الحماقة كما لم يروِها أحد... رواية سمير قسيمي الجديدة

الجمعة 11 سبتمبر 202010:31 ص

يقيم سمير قسيمي، الروائي الجزائري، في روايته الجديدة "الحماقة كما لم يروِها أحد"، الصادرة عن دار ضفاف، لبنان ودار الاختلاف، الجزائر لعام 2020، معارضة روائية لروايته السابقة "سلالم ترولار". والمعارضة، وفق النمط الشعري، تعرّف بأنها نسج قصيدة على منوال قصيدة أخرى، يأمل فيها الشاعر أن يتفوّق في قصيدته الجديدة على القصيدة القديمة/ المعيار، كما فعل أحمد شوقي بمعارضته قصيدة البردة للبوصري. وتشي المعارضة بجدل يقوم بين التاريخ والحاضر. فالقصيدة التي تتم معارضتها هي أصل، والقصيدة التي ترتكب فعل المعارضة هي فرع، والهدف من هذه المعارضة أن يصبح الفرع أصلاً.

قال سعيد عقل: "أجمل التاريخ كان غداً". أن يكون التاريخ غداً، هذا يعني أن يكون وسيلة وغاية، نبتدعه من أحلامنا، أمانينا وواقعنا. وإذ يعمد قسيمي إلى سرد معماره الروائي على هيكلية المعارضة المستعارة من الشعري إلى الروائي، فهذا يعني أن نجد أكثر الشخصيات الفاعلة في رواية "سلالم ترولار" موجودة في "الحماقة كما لم يروِها أحد" ونفس الزمان والمكان الروائيين. وهذا الأمر قد يكون واضحاً للقارئ إذا علم أن قسيمي يكتب ثلاثية يقارب فيها تاريخ الجزائر، مع أنه يقول بأن الرواية التاريخية هي حمار السرد، فهل ناقض قسيمي ذاته؟

في روايته الصادرة حديثاً "الحماقة كما لم يروها أحد" يستمر الروائي سمير قسيمي مع شخصيات ألِفها القارئ من روايته السابقة "سلالم ترولار"، ولكن يوظفها بشكل مختلف عبر بنائها وفق هيكلية المعارضة المستعارة من الشعري إلى الروائي

التاريخ، هذا الأحمق الكبير

لا تستطيع الرواية التاريخية أن تكون حرّة، فمتى اقتربت من النقد التاريخي فإنها تسقط، وإن كانت أجنحتها من التخييل، لذلك تُكتب تحت سطوة التاريخ. والسبب يعود إلى أنّ التاريخ مشترك جمعي مؤسطر تم التواطؤ عليه، بحيث يكون من الصعب إعادة كتابته أو نقده، وإن تم ذلك سيظل الأمر بين فئة محدودة وغير مؤثرة من المهتمين. فالقاعدة القانونية التي تقول بأنّ الحيازة القائمة على الغصب تصبح بمرور الوقت قانونية، تخبرنا بأن القانون يجنح إلى استقرار المعاملات مضحيّاً بالحقوق. وهذا هو التاريخ، فكلّما كان أكثر استقراراً كان أفضل، ولو تم التضحية بالكثير من الحقائق.

أمام هذا الواقع يذهب سمير إلى هدم معماره الروائي في "سلالم ترولار"، بمعمار جديد يناقض معماره السابق. فإذا كان جمال حميدي "سلالم ترولار" يصبح رئيساً للبلاد، وهو البواب المقعَد، بعد أن أوهم الشعب بأنّه يملك حلاً لمعضلة اختفاء الأبواب، فإنه في الرواية الجديدة مجرّد ابن لعرّافة يدير داراً للمواعدة/ الدعارة. كذلك إبراهيم بافالولو، الأب السّري لأولغا، يصبح في الرواية الجديدة معشوقاً لها. وتكرّ سبحة الشخصيات، من عصام كاشكاصي إلى موح بوخنونة ...، فيظهرون بحلّة أخرى مناقضة لما عرفناه عنهم في "سلالم ترولار".

عبر هذا المعمار الجديد في "الحماقة كما لم يروها أحد" يقوّض قسيمي فكرة التاريخ، وإن كان لنا أن نقول، عبر توازٍ أو فنتازيا تخيلية، كأننا في عوالم متوازية، كما يقول العلم أو في "الأثر"، قال ابن عباس في تفسير المقولة القرآنية بأن الله خلق سبع أرضين: "في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه".

إن ذهاب قسيمي للمعارضة التاريخية الروائية لروايته "سلالم ترولار"، ذلك لأن التاريخ ذاته حكاية، والحكاية تتشعّب بعدد الرواة، إلى أن تأتي سلطة تنتخب منها ما تريد وتقرّه تاريخاً. هذا الإقرار هو جوهر التاريخ الذي يميّزه عن الرواية، التي تبقى في مهب ذائقة القارئ وموضوعية الناقد. ولأن الرواية هي تاريخ الفرد لا الجماعة، كان للفرد الحق بأن يصبح سلطة على سيرته، يهدم، ينسخ، يحذف ويبني.

يماثل قسيمي في رواية "الحماقة كما لم يروها أحد" بين سلطة المؤرخ وسلطة الروائي، فيعمد إلى تأريخ الجزائر من خلال أحياء العاصمة في مزج بين بين الاجتماعي المهمش والسياسي المهيمن، واستكشاف لحلقة الخانع والمستبد، والحماقة التاريخية التي ابتكرتهما

هذه المماثلة بين سلطة المؤرخ وسلطة الروائي، هي التي سمحت لقسيمي أن يسخر ويتهكّم من كل الكلاسيكيات في تاريخ بلده، سواء كانت تاريخاً، حاضراً أم مستقبلاً. فتأريخ الجزائر من خلال أحياء العاصمة الجزائرية (حي ترولار الشعبي، حي الدوق دي كار، حي الدكتور سعدان)، سمح للقسيمي بمساحة يمزج فيها بين الاجتماعي المهمش والسياسي المهيمن. هذا التقاطع بين الاجتماعي والسياسي يفضي إلى الهوة بين السلطة والشعب، ويدخلنا في حلقة الخانع والمستبد، كلاهما لا ينفك يبتكر الآخر، وكلاهما من ابتكار الحماقة.

يذكر لويس عوض في كتابه "أسطورة برومثيوس" بأنّ التراجيديا لا تكتفي بالحفاظ على مشكلة الخير والشر، بل تتلمّس المصالحة النهائية بينهما، تحت مفهوم متناقض ذاتياً، يتمثّل في البطل الآثم. وهذا تقريباً ما يفعله التاريخ أو الرواية التاريخية، لذلك نجد في القرن الثامن عشر توجّهاً إلى الكوميديا التي تهزأ من الكلاسكيات التي استندت إليها أوروبا في نهضتها، كما حلّل لويس عوض. الرواية ليست سياسة، فهي تختلف عن السرديات الأدبية التي سبقتها، وهذه ميزتها الحقيقة، بأنّ غايتها نقض السياسة، ونقض القطيع الممتثل لأمر الراعي الذي يغفر له التاريخ بحجة البطل الآثم.

من هذا المنطلق يعيد قسيمي الكتابة وفق آلية تهكّمية تنال منه ذاتياً، وخاصة في مقدمة الرواية، حيث يضع لنا رسالة أحد الناشرين الذي يطلب منه أن يستخدم إبداعه في الكتابة عن الكلاب والطعام. وخاصة بعد أن سحرت الناشر، قصة كلب اهتدى إلى صاحبه على الرغم من فقدان حاسة الشم لديه. يأتي ردّ قسيمي بأنه لم يكن يقصد إلا أن يضحك القراء على واقعهم في سرديته الروائية هذه، فلماذا ذُعر الناشر ونقل خوفه إلى الروائي؟

وإن كان من إجابة، ذلك لأن القضاء على هذا النسق الثقافي الخاضع لإيماءات السلطة والتاريخ، لا يكون إلا بالثورة عليه أو بالخضوع له! الإجابتان نقضهما قسيمي في ثنايا الرواية، فلا الثورة ولا الخضوع كانا مجديين، لذلك لم يبق أمام الروائي إلّا أن ينقض جوهر روايته "سلالم ترولار" بـ"الحماقة كما لم يروها أحد".

لا أبواب، لا قرّاء

في "سلالم ترولار" تختفي الأبواب من البلاد، هكذا يختلط العام بالخاص، الجمعي بالشخصي. لم يعد من حدود. الحدود التي تصنع السلطة ذابت باختفاء الأبواب، لذلك لجأت الدولة العميقة إلى معجزة ميتافيزيقية كانت عبر البوّاب جمال حميدي الذي أوهم الجميع بقدرته على الحل. في الحماقة يأتي الحل عبر الأحدب سالم الجمل، الذي احتفظ لسبب ما بقدرته على القراءة عندما سقط الجميع في الجهل وانعدام القدرة على القراءة.

يذكّرنا سالم الجمل بأحدب نوتردام ودوره في يقظة أوروبا، إلا أن أحدبنا صنيعة الدولة العميقة/ العسكر الذين لا يقرؤون غير الرتب والشارات العسكرية، فكيف إذن سيُكتب التاريخ ويُقرأ على الأجيال الجديدة؟ وكيف سيدار الحاضر؟ تلك أسئلة لا تجيب عنها غير الحماقة!

ولأنّ الجوائح المرضية تحدث بشكل أقرب إلى الصدفة الممنهجة، كان أحد الضباط الذين أحيلوا إلى التقاعد، بعد أن ألغى الرئيس جمال حميدي كلّ الرتب، يقرأ رواية "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" بشكل مستمرٍ كتعويض عن الاستغناء عن خدماته. وعندما حدثت الجائحة أُعيد إلى منصبه من قبل الدولة العميقة، لأنه من الحرس القديم بحثاً عن حل للجائحة المرضية. وعلى الرغم من أنه لم يعد قادراً على القراءة إلا أنه يحفظ عنوان الكتاب الذي لم يفهم منه شيئاً، وفق ما قال لنفسه. هكذا يتم استدعاء الشعب لقراءة عنوان الرواية التي لم يستطع أحد قراءة عنوانها، غير سالم الجمل/ البطل الآثم، فيصبح رئيساً مخلّصاً، بعدما كان جمال حميدي مخلّصاً سابقاً للشعب.

تظهر شخصيات روايات قسيمي وكأنها تصوير فج لقبح الواقع، أو مبالغة كاريكاتيرية معكوسة، المأساة التي تجسدت في "سلالم ترولار" بنجاة البلاد على يد بواب لا يفكر إلا في عنّته، تحولت إلى المهزلة في "الحماقة كما لم يروها أحد" بنجاة البلاد، من قبل أحدب يهزأ من سيرة أحدب نوتردام

قلنا منذ قليل بأن الرئيس هو جمال حميدي! ليس من غرابة في ذلك، فوفق منطوق التاريخ كما يقول ماركس: "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة". هذا المنطوق سيحكم الروائي، وهنا يكمن جوهر رواية قسيمي وإلا ستصبح روايته الثانية خبط عشواء، فكما كانت المأساة الأولى في "سلالم ترولار" أن يكون نجاة البلاد من قبل بواب لا يفكر إلا في عنّته، ستكون نجاة البلاد في الرواية الثانية، من قبل أحدب يهزأ من سيرة أحدب نوتردام، لتتحقّق معادلة ماركس من المأساة إلى المهزلة.

إنّ المقتل الوجودي للعسكر أنهم لا يقرؤون، لذلك لن يجدوا من يكاتبهم. وإن كانوا، من أجل اللياقة الدولية ومجاراة لمستعمرِهم القديم، يقيمون حكماً مدنياً ويجيدون التحكم فيه عبر أوامر من مثل: وراء درْ.

من أجل ماض أفضل

لماذا الحماقة كما لم يروِها أحد، لأنّ الحماقة لا تروى بل تعاش، وإن خاتل قسيمي وكتب عن الحماقة، فذلك ليسلط الضوء على مهرجي البلاط، من ساسة، مثقفين، فلاسفة وكتّاب ... الذين يجيدون لعب دور البطل الآثم. في إحدى فقرات الكتاب يسرد قسيمي بأن البلاد قد احتلت، لأن أحد البايات أغرم بأحد القناصل الفرنسيين. ولأن المثلية تهمة مميتة في ذلك الزمن، قُتل الباي، لذلك سعى القنصل لدى فرنسا كي تحتل الجزائر منتقماً لمقتل عشيقه. قسيمي لا يدين المثلية بل يدين هذا الاستخدام الذي لا يضمر مستخدِموه من الكتّاب إلا المصلحة الذاتية، متناسين حقوق هذه الفئة في الواقع.

"الحماقة كما لم يروها أحد"، تاريخ روائي لجزائر موازية لهذه الجزائر التي نعرفها ببلد المليون شهيد. وفي الوقت نفسه تعارضها وتشتهي ماضياً أجمل، لأن الحاضر والمستقبل غارقان في العتمة

مرّ التاريخ بمراحل عديدة: من الأسطورة إلى التراث وأخيراً إلى علم التاريخ الذي يتحصّن بالعقل، المنطق، السبب، النتائج، العلل والتعليل، في كتابته للحدث الإنساني. ومع ذلك كان التاريخ مطية سياسية بامتياز كما كان مطية دينية، لذلك لن ينفع تفكيكه بالمنطق والعقل، وخاصة من قبل رواية لا تقوم إلّا على التخييل. ولأن الحماقة مقابل موضوعي للعقل والمنطق، كتب قسيمي "الحماقة كما لم يروها أحد"، كتاريخ لجزائر موازية لهذه الجزائر التي نعرفها ببلد المليون شهيد. وفي الوقت نفسه تعارضها وتشتهي ماضياً أجمل، لأن الحاضر والمستقبل غارقان في العتمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard