لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط فحسب، إنما أزاحت الستار عن حضور ثلاث رؤى أخروية "قيامية" كبرى أخذت تتقاطع في خلفية الصراع بين أطرافه الأساسية، حتى بدا أنّ المنطقة لم تعد تُقرأ بوصفها ساحةً لتوازن القوى وحدها، إنما فضاء تتداخل فيه الإستراتيجيات مع سرديات النهاية، والجغرافيا مع النبوءة، والسياسة مع انتظار طويل لم يكتمل بعد.
في الولايات المتحدة، يطلّ من خلف الأحداث "مخيال إنجيلي" يرى في الشرق الأوسط أرض "هرمجدون" القادمة.
في إسرائيل، تتجدد بعض التأويلات المسيانية التي تقرأ الدولة بوصفها محطةً في تاريخ الخلاص التوراتي.
أما في إيران، فيستند الخطاب السياسي في طبقاته الرمزية العميقة إلى أفق الانتظار المهدوي بوصفه وعداً مؤجّلاً بعدالة لم تصل بعد.
هكذا تبدو هذه الحرب في أحد مستويات قراءتها الأبعد، لحظةً يتجاور فيها التاريخ والأسطورة، ويتحوّل فيها النزاع الإقليمي إلى فصل من سردية كونية أوسع من حدود الخرائط.
الإنجيليون في الولايات المتحدة و"مخيال هرمجدون"
ما إن بدأت هذه الحرب حتى بدا أنّ صفحات الصحف الأمريكية لا تتحرك داخل لغة الحسابات العسكرية وحدها، بل داخل أفق أعمق وأكثر رسوخاً في الوجدان الثقافي الأمريكي. أفق ديني رمزي يتسلّل إلى مخيال قطاعات واسعة من المجتمع، لا سيّما في أوساط التيار الإنجيلي البروتستانتي، حيث لا يُقرأ تاريخ الشرق الأوسط بوصفه سلسلة وقائع سياسية فحسب، بل باعتباره مسرحاً تتكشف فيه نبوءات النهاية، وتتهيأ فيه مقدمات التحول الكوني الأخير. فهذه المنطقة في هذا المخيال ليست مجرد مسرح للحروب، إنما أرض تتقدّم فيها الوقائع خطوةً نحو النصّ المقدّس.
ربط دعاة التلفزيون الديني الأمريكيون في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، بين أخبار الشرق الأوسط اليومية ونبوءات سفر الرؤيا، حتى بدا للمشاهد العادي أنّ نشرات الأخبار لم تعد منفصلةً عن النص المقدس، وأنّ حركة الجيوش في المنطقة إشارة من إشارات الزمن الأخير
لا تنشأ هذه القراءة من فراغ، إنما تتصل بما يُعرف في اللاهوت المسيحي بمعركة "هرمجدون"، تلك الواقعة التي ورد ذكرها في سفر الرؤيا حيث يجتمع ملوك الأرض في الموضع الأخير قبل عودة المسيح في نهاية الأزمنة. وقد لاحظ المؤرخ الأمريكي بول بووير، في كتابه الشهير "حين لا يكون الزمن بعد اليوم" (1992)، أنّ الإيمان بنبوءات آخر الزمان لم يعُد منذ القرن العشرين شأناً لاهوتياً نخبوياً محصوراً في مدارس التفسير الكتابي، بل أصبح جزءاً من الثقافة الدينية الشعبية الواسعة في الولايات المتحدة، حتى غدا بمثابة عدسة رمزية تُقرأ من خلالها السياسة الدولية، وتُفسّر عبرها تحوّلات العالم الكبرى.
من خلال أرشيف واسع من الكتب الدينية والخطب الكنسية والبرامج التلفزيونية الوعظية، أظهر بووير كيف أخذ ملايين الأمريكيين ينظرون إلى الحرب الباردة نفسها بوصفها علامةً من علامات اقتراب النهاية، وكيف تحوّل الاتحاد السوفياتي في بعض هذه القراءات إلى صورة من صور العدو الأخروي الذي يمهّد لمعركة "هرمجدون" الكبرى، قبل أن تنتقل هذه الصورة في المخيال الشعبي لاحقاً إلى إيران. وهكذا لم تعُد هذه الحرب، في بعض مستويات تصوّرها الثقافي، حرب نفوذ بين دول، إنما صارت فصلاً جديداً في تاريخ مقدّس يتقدّم ببطء نحو خاتمته الموعودة.
بلغت هذه القراءة ذروة حضورها السياسي بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، حين رأى بعض القساوسة الإنجيليين في عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقاً مباشراً لنبوءات الكتاب المقدس، لا بوصفها حادثةً سياسيةً من حوادث القرن العشرين، إنما خطوة ضرورية في ترتيب المشهد الكوني الذي يسبق عودة المسيح.
ومنذ ذلك الحين، أخذت العلاقة بين إسرائيل والمخيال الإنجيلي الأمريكي تتجاوز حدود السياسة التقليدية، حتى غدت إسرائيل، في بعض هذه التصوّرات، علامةً زمنيةً أكثر منها دولة بالمعنى المألوف للكلمة.
ولعب دعاة التلفزيون الديني في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، مثل جيري فالويل وبات روبرتسون، دوراً حاسماً في تعميم هذه القراءة على نطاق جماهيري واسع، إذ ربطوا بين أخبار الشرق الأوسط اليومية ونبوءات سفر الرؤيا، حتى بدا للمشاهد العادي أنّ نشرات الأخبار لم تعد منفصلةً عن النص المقدس، وأنّ حركة الجيوش في المنطقة ليست مناورةً سياسيةً فحسب، بل إشارة من إشارات الزمن الأخير.
ويشرح المؤرّخ الأمريكي تيموثي بي. ويبر، في كتابه "على الطريق إلى هرمجدون" (2004)، كيف تحوّلت هذه القراءة من تصوّر لاهوتي هامشي إلى قوة سياسية مؤثرة داخل المجتمع الأمريكي، ولا سيّما في أوساط اليمين الإنجيلي الذي أخذ يرى في دعم إسرائيل واجباً دينياً لا يقلّ قداسةً عن الشعائر نفسها، لأنه في نظره يهيئ الطريق لعودة المسيح، ويسهم في تحقيق الوعد الإلهي كما فُهم في بعض مدارس التفسير الإنجيلي الحديث.
مع ذلك، يحرص معظم الباحثين في السياسة الأمريكية على التمييز بين حضور هذا المخيال الديني في المجتمع، وبين آليات اتخاذ القرار داخل الدولة، إذ تتحرك مؤسسات الحكم في الواقع وفق حسابات الأمن الإقليمي واستقرار النظام الدولي ومصالح القوة العالمية. غير أنّ هذا التمييز على ضرورته التحليلية لا يلغي أثر المناخ الرمزي الذي تتحرك داخله السياسة؛ لأنّ المخيال الجمعي حتى حين لا يصوغ القرار مباشرةً يظلّ قادراً على تشكيل اللغة التي تُفهم بها الأحداث.
المسيانية الدينية في إسرائيل… الدولة علامة في سرديات الخلاص
منذ قراءة بيان رئيس وزراء إسرائيل المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو، الأول عند شنّه هذه الحرب، أدخل العبارات التوراتية كافة اللازمة لجعلها حرباً مقدّسةً تُعنى بالمصير المسياني الأخير.
منذ نشأة إسرائيل وقيام الدولة سنة 1948، ثمة قراءة خاصة للتاريخ السياسي المعاصر داخل العديد من التيارات القومية الدينية الحاكمة، لا ترى الدولة حادثةً من حوادث القرن العشرين فحسب، بل حلقةً في سلسلة أطول من تاريخ توراتي ينتظر اكتماله منذ الأزمنة الأولى.
بعد حرب الأيام الستة سنة 1967، حين دخلت إسرائيل القدس الشرقية والضفة الغربية، لم يُنظر إلى هذا التحوّل العسكري بوصفه انتصاراً إستراتيجياً فحسب، بل باعتباره لحظةً ذات دلالة لاهوتية عميقة، لأنّ السيطرة على القدس بدت وكأنّها استعادة لمشهد توراتي قديم يعود إلى الظهور في زمن حديث
وهكذا لم تعُد إسرائيل، في هذا التصوّر، كياناً سياسياً نشأ في سياق التحوّلات القومية الحديثة، بل تحوّلت إلى علامة زمنية تُقرأ داخل أفق ميتافيزيقي يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة معاً، وكأنّ الدولة نفسها ليست نهاية التاريخ، بل بدايته المؤجّلة منذ قرون.
تعزّز هذا التأويل بصورة خاصة بعد حرب الأيام الستة سنة 1967، حين دخلت إسرائيل القدس الشرقية والضفة الغربية؛ إذ لم يُنظر إلى هذا التحوّل العسكري في بعض الأوساط الدينية بوصفه انتصاراً إستراتيجياً فحسب، بل باعتباره لحظةً ذات دلالة لاهوتية عميقة، لأنّ السيطرة على القدس -المدينة التي تتشابك فيها ذاكرة الأنبياء ومخيّلة العهد القديم- بدت وكأنها استعادة لمشهد توراتي قديم يعود إلى الظهور في زمن حديث.
بهذا المعنى لم تعد الحرب واقعةً عسكريةً فحسب، بل إشارة من إشارات الزمن الذي يقترب من نهايته، أو من بدايته الجديدة في آن واحد.
وفي هذا السياق ظهرت حركة "غوش إيمونيم" في سبعينيات القرن العشرين، بوصفها من أبرز التعبيرات السياسية عن هذا التحوّل في المخيال الديني القومي، إذ رأت أنّ الاستيطان في الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967، ليس مشروعاً تفاوضياً يخضع لحسابات الحدود وموازين القوى، بل واجب ديني يدخل في صلب تحقيق الوعد التوراتي نفسه.
هكذا تحوّلت الجغرافيا، في خطاب هذه الحركة، إلى نصّ مقدّس ينبغي أن تُعاد قراءته بالفعل السياسي، لا بالتفسير الرمزي وحده، وصار الاستيطان ضرباً من ضروب المشاركة في التاريخ المقدّس، لا مجرد سياسة من سياسات الدولة الحديثة.
وقد شرح المؤرّخ والصحافي الإسرائيلي غيرشوم غورينبرغ، في كتابه "نهاية الأيام" (2000)، كيف أخذت بعض الأوساط الدينية القومية ترى في التاريخ المعاصر بدايةً لمرحلة نهاية الأزمنة في المخيال اليهودي، أي اللحظة التي يتحوّل فيها الزمن السياسي إلى زمن توراتي جديد، وتغدو الوقائع اليومية إشارات رمزيةً تتجاوز معناها المباشر إلى أفق أخروي أوسع.
وفي هذا التحوّل، لم تعُد الدولة أداةً لتنظيم المجتمع فحسب، بل أصبحت عند بعض التيارات إطاراً لتجسيد معنى الخلاص نفسه.
غير أنّ جذور هذه القراءة لا تعود إلى سبعينيات القرن العشرين وحدها، بل تمتد إلى نقاش أعمق داخل الصهيونية الدينية منذ بداياتها الأولى، حيث ظلّ التوتر قائماً بين اتجاه قومي يرى الدولة مشروعاً سياسياً حديثاً، واتجاه مسياني يرى فيها خطوةً ضمن مسار إلهي طويل يقود إلى اكتمال الوعد بالخلاص.
وقد أظهر الفيلسوف الإسرائيلي أفيعزر رافيتسكي، أنّ هذا التوتر لم يكن طارئاً، بل كان جزءاً من البنية الفكرية للصهيونية الدينية نفسها، حيث تعايش تصوّران مختلفان للدولة: تصوّر واقعي ينتمي إلى عالم السياسة، وآخر لاهوتي ينتظر أن تتحوّل الدولة إلى علامة من علامات النهاية.
في هذا السياق، ظهرت أيضاً فكرة أنّ قيام إسرائيل قد يمهّد لظهور "الماشيح"، الملك المخلّص في التقليد اليهودي، وهو تصوّر يستند إلى طبقات متعددة من التفسير التوراتي والتلمودي، ويستعيد في الوقت نفسه صورة الحرب الكونية الكبرى المعروفة باسم حرب "يأجوج ومأجوج" الواردة في سفر حزقيال، حيث يتخيّل صراعاً شاملاً يسبق زمن السلام النهائي.
وهكذا تحوّلت هذه الصورة، في بعض القراءات الحديثة، إلى إطار رمزي تُفسّر من خلاله الحرب الأخيرة على إيران، بحيث يغدو هذا الاعتداء جزءاً من مشهد كوني أوسع من حدوده العسكرية المباشرة.
المهدوية في إيران وتحوّل الانتظار إلى لغة سياسية
على الضفة الأخرى من هذا المشهد الرمزي الواسع، أبرزت هذه الحرب جزءاً مهماً من الثقافة الدينية في إيران، يقوم على فكرة الانتظار المهدوي في التشيّع الاثني عشري، أي انتظار ظهور الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي، الذي تقول العقيدة الإمامية إنّه دخل في الغيبة في القرن التاسع الميلادي، وسيعود في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً.
تتحدث الروايات الدينية الشيعية عن علامات تسبق الظهور، من بينها اضطرابات كبرى تصيب العالم، وتفكّك أنظمة سياسية قائمة، وظهور شخصيات رمزية مثل "السفياني" أحد وجوه الصراع الذي يسبق لحظة التحول النهائي في التاريخ
غير أنّ هذا الانتظار لم يبقَ مجرد عنصر تعبّدي في الحياة الدينية الشيعية، بل تحوّل عبر القرون إلى بنية عميقة من بنى الوعي التاريخي نفسه، وإطار رمزي يُعاد من خلاله تفسير الزمن السياسي، بحيث لا يعود التاريخ مساراً تراكمياً يتقدّم خطوةً بعد أخرى، بل حركة معلّقة نحو لحظة فاصلة يتغيّر فيها ميزان العالم، ويُعاد فيها تعريف العدالة والشرعية ومعنى السلطة.
وقد أشارت موسوعة "إيرانيكا"، إلى أنّ عقيدة الغيبة لم تكن مجرد فكرة لاهوتية نشأت في سياق جدل مذهبي مبكر، بل تحوّلت تدريجياً إلى أحد الأعمدة المركزية في بناء التصوّر الشيعي للزمن، إذ وفّرت الإطار العقدي الذي حفظ فكرة الإمام الغائب في الوعي الجماعي، ومنحت التاريخ معنى مفتوحاً على المستقبل، لا ينغلق عند حدود الحاضر.
وهكذا لم يعد الإمام الغائب شخصيةً تنتظر الظهور فحسب، بل أصبح محوراً لقراءة التاريخ نفسه، ومركزاً رمزياً يُعاد من خلاله فهم العلاقة بين السلطة والعدالة والانتظار الطويل لمعنى لم يتحقّق بعد.
قدّم الباحث الإيراني عبد العزيز ساشادينا، في كتابه "المسيانية الإسلامية: فكرة المهدي في التشيع الاثني عشري" (1981)، قراءةً دقيقةً لتطوّر هذه العقيدة في المصادر الإمامية المبكرة، مبيّناً كيف تحوّلت فكرة المهدي إلى محور أساسي في تصوّر الشيعة للزمن التاريخي، حيث لا يسير التاريخ، في هذا التصوّر، نحو تقدّم تدريجي هادئ كما في الفلسفات الحداثية، بل يتجه نحو لحظة انكشاف كبرى يُعاد فيها ترتيب العالم على أساس العدالة الإلهية. ولهذا، تتحدث الروايات الدينية عن علامات تسبق الظهور، من بينها اضطرابات كبرى تصيب العالم، وتفكّك أنظمة سياسية قائمة، وظهور شخصيات رمزية مثل "السفياني" الذي يُقدَّم في بعض النصوص بوصفه أحد وجوه الصراع الذي يسبق لحظة التحول النهائي في التاريخ.
غير أنّ هذا البعد الأخروي لم يبقَ حبيس النصوص اللاهوتية وحدها، بل اكتسب بعد الثورة الإيرانية سنة 1979 أفقاً سياسياً جديداً، إذ دخلت الرمزية الشيعية في صلب اللغة التي صاغت بها الدولة الحديثة مشروعها.
شرح عالم الاجتماع الإيراني سعيد أمير أرجمند، في كتابه "من العمامة إلى التاج" (1988)، كيف استعادت الثورة الإيرانية المخزون الرمزي للتشيّع لكي تضفي على مشروعها السياسي معنىً دينياً يتجاوز حدود الدولة الحديثة نفسها، من غير أن تعلن أنها تمثّل تحقّق الظهور المهدوي مباشرةً. وهكذا نشأت صيغة سياسية جديدة تجعل من الانتظار إطاراً للشرعية، ومن التاريخ مجالاً مفتوحاً لاحتمال العدالة المؤجلة، لا واقعاً منتهياً عند حدود الدولة القائمة.
في هذا السياق، لم تعد الدولة تُقدَّم بوصفها نهاية التاريخ الشيعي، بل بوصفها مرحلةً ضمن مسار أطول ينتظر اكتماله في المستقبل، وهو ما منح الخطاب السياسي الإيراني قدرةً خاصةً على الجمع بين الواقعية الجيوسياسية واللغة الرمزية الدينية في آن واحد. فالصراع مع الولايات المتحدة، أو التوتر مع إسرائيل، لا يُفهم داخل إيران في تحليلات الباحثين المتخصصين بوصفه تحقيقاً مباشراً لنبوءات مهدوية، بل بوصفه صراعاً يتعلق بتوازن القوى الإقليمية، وبردع التهديدات العسكرية، وببناء موقع إستراتيجي داخل النظام الدولي.
غير أنّ حضور المخيال المهدوي في هذه الحرب يظلّ قائماً في الخلفية الثقافية بوصفه لغةً رمزية تمنح السياسة أفقاً أخلاقياً يتجاوز حدود الحسابات اليومية، ويجعل التاريخ نفسه مفتوحاً على معنى لم يُنجز بعد.
من هنا، يكشف النظر إلى هذه الحالات الثلاث؛ الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أنّ الشرق الأوسط لا يتحرّك دائماً داخل مستوى واحد من الفهم التاريخي، بل يعيش في تقاطع مستويين متداخلين: مستوى السياسة الواقعية التي تحكمها المصالح والتحالفات وموازين القوة، ومستوى المخيال الديني الذي يمنح الأحداث معنى كونياً يتجاوز حدود الجغرافيا. ففي الولايات المتحدة، تظهر قراءة إنجيلية ترى في المنطقة مسرحاً لمعركة "هرمجدون"، وفي إسرائيل تتجدد داخل بعض الأوساط قراءة مسيانية للتاريخ، وفي إيران تتشكل سردية مهدوية تجعل الانتظار جزءاً من تصوّر الزمن السياسي نفسه.
هكذا يغدو الشرق الأوسط، في بعض مستويات قراءته العميقة، لا مجرد مساحة للصراع بين الدول، بل موضعاً تتقاطع فيه الجغرافيا بالنبوءة، ويتداخل فيه التاريخ مع فكرة النهاية، وتتحول فيه الوقائع اليومية إلى إشارات بعيدة في سردية كبرى لم يُكتب فصلها الأخير بعد.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
