سافرت إليه وقضيت معه شهرين، أكثر من أربعين يوماً منها حرفياً كلها مشكلات وخيبات، أدركت أنني مجرد بديل مؤقّت لرجل حسب قناعته لا يجب أن يقوم 'بالحرام'، كون الحرام عنده فقط ألا ينام مع سيدة من غير زواج"، تروي الشابّة الموريتانية "عيشة" بمرارة عن تجربتها مع الزواج السرّي.

وحول سبب إقدامها على هذا النوع من الزيجات، تقول: "تزوّجت حتى أرتاح من عبء الكلام الجارح والتأفّف والاستنقاص وسماع كلمات من قبيل 'بايرة'، وأحاديث جدّتي وحتى أمي. كلما تساءل أحدهم حول متى سأتزوج يكون الردّ: 'لم تتزوج بعد وما زالت تزاحمنا في المنزل وحضانة البنات صعيبة'، كما اعتادت جدّتي أن تقول في كلّ مرة".

وتستطرد في إجابتها: "أقدمت أيضاً على الخطوة لتوفير حاجياتي وأغراضي التي تتأفّف عائلتي من توفير أبسطها كونها ليست مسؤوليتهم بل مسؤولية زوجي المستقبلي، فهو معنى وجودي وخلاصي الوحيد. وأيضاً لأجل أن أكمل دراستي التي أخفقت فيها لأسباب مادية ومعنوية وظروف قاهرة كثيرة. أردت الهروب فقط من هذا الواقع المجنون الذي عشت فيه حتى وإن على حساب قلبي ومبادئي وقناعاتي الرافضة كلها لأن أكون زوجةً ثانيةً".

"السرّية" في موريتانيا

لطالما حذّر الباحثون والمختصون في الشأن الموريتاني من أعداد الطلاق المرتفعة ونسبه المهولة في موريتانيا على مدار سنوات. وانبرى المحللون والمهتمون بالشأن الموريتاني بالدراسة والبحث والتحليل للتوصل إلى حلول لهذه المشكلة العويصة التي تعصف بكيان الأسرة الموريتانية إلى درجة القول إنّ في كل بيت موريتاني مطلقةً.

برغم الأسباب الكثيرة للطلاق وتفشّيه في موريتانيا، إلا أنّ الزواج السرّي وانتشاره في السنوات الأخيرة بشكل كبير لا يقلّ خطورةً عن نسب الطلاق الكبيرة، بل لعلّه من بين الأسباب المباشرة في ارتفاعها عموماً... كيف؟

وبرغم الأسباب الكثيرة للطلاق وتفشّيه، إلا أنّ الزواج السرّي أو ما يُعرف "بالسرّية" في موريتانيا وانتشارها في السنوات الأخيرة بشكل كبير لا يقلّ خطورةً عن نسب الطلاق الكبيرة، بل لعلّه من بين الأسباب المباشرة في ارتفاعها عموماً.

هذا النوع من الزواج يهدّد مؤسسة الأسرة، ويطعن القانون في خاصرته. ومن المعروف أنّ "الزواج السرّي" الذي ذاع صيته وراج في الأوساط الاجتماعية الموريتانية ما زال يحافظ على صدارته في قائمة تسميات أنواع الارتباط الجسدي. فالنسبة التي تحدثت عنها الجهات المعنية تدلّ على تغلغل "السرّية" في البنية الاجتماعية الموريتانية، إلى درجة اضطرت فيها وزيرة العمل الاجتماعي إلى القول: "إنّ الزواج السرّي في موريتانيا يهدد استقرار الأسر الموريتانية".

وفي نقطة صحافية متلفزة تم نشرها على منصة "أصداء" الإخبارية بتاريخ 3 تموز/ يوليو 2025، صرّحت الوزيرة صفية بنت انتهاه، للصحافيين والرأي العام الموريتاني، عن واقع الأسرة الموريتانية بأنّ الأخيرة تتعرّض للكثير من التحديات، حيث إنّ "هناك نساء كثيرات ضحايا للزواج السرّي، وكذلك أطفالاً كثيرين، وهناك مناطق برمتها فيها جيل كامل سيكون غداً بلا أوراق مدنية لأنه نتيجة زواج سرّي يختفي فيه الأب بعد الطلاق ويصعب العثور عليه"، حسب تعبيرها.

وأضافت أنّ الوزارة "لا تتكلم في قضية ما إلا في حالة استفحالها وانتشارها بالقدر الذي تصعب فيه معالجتها بالطرق والمساطر القانونية فقط"، مؤكدةً على حاجتهم إلى المؤازرة من طرف المؤسسات الإعلامية والصحافيين والناشطين الإعلاميين بالحديث والنشر حول الموضوع، فالوزارة "تستقبل يومياً عدداً لا حصر له من الشكاوى تتعلق بالنفقة والطلاق واختفاء الأزواج فجأةً"، وترك المرأة والأبناء في عراء الحياة.

معضلة قانونية

بيد أنّ قضية الزواج السرّي تُعدّ معضلةً قانونيةً حقيقيةً لم يُلتفت إليها بعد حتى تُراجَع بصرامة وانضباط، فالقانون الموريتاني يعتمد على التشريعات في الفقه المالكي، وتحديداً نسخته الخليلية، كما يشير القاضي في محكمة ولاية نواكشوط الجنوبية الدكتور هارون ولد عمار ولد إديقبي، في دراسة له حول مدوّنة الأحوال الشخصية الموريتانية: "لقد أتت هذه المدوّنة متشبِّثة إلى حدٍّ بعيد بالفقه المالكي في نسخته الخليلية ومتأثرةً إلى حد أبعد بصياغته، بل إنّ مطالِعَها يلحظ بشكل واضح أنّ بعض موادها مأخوذة حرفياً من مختصر الشيخ خليل بن إسحاق المالكي".

وعليه، تدخل السرّية تحت بند التعدّد الذي يشرّعه القانون الموريتاني ولا يمنح الزوجة حق تطليق نفسها في حالة اكتشاف خيانة الزوج، إلا في حالة تضمين عقد زواجها في الأصل شرط "لا سابقة ولا لاحقة وإن فعل شيئاً من ذلك فأمرها بيدها"، كما هو دارج عند الموريتانيات. وتالياً، "السرّية" تدخل في ما يشرّعه القانون كونه لا يوجد بند قانوني صريح يجرم هذا الفعل أو يمنعه، وبهذا تُعدّ نوعاً من التعدد في حالة كان المُقدِم على الزواج متزوجاً سلفاً، على عكس بلدان مغاربية أخرى كتونس التي تجرّمه بتاتاً في المادة 18 من القانون التونسي، والقانون المغربي الذي يبيحه ضمن شروط صارمة وبإشراف قضائي شامل كما في المادة 41 من مدوّنة الأسرة المغربية.

"لبّار"

في السنوات الأخيرة، عانت شابّات موريتانيات في منتصف العشرينات من التفكّك الأسري والرهاب الاجتماعي نتيجة الخوف من الوصم بعبارة "بائرة". هذه العيّنة تنتمي في الغالب إلى أسر يمكن عدّها "محافظةً" حسب الاستعمال المحلي لهذه العبارة، أو من بنات الأسر الكبيرة. ودلالة "الأسر الكبيرة" عند المجتمع الموريتاني تشير إلى القبائل العريقة في البلاد ذات الأصول العربية النبيلة حسب زعم أفرادها.

الأسر التي تحوز هذا الوصف، أي "محافظة"، في المجتمع الموريتاني، بالنسبة لي تكون غالباً هي الأسر الأكثر قدرةً على قمع النساء ومحو شخصياتهنّ والتسبب لهنّ في الضغط النفسي وحتى الإرهاق الجسدي من كثرة إيلاء أشغال البيت لهنّ بشكل مجحف، ودوام استعجالهنّ على الزواج وإظهار التبرّم والتعب من تواجدهنّ في بيت العائلة، وليس في بيت الزوج الذي هو بيت المرأة الحقيقي كما يتصوّرون. يتفاقم الأمر بشكل خانق كلما تأخّر زواج الفتاة، ويتحوّر حتى يصل إلى درجة التعنيف اللفظي إذا بلغت العشرين.

"الفترة التي قضيتها معه من الفترات الصعبة التي عشتها في حياتي، وأحمد الله لأنّه طلب مني تركيب شريحة منع الحمل منذ أول يوم زواج حتى لا يشعر بأيّ نوع من تحمّل المسؤولية تجاهي لا قبل الطلاق ولا بعده"

أما من تجاوزتها، فهي في نظر هذه الجماعات "بارت وعشّش فيها البوار" أو "لبّار" كما يطلَق عليه محلياً. أيضاً يربطن كل سعادة آنية وكل متعة ممكنة وكل هدف مادي، كبيراً كان أو صغيراً، بالرجل/ الفارس المرتقب والزوج المنتظر على أحرّ من شوك.

هؤلاء الشابّات بالمناسبة أعدادهنّ غير قليلة، وإذا قمنا بإحصاء جادّ سنجد أنهنّ بالآلاف أو مئات الآلاف حتى، نتيجة ثقافة وتقاليد المجتمع المجحف بعضها والمشوّه. إلا أنّ المجتمع ما زال يفتقد ثقافة تحديث المعلومات المدنية، ولا يُقبل على الإحصاءات غالباً. وهذا النوع تحديداً من الإحصاءات مرفوض ومنبوذ. فما يتم الحديث عنه فقط في مجالس الشابّات حين يلتقين ويشرعن في الفضفضة والتفريغ لبعضهنّ لا حصر له، ناهيك عمّا أصبح يصرَّح به ويتم نشره في الإنترنت تحت أسماء مستعارة نتيجة الخوف أو حتى من طرف شابّات قرّرن الإفصاح عن معاناتهنّ، وما يجول في خواطرهنّ من قهر.

كلّ شابّة موريتانية من هذه الأوساط وتنتمي إلى أسرة من هذه الأسر أو لديها صديقات من الأوساط المعنية بهذا الكلام، أو متابعة لما يُنشر حول قضايا المرأة ومعاناة الفتيات، تدرك جيداً مدى حقيقة هذا الطرح، وهذا ما حدا بكثير من الشابّات مؤخراً وحتى ممن لم يسبق لهنّ الزواج أن يقرّرن االزواج سرّاً بنوعية الرجال التي أشرت إليها.

"عيشة"... زوجةً ثانية

برغم أنّ الأمثلة كثيرة، إلا أنني اخترت صديقتي "عيشة" كونها مثالاً حديثاً وحيّاً. فاجأتني مؤخّراً بخبر زواجها. صُدمت بإعلامي بالأمر بعد إتمام الزواج وإكمال جميع إجراءاته. سبب الصدمة طبعاً أنّ "عيشة" صديقة قديمة وهي بمقام الأخت، ولكنها أخبرتني بالسبب في ما بعد، ويرجع في الأساس إلى كون والدتها طلبت منها ألا تخبر أحداً حتى يتم عقد القران وتصبح هي والسيد الذي يعمل في دولة خليجية زوجين. فحسب اعتقاد والدتها، الخطّاب السابقون لم تكتمل علاقتها بأيّ منهم وتنتهي بالزواج بسبب دراية الآخرين بالأمر قبل اكتماله.

لكن تبيّن أنّ السبب الحقيقي هو أنّ هذا الزواج "سرّي" ومع رجل متزوج ولديه أبناء. كان زوجها متزوجاً من ابنة عمه، بينما يعمل هو مهندساً في شركة نفط في إحدى الدول الخليجية. تعرفت إليه عبر الإنترنت، ولم يمضِ على تعارفهما أسبوع حتى أرسل صديقه إلى منزلهم وقام بخطبتها بعد أن اتفقا أن تكون زوجةً ثانيةً في السرّ. ولأنّ صديقتي في عمر السابعة والعشرين وأصبحت "بايرة" منذ وقت طويل بالنسبة لعائلتها، وبما أنّ السيد المتقدّم لخطبتها يعمل في الخليج ومن أسرة تنتمي إلى قبيلة موريتانية عريقة، تمت الموافقة في اللحظة، وتم الزواج في صباح ليلة الخطبة، عن بعد.

تقول "عيشة": "الفترة التي قضيتها معه من الفترات الصعبة التي عشتها في حياتي، إلا أنّ صعوبتها كانت أقسى وأمرّ بعد أن شعرت بنوع من العاطفة تجاهه، ذلك الشعور الدافئ الذي في اعتقادي لا بدّ للمرأة الشعور به حتى يكون بإمكانها الاستمرار في ممارسة الحياة مع أحدهم. وازداد الأمر سوءاً بالنسبة لي حين أيقنت أنه يحب زوجته ويقضي وقتا كثيراً في الحديث معها والثرثرة حول كل صغيرة وكبيرة معها على الهاتف بشكل يومي".

وتختم بمرارة: "بعد عودتي إلى الوطن وشعوري بأنّه تمّ استغلالي بأبشع صورة، قررت طلب الطلاق والإصرار عليه هذه المرة، وتطلّقت. وأكثر شيء حمدت الله عليه أنّه طلب مني تركيب شريحة منع الحمل منذ أول يوم زواج حتى لا يشعر بأيّ نوع من تحمّل المسؤولية تجاهي لا قبل الطلاق ولا بعده".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile