"الهيدروجين الأخضر" سلاح آخر حاسم لها... كل "الممرات" تؤدي إلى الرياض؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 1 أبريل 202611 دقيقة للقراءة


بات اليقين السياسي في العالم يشير إلى الخلاصة التالية بوضوح: "من يسيطر على ممرات البحر والبر بين الشرق والغرب يحكم العالم".

بذا، يمكن اعتبار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اقتصاديةً في المقام الأول، ومن ثم محاولة التوقف عند الأهداف غير المعلنة لها وتحليلها، وفهم لماذا اختارت قوى العالم السياسات الهادئة في التعامل معها، بدءاً من الخليج، مروراً بالاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وحتى الصين، ما يتركنا أمام السؤال الوحيد المتبقي: متى قد يتدخل العالم في هذه الحرب؟

ابحث عن تركيا!

كشفت الأسابيع الماضية أكثر من غيرها عن هشاشة الشرايين البحرية الكبرى، وأن حركة كل الاقتصاد العالمي متعلقة بشعرة، بعد أن تبين أنّ قرارات سياسيةً ضخمةً قادرةً على وقف كل سلاسل التوريد قد تكون في يد شخص واحد أو اثنين. وهذه الثغرة الكبرى في نظام التجارة العالمي ليست حكراً على من يحكمون مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، بل تشمل أيضاً من يقرر إشعال حرب تدفع لإغلاقهما.

من ممر "زانغيزور" إلى "طريق التنمية"، لم تفوّت أنقرة فرصة الحرب الحالية لتقديم مقترحات ممراتها البرية التي تربط الخليج وشرق اسيا بأوروبا براً؛ وبحيث تصبح المتحكم السيادي في تدفقات التجارة العالمية

وبينما يظلّ مضيق هرمز هو الجائزة الكبرى لمن يحكمه، بتدفقه الهائل الذي يغذي خُمس الاستهلاك العالمي، يتحول التلويح بإغلاق باب المندب إلى عقدة ضغط إضافية، لم تكن لتكون بهذا الإيلام لولا إغلاق هرمز، مما تسبب في صدمة لنظام التجارة الاستهلاكية العالمي، ورفع أسعار المواد الأساسية بعد رفع كلف الشحن والتأمين والوقود، وهو ما يفرض واقعاً جديداً يتطلب "تأميناً إستراتيجياً" يتجاوز الجغرافيا البحرية التقليدية، نحو الممرات البرية الصماء، الأمر الذي لم يكن غائباً عن توقعات وعي المجتمع الدولي، لكن الأمل كان بتحقيق الممرات البرية قبل قيام هذه الحرب، والتي أيضاً لم تكن غائبة عن التوقعات.

وسط هذه الفوضى، تتقدم تركيا لتقدم نفسها على أنها "الرجل المنقذ"، فيتحدث الرئيس التركي رجا طيب أردوغان عن تفاهمات أولية لتمويل مشروع بري يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا، في خطوة تعكس تسارع البحث عن بدائل للممرات البحرية المهددة. ومن خلف أنقرة وضمن حلفها، يصرح الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع -متجاوزاً أن سوريا تعدّ بلداً عالي المخاطر ائتمانياً- بأن بلاده قد تتحول إلى ملاذ آمن لسلاسل الإمداد في حال حدوث اضطرابات في البحر الأحمر أو مضيق هرمز!

إذاً تعرض كل من أنقرة ودمشق جغرافيتهما المشتركة كبديل ممكن وقريب عن النقل البحري. وبغض النظر عن "عدم واقعية" الطرح السوري، لكن طرح أنقرة متماسك بما يكفي لتتمّ دراسته، وهو بالطبع ليس الخيار التركي الوحيد، فالمشهد لا يكتمل دون الالتفات إلى "الجغرافيا العراقية"؛ فبينما تعرض أنقرة ودمشق اقتراحهما، يبرز "طريق التنمية" المنطلق من ميناء الفاو الكبير كأخطر منافس جيوسياسي للممرات القائمة.

هذا الممر الذي يحظى باستثمارات قطرية وإماراتية مع تنسيق تركي، يسعى أيضاً لربط الخليج بأوروبا، لكن برياً وعبر الأراضي العراقية، متجاوزاً ليس فقط المعضلات البحرية، بل أيضاً ما تعتقده تل أبيب "إحتكاراً للمتوسط" في ميناء حيفا. وفي حال نجح هذا المسار قد يعني الأمر تحوّل الفاو إلى مركز ثقل عالمي، مما يمنح الرياض رفاهية إضافية في المناورة بين الممر الهندي الأوروبي المدعوم أمريكياً و"ممر التنمية" المدعوم إقليمياً.

تلح الصحافة الإسرائيلية على حاجة الرياض لتسريع التطبيع لاستغلال ميناء حيفا لتصدير نفط الخليج، مع التحذير من ممر (شرق-غرب) السعودي الذي يصل إلى البحر الأحمر، وقدرته على حل مشكلة التصدير جزئياً.

كما لا يمكن فصل الطموح التركي عن مشروع أوسع يتمثل في "ممر زانغيزور" الذي يربط تركيا بآسيا الوسطى عبر أذربيجان. هذا الممر يمنح أنقرة السيادة الحقيقية على خطوط التجارة بين الصين وأوروبا بعيداً عن السيطرة الإيرانية، ويحول أنقرة من مجرد "منقذ" إلى "لاعب رئيسي" يمتلك مفاتيح العبور من الشرق الأقصى إلى المتوسط. أما بالنسبة للرياض، فيمثل هذا التوسع التركي فرصةً إستراتيجيةً لربط موانئها بكتلة اقتصادية صلبة تمتد إلى القوقاز، مما يضعف قدرة واشنطن وتل أبيب على احتكار "شرعية الممرات" في المنطقة.

هذه الاقتراحات التي تشترك تركيا فيها كلها، ليست إلا أمثلة قليلة من ضمن عشرات البدائل التي كانت تنتظر فرصتها لتخرج من الأدراج، لتقول إن الممرات الحالية لم تعد الخيارات الوحيدة المتاحة.

فهناك خطط ممرات أخرى، تأتي أهميتها من أنها لا تخضع لقرار رجل واحد، ولا للابتزاز الإسرائيلي المتمثل في ميناء حيفا كنافذة "وحيدة آمنة" من الشرق إلى المتوسط، الأمر الذي يعيد فتح ملف "الجدوى الاقتصادية" للحرب الدائرة حالياً. فكلما طال أمد الحرب، اقتربت البدائل البرية التي لا تخضع للابتزاز الإيراني أو الإسرائيلي من التحقق، ما يضعف طرفي الحرب معاً.

لكن بعيداً عن المخططات الطموحة التي قد يستغرق تنفيذها سنوات -دون معيقات-، كيف سيحل العالم معضلة اليوم؟ وهل تخرج إسرائيل من هذه الحرب وقد كسبت ممرات الشرق كما تطمح؟

الممرات الخضراء السعودية

في صحيفة معاريف الإسرائيلية، كتب العقيد احتياط، عاميت يغور، مقالاً يضيء على الطموحات الإسرائيلية الحالية في الشرق. وتحت عنوان "من البحر إلى اليابسة: الخطة التي تغيّر خريطة الطاقة العالمية"، تحدّث عن أن المعركة على اليوم التالي للحرب الدائرة خلف الكواليس في إيران قد بدأت بالفعل. فإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب دفعا تركيا للتحرك بنشاط في خلفية المشهد بتنسيق مع السوريين لتقديم نفسيهما كبديل سهل ومتاح. وهذا بالإضافة إلى اختيار السعودية لخط أنابيب شرق-غرب الذي تأسس في الثمانينيات ويصل إلى ينبع في البحر الأحمر.

لكن الأهم هو عرض الكاتب الإسرائيلي لمطامع تل أبيب وواشنطن. فحول كيفية ابتزاز الخليج من خلال نفطه بوضوح، يقول: "بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، فإن تمديد البنية التحتية من ينبع شمالاً نحو إيلات يسمح بضخ مباشر إلى خط إيلات-عسقلان، ما يخلق ممراً برياً كاملاً من الخليج العربي إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا. وفي هذه المرحلة لا يستطيع خط بترولاين (شرق-غرب) أن يحل محل مضيق هرمز لأنه ينقل نحو 30% فقط من الكميات التي تمر عبره. كما تم طرح فكرة إضافة طبقة بنية تحتية موازية لنقل الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين والألياف البصرية بكميات تجارية".

يعود التقرير لاحقاً لشرح جزئية نقل الهيدروجين والألياف البصرية، لكن من هنا نتوقف عند توقع ما يمكن أن نستشفه من هذه الفقرة لعاميت، بأننا على وشك مشاهدة تحرك إسرائيلي بهدف تعطيل خط أنابيب شرق-غرب.

تتجاوز أهمية الممر الهندي-أوروبي البضائع نحو السيادة الرقمية والطاقية في المستقبل؛ إذ تحول السعودية الممر لشريان هيدروجين لأوروبا، رافضة منح إسرائيل "مفتاح المحبس"، ومتمسكةً بالتحكم في كابلات الألياف وأنابيب الطاقة بما يضمن استدامة استثماراتها التريليونية في العقود القادمة

فإيجاد أي منفذ للنفط السعودي اليوم، حتى وإن كان يعمل بشكل جزئي، يخفف من حدة الابتزاز الإسرائيلي إذ تسعى تل أبيب لإغلاقه على الخليج لتسريع التطبيع والشراكة الاقتصادية. وأي بديل، سواء كان خليجياً فورياً كخط أنابيب (شرق-غرب)، أو مستقبلياً كالمقترحات التركية، يعدّ خسارة لإسرائيل وتخريباً لخططها التي سوف تغلق كل المنافذ الخلفية لتصدير النفط والغاز الخليجي، بحيث لا يبقى أمام خيار التصدير سوى ميناء حيفا، مركز الثقل الاقتصادي لتل أبيب، ما يفسر من ناحية أخرى كم الصواريخ الإيرانية التي تستهدفه بشكل يومي، لتعطيل هذا الخيار الإسرائيلي "السهل" والموضوع على الطاولة لإغراء الخليج وأوروبا معاً.

هنا بالتحديد يعود الحديث عن الممر الهندي الأوروبي (IMEC): البديل البري الحقيقي والقوي لكل الطرق البحرية، والأهم: الأقرب، والذي تُعدّ السعودية شريكاً أساسياً فيه على عكس إسرائيل.

فربط الرياض الشروط السياسية بالاقتصادية لاستكمال الشراكة مع تل أبيب في الممر، لا تزال تصعّب على الأخيرة حلمها بأن تكون عضواً فاعلاً فيه. وما لم يحدث تطبيع وفق مبادرة السلام العربية، ستكون مشاركة إسرائيل في الممر العملاق بالحد الأدنى، وهنا يقول عاميت: "يبدو أن احتمال إغلاق باب المندب قد يوضح أهمية مشروع الممر الهندي الأوروبي (IMEC) لدول الخليج، ويشجع انضمام دول إضافية إليه ويعجّل في تنفيذه، وهو البنية التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل من خلالها إلى بناء النظام الإقليمي الجديد".

هل أثبت الخليج قوته الدبلوماسية؟

يرى محللون أن السعودية أثبتت براعة غير متوقعة في "لعبة عض الأصابع"، فبدلاً من أن تكون الرياض ضحية للضغط، تحولت إلى "عقدة مرجحة" تتحكم في مصير الممر الهندي الأوروبي (IMEC)، بعد أن أدركت أن واشنطن وتل أبيب بحاجة إلى "الختم الهيكلي" السعودي لإتمام المشروع كمنافس إستراتيجي لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، فجعلت ثمن التطبيع باهظاً، والمقصود هنا ليس الشروط السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بل ضمان سيادتها التامة على "ممراتها الخضراء" الخاصة بالطاقة المستقبلية.

فالصراع الحقيقي في الممر الهندي الأوروبي (IMEC) يتجاوز حاويات البضائع وبراميل النفط ليصل إلى أمرين: "السيادة الرقمية" على الممر و"السيادة الطاقية" المستقبلية، والمخطط السعودي يجمعهما معاً بهدف تحويل هذا الممر إلى "شريان أخضر" لنقل الهيدروجين والكهرباء النظيفة إلى أوروبا.

متى قد يتدخل العالم في هذه الحرب؟ الجواب هو في اللحظة التي تتحول فيها "حرب الممرات" البرية والبحرية من صراع على النفوذ إلى "سكتة قلبية" للاقتصاد العالمي.

هنا تكمن المعضلة الإستراتيجية لتل أبيب؛ فالسعودية لن تسمح لإسرائيل بامتلاك "مفتاح المحبس" -إن جاز التعبير- للممرات الخضراء وهيدروجين السعودي المتجه نحو القارة العجوز، واشتراط الرياض لسيادتها التامة على البنية التحتية التكنولوجية للممر ليس إلا ضمانة معقولة لاستثمار تريليوني تثبت استدامته وتقلل من مخاطره. فمن يتحكم في كابلات الألياف البصرية وأنابيب الهيدروجين، هو من يمتلك ورقة إطفاء أو إنارة العواصم الأوروبية في العقود القادمة!

وفي هذا السياق، يبرز الموقف الصيني الذي يراقب بحذر محاولات واشنطن عزل بكين عبر هذا الممر، بينما يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في حالة ارتباك وجودي، ممزقاً بين حاجته الماسة لممر آمن للطاقة يجنبه أزمات الممرات البحرية، وبين مخاوفه من الانجرار خلف صراع ممرات قد يؤدي إلى استقطاب عالمي حاد وتضخم جامح في الأسعار.

حرب بالنيابة عن المستقبل

وهنا لا بد من الإشارة إلى "رقمنة الممرات" في المستقبل، فالممرات الحديثة ليست مجرد إسفلت وحديد كسابقاتها، بل أنظمة برمجية معقدة تدير تدفق البيانات والطاقة.

لذا، فالإضرار بالممرات الطموحة في 2026 لا يحتاج لإغلاق مضيق فعلي، بل قد يكتفي بشل العمود الفقري الرقمي للممر عبر هجمات سيبرانية منسقة! هذا التهديد هو ما يجعل كلاً من تل أبيب والرياض تستثمران بكثافة في بناء بنيتهما الرقمية الخاصة، لضمان ألا تتحول الشراكة التقنية في المستقبل التي تنفذ العمليات في الممر إلى ثغرة أمنية تسمح باختراق مفاصل الدولة الاقتصادية تحت ستار "الربط اللوجستي".

من هذا المنطلق، تتجاوز هذه الحرب حدود المنطقة، لتتقاطع مع صراع الحركة العالمي، من ممر "شمال جنوب" الذي يربط روسيا بالهند، إلى "طريق الملاحة الشمالي" في القطب المتجمد الذي تسعى موسكو وبكين لجعله بديلاً لقناة السويس.

ووسط حرب الممرات غير المكتملة، وحمى البحث عن البدائل في عالم توقفت تجارته، يعود سؤال بداية التقرير: متى قد يتدخل العالم في هذه الحرب؟ ولماذا؟ والجواب هو: في اللحظة التي تتحول فيها "حرب الممرات" من صراع على النفوذ إلى "سكتة قلبية" للاقتصاد الرقمي والطاقي العالمي. فالعالم لن يتدخل لإنقاذ الجغرافيا، بل لإنقاذ "التدفق".





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile